جذور الحروب الإثيوبية قبل استقلال إريتريا وبعده وارتباط النزاعات بالمصالح الإقليمية والدولية: انفراط بريتوريا: تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء: حول سد النهضة مع موقف القاهرة

 

جذور الحروب الإثيوبية قبل استقلال إريتريا وبعده وارتباط النزاعات بالمصالح الإقليمية والدولية



مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
إعداد: الباحث الكرتي (HA-ALKRTY)
تاريخ الإعداد: 24 سبتمبر 2026
نطاق المعطيات: حتى 23 سبتمبر 2026


ملاحظة منهجية تمهيدية: مراجعة النص المُقدَّم

انتهت المراجعة إلى خمس ملاحظات اقتضت التصويب أو التوصيف:

  1. الانتخابات: يعامل النص انتخابات 2026 كحدث مقبل، وقد جرت فعلاً في 1 يونيو 2026. أعلنت النتائج في أواخر يونيو، وأعالجها التقرير بوصفها حدثاً قائماً.
  2. الدعم الإريتري: يعرض النص الدعم الإريتري للمعارضة كأنه واقعة مثبتة. هو في الأصل اتهام رسمي إثيوبي تنفيه أسمرة، ولم أجد له تحققاً قضائياً أو أممياً مستقلاً. صنّفته ضمن المستوى الثالث من سلّم الإثبات.
  3. التوازن: يغفل النص الاتهامات الموجهة إلى إثيوبيا نفسها بشأن الحرب في السودان، وهي ضرورية لحياد التقرير. أدرجتها مع بيان أنها ادعاءات لم تتحقق منها جهة مستقلة بعد.
  4. توصيف الأراضي: عبارة «احتلال مناطق من قبل قوات إريترية وأمهرا» تتطلب دقة. تخضع مناطق غرب تيغراي لإدارة أمهرية منذ الحرب وتتنازعها أمهرا وتيغراي، والوجود الإريتري داخل الأراضي الإثيوبية محل اتهام إثيوبي وتنفٍ إريتري.
  5. الأرقام: تتباين الأرقام المنشورة لمقاعد البرلمان (438 من 486 مقعداً تحققت نتائجها، أو من 501 مقعداً متنافَساً عليها بحسب مصادر أخرى). اعتمدتُ رواية بلومبرغ مع التنبيه إلى التباين.

1. الملخص التنفيذي

يتتبع هذا التقرير جذور الحروب الإثيوبية عبر ثلاث مراحل: مرحلة الدولة الإمبراطورية ثم الدرغ التي انتهت بانفصال إريتريا (1993)، ومرحلة ما بعد الانفصال التي شهدت حرب 1998–2000 وتوتر «لا حرب ولا سلم»، ثم مرحلة 2018–2026 التي تراوحت بين مصالحة أسمرة وأديس أبابا وحرب تيغراي وعودة الاحتقان.

يخلص التقرير إلى أن النزاعات الإثيوبية ليست «مؤامرة خارجية» صرفة ولا شأناً داخلياً معزولاً. جذورها بنيوية داخلية تتصل ببناء الدولة والفيدرالية الإثنية وتوزيع السلطة والأراضي المتنازع عليها. ويعمل الدعم الإقليمي والدولي عاملاً مُمكِّناً ومُضاعِفاً لها.

أما المستجد الأبرز فهو إعلان سبع جماعات مسلحة في 20 سبتمبر 2026 تحالفاً يستهدف إسقاط الحكومة الاتحادية. ويقع هذا الإعلان في سياق متأزم يضم:

  • انهيار عملي لترتيبات اتفاق بريتوريا؛
  • استمرار الخلاف على ميناء عصب والمنفذ البحري؛
  • تشابك الحرب السودانية مع الصراع الإثيوبي–الإريتري؛
  • محاور إقليمية ودولية متنافسة على البحر الأحمر ونهر النيل.

2. مشكلة البحث وأسئلته

المشكلة: كيف تحوّلت النزاعات الإثيوبية من صراعات على بناء الدولة والحكم إلى نظام صراع إقليمي مترابط، وإلى أي حد تفسّر المصالح الخارجية استمراره وتصاعده، مقارنةً بالعوامل الداخلية؟

الأسئلة:

  1. ما جذور الحروب الإثيوبية قبل 1993، وكيف أعادت ولادة إريتريا تشكيل الجغرافيا السياسية للنزاع؟
  2. ما الذي يفسّر حرب 1998–2000 وتعثر تنفيذ قرارها القانوني؟
  3. كيف تبدلت التحالفات (أسمرة–أديس أبابا–التيغراي) بين 2018 و2026؟
  4. ما مصالح الأطراف الإقليمية والدولية (مصر، الإمارات، تركيا، السعودية، إسرائيل، السودان، الولايات المتحدة)، وما الموثّق منها وما المزعوم؟
  5. ما المسار الأرجح للتصعيد، وما مداخل الاحتواء؟

3. الإطار النظري والقانوني

نظرياً، يعتمد التقرير ثلاثة مداخل متكاملة:

  • مركّب الأمن الإقليمي عند بوزان وفيفر (Buzan and Wæver, 2003). يرى أن أمن دول الإقليم مترابط بحيث يتعذر تحليل أزمة إحداها بمعزل عن جيرانها، وهو ما ينطبق على القرن الأفريقي.
  • «سوق السياسة» عند دي وال (de Waal, 2015). يفسّر تقلب التحالفات بمنطق الصفقات والولاءات المتحركة بين النخب المسلحة، لا بالأيديولوجيا الثابتة.
  • أدبيات تفويض الحرب (Salehyan, 2010; Salehyan, Gleditsch and Cunningham, 2011). تبيّن أن الدول تدعم الجماعات المتمردة في الدول المجاورة لأسباب استراتيجية، وأن هذا الدعم يرتبط بدوافع الردع والمساومة.

ويستند التقرير إلى نقد كلابهام (Clapham, 2017) لتفسيرات الصراع في المنطقة بمتغير واحد.

قانونياً، تحكم الوقائع النصوص التالية:

  • قرار الجمعية العامة 390 (أ) (خامساً) لعام 1950 بشأن الاتحاد الفيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا؛
  • ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4)، والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي (المادة 4)؛
  • اتفاق الجزائر (2000)، وقرار لجنة الحدود (2002)، وأحكام لجنة المطالبات (2005)؛
  • اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية (2022)؛
  • قواعد حق الدول غير الساحلية في النفاذ إلى البحر وحرية العبور (الجزء العاشر من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعكس قواعد منها العرف الدولي؛ ويلزم التحقق من وضع تصديق كل طرف).

4. النتائج الموثقة

4.1 الخلفية التاريخية قبل استقلال إريتريا (حتى 1993)

جذور الدولة والمظالم. تشكلت الدولة الإثيوبية الحديثة في القرن التاسع عشر بتوسع الإمبراطور منليك الثاني جنوباً وشرقاً وضمّه شعوباً مثل الأورومو والصوماليين في الأوجادين. وترى الأدبيات التاريخية (Bahru Zewde, 2001) أن هذا التوسع أنتج بذور المظالم التي غذّت لاحقاً حركات مثل جبهة تحرير أورومو (1973) وجبهة تحرير أوجادين الوطنية (1984).

إريتريا. كانت إريتريا مستعمرة إيطالية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، ثم أُدرجت تحت الإدارة البريطانية (1941–1952). وقرّرت الأمم المتحدة عام 1950 اتحاداً فيدرالياً مع إثيوبيا (مستوى أول). وقد فككت أديس أبابا هذا الاتحاد تدريجياً خلال العقد التالي (New Lines Magazine, 2025)، ثم ضمّت إريتريا رسمياً عام 1962 بعد تصويت جمعيتها تحت ضغط. فاندلعت الحرب المسلحة (جبهة التحرير الإريترية 1961، ثم الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا) واستمرت نحو ثلاثة عقود (Iyob, 1995; Gebru Tareke, 2009).

الدرغ والحروب المتزامنة. أسقطت ثورة 1974 الإمبراطور هيلا سيلاسي، وتصلّب حكم منغستو هيلا مريام منذ 1977. وخاض النظام في الوقت نفسه حرب الأوجادين ضد الصومال (1977–1978)، وحملة «الإرهاب الأحمر»، والحرب في إريتريا، والتمرد في تيغراي بقيادة جبهة تحرير تيغراي (تأسست 1975). وفي 1991 انهار الدرغ أمام تحالف جبهة تحرير تيغراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا.

الاستقلال. أجري استفتاء أبريل 1993 بإشراف أممي، وصوّتت إريتريا لصالح الاستقلال بأغلبية ساحقة، وأُعلن رسمياً في 24 مايو 1993. وترتبت على ذلك نتيجة بنيوية دائمة: أصبحت إثيوبيا، وهي من أكبر دول القارة سكاناً، دولةً غير ساحلية، وفقدت منفذي عصب ومصوّع (Bahru Zewde, 2001).

4.2 من الاستقلال إلى 2018: حرب 1998–2000 و«اللاحرب واللاسلم»

بدأت الحرب حين اقتحمت قوات إريترية بلدة بادمي المتنازع عليها في إقليم تيغراي عام 1998 (Democracy in Africa, 2026). وسبقتها خلافات اقتصادية ونقدية بين الحليفين السابقين بعد إصدار إريتريا عملتها. وحُسمت أدبياً في الأدبيات بوصفها حرباً على الحدود والهيمنة الإقليمية أكثر منها نزاعاً على بلدة بعينها (Tekeste Negash and Tronvoll, 2000). وتتفاوت تقديرات الضحايا تفاوتاً كبيراً (تتداول أرقام بين عشرات الآلاف ونحو مئة ألف)، ولا تُعد رقماً مثبتاً قضائياً.

المستوى الأول (قضائي/معاهدي):

  • اتفاق الجزائر (ديسمبر 2000) أنهى القتال، وأنشأ لجنة الحدود ولجنة المطالبات، وواكبته بعثة أممية للسلام (UNMEE).
  • قرار لجنة الحدود (13 أبريل 2002) منح بادمي لإريتريا، غير أن إثيوبيا لم تنفّذه، وبقي الترسيم المادي معلقاً.
  • لجنة المطالبات (ديسمبر 2005) قضت في مسألة اللجوء إلى القوة (jus ad bellum) بأن إريتريا خرقت المادة 2/4 من الميثاق بمهاجمتها في مايو 1998.

بقي ملف الحدود مجمداً في ما عُرف بـ«اللاحرب واللاسلم». وتبادل الطرفان اتهامات دعم المعارضات المسلحة (أورومو وأوجادين وعفر من جهة، وحركات إريترية معارضة من جهة). وفُرضت على إريتريا عقوبات أممية عام 2009 (القرار 1907) بشأن دعمها المتهم لجماعات مسلحة في الصومال، ورُفعت عام 2018 (القرار 2444). وقد أثبتت هذه المرحلة نمطاً متكرراً، هو الحرب بالوكالة عبر المعارضات المسلحة العابرة للحدود، وهو نمط تشرحه أدبيات التفويض (Salehyan, 2010).

4.3 2018–2022: المصالحة ثم حرب تيغراي

أعلن آبي أحمد عام 2018 قبول قرار لجنة الحدود كاملاً، ووقّع مع إسياس أفورقي إعلاناً مشتركاً للسلام في أسمرة (يوليو 2018) نال عنه جائزة نوبل للسلام (2019). لكن المصالحة كانت في جوهرها تحالفاً ضد جبهة تحرير تيغراي التي فقدت السلطة الاتحادية، لا تسوية مؤسسية للحدود. وحين اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر 2020 شاركت القوات الإريترية إلى جانب القوات الاتحادية وميليشيات أمهرا.

المستوى الثاني (هيئات دولية معتبرة): خلص تقرير التحقيق المشترك لمفوضية حقوق الإنسان الأممية ولجنة حقوق الإنسان الإثيوبية (2021)، ثم لجنة الخبراء الدولية المعنية بإثيوبيا (2023)، إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة من مختلف الأطراف، بما فيها القوات الإريترية. وتشمل الانتهاكات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعنفاً جنسياً واسع النطاق واستخدام التجويع. وانتهت ولاية اللجنة عام 2023 من دون تجديد، ما ترك فجوة مساءلة قائمة.

قُدّرت الخسائر البشرية للحرب بمئات الآلاف (Reuters via US News, 2026). وتتفاوت التقديرات الدقيقة تفاوتاً كبيراً، ولا يوجد إحصاء معتمد قضائياً.

وأنهى اتفاق بريتوريا (2 نوفمبر 2022) القتال بين الحكومة الاتحادية وجبهة تحرير تيغراي، واستُبعدت إريتريا من طاولة التفاوض. تضمن الاتفاق وقفاً دائماً للأعمال العدائية ونزع السلاح وإعادة الدمج، وأنشأ إدارة إقليمية مؤقتة، ونصّ على امتناع الجبهة عن التعبئة والتجنيد والاستعداد لصراع جديد (Al Jazeera, 2026b).

4.4 2022–سبتمبر 2026: انهيار الترتيبات وتعدد الجبهات

انفراط بريتوريا. أدى استبعاد إريتريا إلى تفاقم قلقها. وتشير التقارير إلى أن الخلاف الأعمق تركّز حول الأراضي المتنازع عليها (غرب تيغراي) وتنفيذ نزع السلاح. وبعد صراع داخلي في جبهة تحرير تيغراي (استبدال غتاتشو رضا بتاديسي ويردي في أبريل 2025)، أعلنت الجبهة في أبريل 2026 إعادة حكومة ما قبل الحرب. وذكرت رويترز في مايو أن ذلك أفضى إلى سلطتين متنافستين في الإقليم (WHBL/Reuters, 2026). وانتخب المجلس الإقليمي المُعاد ديبرصيون غبرمكائيل رئيساً للإقليم في مايو 2026 (Al Jazeera, 2026b). ووصفت تحليلات هذا الوضع بأنه «استقرار مُدار» هش (Dawan Africa, 2026a).

اشتباكات يناير 2026. اندلعت اشتباكات في منطقة تسلمتي بين قوات تيغراي والقوات الاتحادية. ويذكر تقرير مجموعة الأزمات الدولية أن الحكومة ردّت بإلغاء الرحلات الجوية إلى الإقليم، وبضربات مسيّرات أفادت تقارير بوقوعها، وبنقل قوات قرب حدود الإقليم (Crisis Group, 2026).

الانتخابات والإقصاء. فاز حزب الازدهار بـ438 مقعداً من 486 تحققت نتائجها في انتخابات 1 يونيو 2026، وأُرجئ التصويت في 46 دائرة في تيغراي وأمهرا لأسباب أمنية (Bloomberg, 2026). وتغيّب إقليم تيغراي عن الاقتراع كلياً (Dawan Africa, 2026b)، ما يطرح إشكالاً في شرعية التمثيل الوطني. ومن المتوقع أن يجتمع البرلمان الجديد في أكتوبر لإعادة تعيين آبي أحمد (Dawan Africa, 2026a). وتحذر تحليلات من أن الأغلبية الكاسحة قد تدفع إلى مزيد من المركزية على حساب الحكم الذاتي الإقليمي، وأن المركزية لا تُذيب التعبئة الإثنية (CSIS, 2026).

التحالف الجديد (20 سبتمبر 2026). أعلنت سبع جماعات مسلحة تحالفاً باسم «تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء». تعبّر التسمية عن سعيها المعلن لإسقاط النظام وإقامة حكومة انتقالية (Africanews, 2026). وقال نائب رئيس جبهة تحرير تيغراي إن المحادثات بينها استمرت أكثر من عام، وإن زعيم فانو زمني كاسي سيرأس التحالف. وحسب ما نُشر، تضم الجماعات: جبهة تحرير تيغراي، وحركة أمهرا الوطنية (فانو)، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوجادين الوطنية، والجبهة الثورية الديمقراطية الموحدة لعفر، وحركة تحرير شعوب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعب الغوموز (East African Daily, 2026).

لكن التحالف هش من الداخل. فقد قاتلت فانو إلى جانب القوات الاتحادية ضد قوات تيغراي في 2020–2022، وتتنازع أمهرا وتيغراي على غرب تيغراي (Al Jazeera, 2026a). ووصفت القيادة العليا لجبهة تحرير أورومو–جيش تحرير أورومو الترتيب في بيان 17 سبتمبر بأنه «إجماع إجرائي» لا يمنح أحداً تفويضاً بحسم المسائل الدستورية نيابةً عن الشعوب (East African Daily, 2026). وشكك الباحث كيتيل ترونفول في قدرة التحالف على مواجهة حكومة تملك مسيّرات كثيرة (Africanews, 2026). وأفادت رويترز بأن مستشاراً لآبي أحمد قال في الشهر الماضي إن أي تحالف كهذا قد يُحدث فوضى لكنه لن يسقط الحكومة (Reuters via US News, 2026).

4.5 المصالح الإقليمية والدولية

إريتريا. تربط أسمرة موقفها بمخاوف من أطماع إثيوبيا في عصب، وقد جدّدت في بيان صدر قبل أيام اتهام حزب الازدهار بزعزعة استقرار القرن الأفريقي (Arab News, 2026). وتذكر مجموعة الأزمات أن الحكومة الإثيوبية اتهمت جبهة تحرير تيغراي بالتحالف مع فانو وبنقل أسلحة إريترية إليها. وذكرت أنها أعلنت في يناير 2026 اعتراض شحنة ذخيرة إريترية. وترى المجموعة أن الاتهام يبدو مستبعداً بالنظر إلى العداء السابق، لكن من المرجح أن هناك ترتيبات محلية بين الجبهة وبعض فصائل فانو (Crisis Group, 2026). وفي فبراير 2026 وجّهت إثيوبيا رسالة إلى إريتريا تطالب بسحب قواتها من أراضيها، وردّت أسمرة بأن الاتهام لا أساس له، بينما أبدت أديس أبابا استعداداً للحوار بما فيه المنفذ البحري عبر عصب (Democracy in Africa, 2026).

إثيوبيا والمنفذ البحري. صرّح آبي أحمد في سبتمبر 2025 بأن استعادة الوصول إلى عصب مسألة وقت، ووصف فقدانها بأنه «خطأ»، ثم دعا في أكتوبر إلى وساطة دولية بشأن المنفذ البحري بوصفه مسألة «بقاء» (RANE, 2025). ويرى محللون أن الملف يؤدي وظيفة سياسية داخلية أيضاً: يمنح آبي قضية وطنية جامعة في وجه التمردات (Atlantic Council, 2026; allAfrica, 2026). وكان مسعى إثيوبيا السابق في أرض الصومال (مذكرة يناير 2024، وقد أدانتها الصومال وإريتريا ومصر) قد تراجع بعد وساطة تركية أعادت الحرارة إلى العلاقات مع مقديشو (Martin Plaut, 2026).

مصر. يتقاطع الخلاف حول سد النهضة مع موقف القاهرة من البحر الأحمر. أعلن السيسي في أبريل 2025 في جيبوتي أن الدول المشاطئة وحدها ينبغي أن تحكم البحر الأحمر، وهو موقف يستبعد إثيوبيا عملياً (Martin Plaut, 2026). وشكّلت مصر وإريتريا والصومال محوراً ثلاثياً رسميّاً في أكتوبر 2024 (Geopolitical Monitor, 2024)، امتد بحسب تحليلات لاحقة ليشمل جيبوتي وسودان البرهان (African Arguments, 2026). وتذهب تفسيرات إلى أن القاهرة تعمل على تطويق إثيوبيا من الغرب والشمال، وهو تفسير يظل تأويلياً ولا يرقى إلى وقائع موثقة (Horn Review, 2026a).

السودان. تتهم حكومة بورتسودان إثيوبيا والإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وتنفي الدولتان الاتهام (Al Jazeera, 2026c). وقد اتسع الاتهام في 2026 إلى:

  • استخدام الأراضي الإثيوبية منطلقاً لهجمات في النيل الأزرق (Sudan Tribune, 2026a)؛
  • استخدام المجال الجوي لمسيّرات (Horn Review, 2026b)؛
  • إنشاء معسكرات تدريب (Sudan Tribune, 2026b).

وفي المقابل يُذكر أن القوات المسلحة السودانية مدعومة من إريتريا ومن مقاتلين من تيغراي (The New Humanitarian, 2026). ورصد مختبر البحوث الإنسانية في ييل (28 أغسطس 2026) تصاعداً ملحوظاً في المعدات والبنية اللوجستية بقاعدة عسكرية إثيوبية في أسوسا، وحذّر من تجمع قوة بحجم لواء قرب الحدود السودانية (Sudan Tribune, 2026b). أما ربط هذا التجمع بقوات الدعم السريع تحديداً فيظل استنتاجاً غير مثبت مستقلاً. وقد لاحظ تحليل إثيوبي التوجه أن الاتهامات ضد إثيوبيا لم يتم التحقق منها مستقلاً، مقابل معسكرات الجيش السوداني في إريتريا الموثقة (Horn Review, 2026a)، وهو موقف طرف معني ويُقرأ بحذر.

الإمارات وتركيا والسعودية وإسرائيل.

  • الإمارات: استثمارات كبرى في الموانئ، أبرزها بربرة في أرض الصومال.
  • تركيا: وجود عسكري واقتصادي واسع في الصومال مع الاحتفاظ بعلاقات قوية مع إثيوبيا.
  • السعودية: وقّعت اتفاقاً للتعاون العسكري مع الصومال في فبراير 2026.
  • إسرائيل: اعترفت بأرض الصومال في 26 ديسمبر 2025، وهي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تفعل ذلك، فرفضت الصومال ذلك، وأكدت مصر وتركيا وجيبوتي والاتحاد الأفريقي تمسكها بوحدة الأراضي الصومالية (The Jerusalem Post, 2026).

ويرتبط الحضور الإسرائيلي بتحولات ما بعد أكتوبر 2023 (allAfrica, 2026).

الولايات المتحدة. ذكرت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (نوفمبر 2025) الحيلولة دون نزاعات جديدة في القرن الأفريقي (ومنها بين إثيوبيا وإريتريا والصومال)، وأُفيد في مايو 2026 بأن واشنطن تخطط لرفع العقوبات عن إريتريا (Wikipedia, 2026). وهذا مصدر ثانوي يستلزم التحقق من الوثائق الرسمية قبل الاعتماد عليه.

4.6 التصنيف الإجمالي للأدلة

المستوى الأول: قرار الأمم المتحدة 390 (1950) والاستفتاء والاعتراف الدولي بإريتريا؛ اتفاق الجزائر وقرار لجنة الحدود (2002) وحكم لجنة المطالبات في اللجوء إلى القوة (2005)؛ نص اتفاق بريتوريا (2022).

المستوى الثاني: تقارير مفوضية حقوق الإنسان ولجنة الخبراء الدولية (2021–2023)؛ تحليلات مجموعة الأزمات الدولية ومجلس الأطلسي وCSIS؛ صور الأقمار الاصطناعية لمختبر ييل بوصفها رصداً مادياً للبنية.

المستوى الثالث (يُوصف دائماً بأنه مزعوم أو غير متحقق منه):

  • اتهام إثيوبيا لإريتريا بدعم فانو وجبهة تحرير تيغراي وتنفي أسمرة ذلك؛
  • اتهام إريتريا لإثيوبيا بالسعي إلى عصب؛
  • اتهام السودان لإثيوبيا والإمارات بدعم قوات الدعم السريع، ونفي الطرفين؛
  • أرقام الضحايا في حرب 1998 وحرب تيغراي؛
  • فرضية «التطويق المصري» لإثيوبيا؛
  • الخطط الأمريكية بشأن العقوبات على إريتريا؛
  • قدرة التحالف الأخير على البقاء.

5. التحليل النقدي

أولاً: مأزق التفسير أحادي العامل. تقود القراءة التي ترى الصراع «مؤامرة خارجية» إلى إغفال تفاعل عناصر أعمق: أزمة الفيدرالية الإثنية، وإقصاء تيغراي من الانتخابات، والنزاع على غرب تيغراي، وتحويل نزع السلاح إلى مسألة بقاء لدى الجماعات المسلحة. وفي الاتجاه المقابل، تُهمل القراءة «الداخلية الصرفة» أن التمردات الإثيوبية تعيش في نظام إقليمي تتحول فيه كل جماعة مسلحة إلى ورقة ضغط. والأقرب إلى الأدلة أن الجذور داخلية والتضخيم خارجي.

ثانياً: قابلية التحالفات للانقلاب. يبرز النمط التاريخي في حقيقة أن إريتريا وجبهة تحرير تيغراي كانتا حليفتين ضد الدرغ، ثم عدوّتين في 1998–2018، ثم خصمين مشتركين للحكومة الاتحادية أو حليفتين ضدها في 2025–2026 على ما تزعم أديس أبابا، بينما قاتلت أسمرة إلى جانب أديس أبابا ضد التيغراي في 2020–2022. وفانو التي قاتلت مع الحكومة ضد التيغراي تتحالف الآن معهم في الإعلان. وهذا يؤيد قراءة دي وال لـ«سوق السياسة»: تُحدد التحالفات بميزان القوة والمصلحة الآنية، ولا تستقر على هوية أيديولوجية (de Waal, 2015). ويقلّص هذا من فرص بقاء التحالف الجديد، ويفتح في الوقت ذاته احتمالات تصعيد عابرة للحدود.

ثالثاً: ضبط تفسير عصب. المنفذ البحري مطلب مشروع لدولة غير ساحلية كبرى، وقد قامت قواعد الحق في النفاذ والعبور لهذا الغرض. لكن هذه القواعد تقوم على الاتفاق مع دولة العبور، ولا تمنح حقاً في الاستيلاء على الأراضي. وتضاعف تصريحات «استعادة» عصب مخاوف إريتريا، وتمنح الخطاب الإريتري ذريعة لتبرير التحالف مع خصوم أديس أبابا. ويحتاج الحل إلى ترتيب تعاقدي (رسوم عبور، إدارة مشتركة للموانئ، ضمانات متبادلة) وليس إلى قوة مسلحة.

رابعاً: تدويل الحرب السودانية. يتقاطع النزاع الإثيوبي مع الحرب السودانية عبر جبهة النيل الأزرق والفشقة وسد النهضة، ما يجعل كل تصعيد في أحد الملفين يغذي الآخر. ويضاعف غياب التحقق المستقل من الادعاءات المتبادلة خطر سوء التقدير.

خامساً: فجوة المساءلة. انتهت ولاية لجنة الخبراء الدولية عام 2023، والانتهاكات الجسيمة التي وثقتها لم تجد مساراً قضائياً فعالاً. ويضعف غياب المساءلة الردع، ويؤجج الشعور بالتهديد الوجودي الذي يستشهد به التحالف الجديد لتبرير حمل السلاح.

سادساً: خطر التعميم. لا ينبغي القفز من إعلان التحالف إلى استنتاج «انهيار الدولة الإثيوبية». وهذا سيناريو تحليلي لا نتيجة موثقة، إذ يتفوق الجيش الاتحادي عسكرياً بالمسيّرات، ويظل التحالف هشاً وغير موحد الأهداف.

6. التوصيات بحسب الجهة المستهدفة

إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي والإيغاد:

  • إعادة تفعيل آلية الرصد والتحقق الخاصة باتفاق بريتوريا، مع تقارير علنية دورية.
  • رعاية مسار حوار ثلاثي إثيوبي–إريتري يتناول تنفيذ اتفاق الجزائر والمنفذ البحري بضمانات مستقلة.
  • رفض أي تغيير للحدود بالقوة وفق المادة 4 من القانون التأسيسي.

إلى مجلس الأمن الدولي ومفوضية حقوق الإنسان:

  • النظر في آلية مساءلة مستقلة عن الانتهاكات المرتكبة في حرب تيغراي، تعوّض فراغ ما بعد 2023.
  • تكليف جهة تحقق مستقلة بفحص الادعاءات المتبادلة بشأن الدعم العسكري العابر للحدود (إثيوبيا–السودان–إريتريا)، مع اعتماد معايير إثبات علنية.

إلى الحكومة الاتحادية الإثيوبية:

  • الالتزام بالمسار السياسي في تيغراي وأمهرا وأورومو، وإشراك القوى غير المسلحة في الحوار الوطني.
  • معالجة نزاع غرب تيغراي عبر آلية قانونية متفق عليها، وضمان حماية المدنيين وعودة النازحين.
  • التعامل مع مسألة المنفذ البحري بمنطق التفاوض والتعاقد.

إلى جبهة تحرير تيغراي والجماعات الأعضاء في التحالف:

  • الامتثال لنصوص القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والامتناع عن تجنيد الأطفال.
  • الإفصاح عن أي دعم خارجي يتلقونه.
  • الانخراط في مسار تفاوضي بدل التعويل على الخيار العسكري وحده.

إلى إريتريا:

  • سحب أي قوات موجودة في أراضٍ إثيوبية إن ثبت وجودها، والسماح بتحقق مستقل.
  • الامتناع عن دعم جماعات مسلحة عابرة للحدود.

إلى القوى الإقليمية والدولية (مصر، الإمارات، تركيا، السعودية، إسرائيل، الولايات المتحدة):

  • الكف عن توظيف الجماعات المسلحة أدوات في التنافس الإقليمي.
  • ربط أي تعاون أمني أو مالي بضمانات حقوقية.
  • الامتناع عن إمداد أي طرف بمسيّرات أو ذخائر قد تُستخدم ضد المدنيين.

إلى الجهات المانحة والمجتمع المدني:

  • حماية الوصول الإنساني إلى تيغراي وأمهرا وأورومو.
  • دعم توثيق مستقل متعدد الأطراف يعتمد سلّم الإثبات الثلاثي.

7. الخاتمة

لا يمكن فهم حروب إثيوبيا من دون العودة إلى تشكل الدولة وضم إريتريا ثم انفصالها، ولا يمكن فهمها من دون رؤية شبكة المصالح في البحر الأحمر والنيل والخليج. لكن القراءة الأمينة تتطلب التمييز بين الموثق والمزعوم. فما هو موثق يشمل الفيدرالية الإثنية المأزومة، وانهيار بريتوريا، وإقصاء تيغراي، ونزاع الحدود، وإعلان التحالف الأخير. أما ما لا يزال ادعاءً متبادلاً فيشمل الدعم الإريتري للمعارضة، والدعم الإثيوبي لقوات الدعم السريع، ونيات الاستيلاء على عصب.

وتتجه الأحداث نحو خطر مضاعف: حرب داخلية متعددة الجبهات يتغذى بعضها من بعض، وتصعيد إقليمي إذا استمرت الأطراف في اختبار الحدود. ويبقى الاحتواء ممكناً، لكنه يتطلب مساراً سياسياً داخلياً ومساراً تفاوضياً إقليمياً ومساءلة تسد فجوة الإفلات من العقاب.

8. قائمة المراجع

المراجع الأكاديمية

  • Bahru Zewde (2001) A History of Modern Ethiopia, 1855–1991. 2nd edn. Oxford: James Currey.
  • Buzan, B. and Wæver, O. (2003) Regions and Powers: The Structure of International Security. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Clapham, C. (2017) The Horn of Africa: State Formation and Decay. London: Hurst.
  • de Waal, A. (2015) The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Cambridge: Polity Press.
  • Gebru Tareke (2009) The Ethiopian Revolution: War in the Horn of Africa. New Haven: Yale University Press.
  • Iyob, R. (1995) The Eritrean Struggle for Independence: Domination, Resistance, Nationalism, 1941–1993. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Salehyan, I. (2010) 'The delegation of war to rebel organizations', Journal of Conflict Resolution, 54(3), pp. 493–515.
  • Salehyan, I., Gleditsch, K.S. and Cunningham, D.E. (2011) 'Explaining external support for insurgent groups', International Organization, 65(4), pp. 709–744.
  • Tekeste Negash and Tronvoll, K. (2000) Brothers at War: Making Sense of the Eritrean–Ethiopian War. Oxford: James Currey.

الوثائق القانونية والأممية

  • Agreement between the Government of the State of Eritrea and the Government of the Federal Democratic Republic of Ethiopia (Algiers Agreement) (2000), 12 December.
  • Eritrea–Ethiopia Boundary Commission (2002) Decision Regarding Delimitation of the Border, 13 April.
  • Eritrea–Ethiopia Claims Commission (2005) Partial Award: Jus Ad Bellum – Ethiopia's Claims 1–8, 19 December.
  • Agreement for Lasting Peace through a Permanent Cessation of Hostilities (Pretoria) (2022), 2 November.
  • International Commission of Human Rights Experts on Ethiopia (2023) Report to the UN Human Rights Council. Geneva: OHCHR.
  • OHCHR and Ethiopian Human Rights Commission (2021) Report of the Joint Investigation into Alleged Violations in the Tigray Region. Geneva: OHCHR.
  • United Nations General Assembly (1950) Resolution 390 A (V).
  • United Nations Security Council (2009) Resolution 1907; (2018) Resolution 2444.

المصادر الصحفية والتحليلية (تاريخ الاطلاع: 24 سبتمبر 2026)


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي