تقرير المصير سبيلاً لإيقاف شلالات الدماء: النموذج اليوغسلافي ومستقبل السودان: تطبيق مبدأ حق تقرير المصير وفق أطر القانون الدولي

مركز الحقيقة والمعرفة — وحدة السياسات والأبحاث





ورقة موقف وتحليل أكاديمي

تقرير المصير سبيلاً لإيقاف شلالات الدماء

النموذج اليوغسلافي ومستقبل السودان

بقلم: الكرتى - ناشط حقوقي، مركز الحقيقة والمعرفة

"إن الشعوب التي لا تملك حق تقرير مصيرها محكومٌ عليها بالتكرار — تكرار الحروب، وتكرار الدماء، وتكرار الإفناء. والسودان اليوم في مفترق طريق مصيري: إما أن يختار شعوبه مساراتها بإرادتها، أو تفرض عليهم الحرب خياراتٍ أبشع وأكثر دموية."

— مركز الحقيقة والمعرفة

أولاً — الملخص التنفيذي

يرى مركز الحقيقة والمعرفة أن الأزمة السودانية المتفجرة منذ أبريل ٢٠٢٣ ليست مجرد انقلاب عسكري أو نزاع بين جيشين، بل هي تعبير صارخ عن فشل بنيوي عميق تجذّر منذ الاستقلال عام ١٩٥٦: فشل الدولة المركزية في استيعاب التنوع العرقي والثقافي الهائل لشعوب السودان. لقد أثبت نصف قرن من الحروب المتواصلة — في الجنوب والغرب والشرق والشمال — أن الوحدة القسرية لا تولّد سلاماً، بل تولّد نيراناً تنتظر اللحظة المناسبة للاشتعال.

يؤمن المركز إيماناً راسخاً بأن تطبيق مبدأ حق تقرير المصير وفق أطر القانون الدولي — وبتوجيه من التجربة اليوغسلافية ونماذج أفريقية وأوروبية متعددة — هو الطريق الأقل كلفة بشرياً لبناء مستقبل يضمن الكرامة والسلام والتنمية لكل شعوب المنطقة.

ثانياً — الخلفية التاريخية: ما الذي أوصلنا إلى هنا؟

يمتد تاريخ السودان كوحدة جغرافية واحدة إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية-المصرية، حيث جرى توحيد أقاليم ذات تكوينات عرقية وثقافية ولغوية ودينية متباينة تحت سقف إداري واحد، دون أي تشاور مع شعوبها. منذ استقلال ١٩٥٦، خاضت الدولة السودانية ستة انقلابات عسكرية، وأكثر من أربعة عقود من الحروب الأهلية، وإبادة جماعية موثّقة في دارفور، واتفاقيات سلام أُبرمت ثم انهارت.

في عام ٢٠١١ أجرت منطقة جنوب السودان استفتاءً للانفصال بموجب اتفاقية نيفاشا ٢٠٠٥، وصوّت ٩٨.٨٪ من سكانها للاستقلال — وهو أعلى تأييد شعبي في تاريخ استفتاءات الانفصال. غير أن الجنوب ظل يعاني بدوره من حروب داخلية، مما يُبرز أن فداحة الأزمة السودانية لا تعالَج بالانفصال وحده، بل تستلزم عملية سياسية مدروسة وشاملة.

اليوم، تحترق الخرطوم وأم درمان وبحري وسنار وولايات دارفور. الحصيلة: أكثر من مئة وخمسين ألف قتيل وفق أرقام أممية أولية، وأحد عشر مليون نازح داخلي، وهجرة قسرية لثلاثة ملايين لاجئ إلى دول الجوار. يُعدّ هذا النزاع — وفق الأمم المتحدة — أكبر أزمة نزوح في العالم منذ عام ٢٠٢٣.

ثالثاً — النموذج اليوغسلافي: الدروس والعبر

كانت يوغوسلافيا الاتحادية دولةً متعددة الإثنيات والأديان واللغات، تجمع بين السلوفينيين والكروات والبوسنيين والصرب والمقدونيين والجبل الأسودِيين تحت حكم فيدرالي بقيادة تيتو. عقب وفاته عام ١٩٨٠ وانهيار الاتحاد السوفيتي، ازدادت التوترات القومية حتى اندلعت حروب الخلافة في الفترة ١٩٩١–٢٠٠١، وخلّفت نحو مئة وأربعة وعشرين ألف قتيل.

تجلّى النموذج اليوغسلافي في مسارات متدرجة: أعلنت سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما عام ١٩٩١، تبعتهما البوسنة والهرسك ومقدونيا. ثم أعلن الجبل الأسود استقلاله عبر استفتاء عام ٢٠٠٦ بفارق ضئيل بلغ ٥٥.٥٪. وأخيراً أعلنت كوسوفو استقلالها من طرف واحد عام ٢٠٠٨، وإن ظل وضعها القانوني موضع جدل دولي.

الدروس المستخلصة للحالة السودانية:

  • التأخر في الاعتراف بحق التقرير يُطيل الحروب ويضاعف ضحاياها
  • الفيدرالية وحدها لا تكفي إذا ظل المركز يهيمن على الموارد والقرار
  • الانفصال المُدار بضمانات دولية أقل كلفة بشرياً من الحرب المفتوحة
  • التسوية التفاوضية أفضل من الانفصال الأحادي المفروض بقوة الأمر الواقع
  • الدول الناشئة عن الانفصال تحتاج إلى مأسسة ديمقراطية داخلية أو تقع في حروب جديدة — درس الجنوب السوداني

رابعاً — حق تقرير المصير في القانون الدولي

يُعدّ حق تقرير المصير من أرسخ مبادئ القانون الدولي المعاصر. فقد نصّت عليه المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة ١٩٤٥، وجرى تكريسه في المادة الأولى من العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام ١٩٦٦، حيث جاء صراحةً: "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها."

ويُميّز القانون الدولي بين نوعين رئيسيين: تقرير المصير الداخلي، الذي يعني حق الشعوب في إدارة شؤونها ضمن إطار دولة قائمة عبر الحكم الذاتي الفيدرالي أو الحكم اللامركزي، وتقرير المصير الخارجي الذي يصل إلى حد الانفصال وإنشاء كيان دولي مستقل.

غير أن القانون الدولي يضع شرطاً جوهرياً أسّسه فقهاء القانون الدولي وهو ما يُعرف بمبدأ "الملاذ الأخير"، إذ يُجيز الانفصال حين تثبت الشواهد أن الدولة القائمة تمارس الاضطهاد الجسيم والممنهج بحق مجموعة بعينها، وأن سُبل التسوية الداخلية قد استُنفدت. وفي حالة السودان، يرى المركز أن هذه المعايير قد توافرت في أكثر من إقليم وأكثر من مرحلة زمنية.

وأصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً عام ٢٠١٠ بشأن كوسوفو، أكدت فيه أن إعلان الاستقلال الأحادي لا ينتهك مبادئ القانون الدولي بذاتها — وإن كانت التسوية التفاوضية تظل المسار المُفضَّل.

خامساً — كيف يوقف تقرير المصير شلالات الدماء؟

يرتكز هذا المحور على منطق مزدوج: منطق الدفع الإيجابي نحو السلام، ومنطق نزع فتيل الحرب. فعندما تمتلك المجموعات البشرية مسارات سلمية مشروعة لتقرير انتمائها السياسي، تتراجع الحوافز نحو العنف المسلح. والنقيض صحيح تماماً: حين تُسدّ كل منافذ الحل السياسي السلمي، يُصبح السلاح الخيار الوحيد — وهذا بالضبط ما حدث في دارفور عام ٢٠٠٣، وفي جنوب كردفان وجبال النوبة تكراراً.

يُفسّر هذا المنطق ما أثبته باحثون في معهد أوبسالا لأبحاث السلام من أن الدول التي تتيح آليات دستورية لتقرير المصير تشهد نزاعات مسلحة أقل حدة وأقصر أمداً مقارنةً بتلك التي ترفضها جملةً وتفصيلاً.

في الحالة السودانية تحديداً، تعني الاستمرارية في الوضع الراهن: استمرار ميليشيا الدعم السريع وتحالفاتها العرقية في السيطرة على خطوط إمداد الذهب والنفط، واستمرار القوات المسلحة في استخدام التجويع والحصار أداةً للحرب، واستمرار الاضطهاد القائم على الهوية العرقية كسمة بنيوية للصراع. لا يمكن أن تُحسم هذه المعادلة بانتصار طرف على آخر، بل تتطلب إعادة هيكلة جذرية للعلاقة بين المجموعات البشرية المتعددة والسلطة السياسية.

سادساً — النماذج المقارنة: أفريقيا وأوروبا والأمريكتان

إريتريا ١٩٩٣

استفتاء أسفر عن ٩٩.٨٪ لصالح الاستقلال من إثيوبيا. تلقّى اعترافاً دولياً شاملاً فورياً — النموذج الأفريقي الأكثر نظامية رغم ما تلاه من إشكاليات الحوكمة الداخلية.

جنوب السودان ٢٠١١

استفتاء بموجب اتفاقية مفاوضة. يُثبت أن الانفصال بحد ذاته لا يضمن الاستقرار دون بناء مؤسسي ديمقراطي داخلي، إذ انزلق الجنوب لاحقاً في حرب أهلية مدمرة.

الجبل الأسود ٢٠٠٦

استقلال سلمي بالاستفتاء وفق حد أدنى اشتراطه الاتحاد الأوروبي ٥٥٪. يُعدّ مثالاً مثالياً للانفصال المنظّم بضمانات دولية واضحة وآليات دستورية مُتفق عليها.

كيبيك — كندا

استفتاءان (١٩٨٠ و١٩٩٥) أسفرا عن رفض الانفصال بفوارق ضئيلة. يُظهر أن مجرد وجود مسار تصويتي سلمي يُخفّف حدة التوترات ويتيح التعبير السياسي دون العنف.

اسكتلندا ٢٠١٤

استفتاء بموافقة دستورية بريطانية. صوّت ٥٥٪ ضد الاستقلال، لكن العملية ذاتها أسهمت في تعزيز الديمقراطية ومنح اسكتلندا صلاحيات تفويض واسعة.

تيمور الشرقية ٢٠٠٢

استقلال بعد ٢٤ عاماً من الاحتلال الإندونيسي وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. نجح بفضل ضغط دولي مستمر وعملية انتقال أممية مُهيّأة.

سابعاً — موقف المركز: نحو تطبيق النموذج اليوغسلافي في السودان

يؤمن مركز الحقيقة والمعرفة إيماناً تاماً بأن السودان — في حالته الراهنة — يمثّل نموذجاً كلاسيكياً لدولة فاشلة تشهد تجزئةً عملية فعلية على أرض الواقع، في غياب أي إطار قانوني أو سياسي منظّم. وفي هذا السياق، يرى المركز أن تطبيق مبدأ تقرير المصير ليس مجرد خيار نظري، بل ضرورة إنسانية إلحاحية.

يُقترح اعتماد تسلسل منهجي مُستوحى من التجربة اليوغسلافية والدروس الأفريقية على النحو الآتي: انعقاد مؤتمر جامع لشعوب السودان برعاية دولية بمشاركة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية، يُفضي إلى إجراء استفتاءات إقليمية في دارفور وجبال النوبة وجنوب كردفان والشرق والشمال — كل إقليم يُحدد وضعه المستقبلي بصوت شعبه. ثم إنشاء آلية انتقالية إقليمية بضمانات أمنية دولية تُشرف على تسويات الموارد والحدود وضمانات حماية الأقليات. تُختتم هذه المرحلة بالاعتراف الدولي بالكيانات الناشئة ودعم بناء مؤسساتها.

يُدرك المركز تماماً أن الانفصال ليس علاجاً سحرياً: درس جنوب السودان ماثلٌ أمامنا. لذلك يُشدد المركز على أن حق تقرير المصير يجب أن يُقترن بضمانات بناء الدولة الديمقراطية، وترتيبات حماية الأقليات الباقية ضمن كل كيان، واتفاقيات مشتركة لاقتسام الموارد الطبيعية.

موقف المركز في جوهره:

الاستمرار في رفض حق تقرير المصير لشعوب السودان لن يُنتج وحدةً وطنية — بل سيُنتج حروباً لا تنتهي. والتقسيم المُدار بضمانات دولية وآليات ديمقراطية أفضل بكثير من التقسيم الفعلي الذي تمارسه الحرب على أرض الواقع يومياً بالدم والنار.

ثامناً — الخاتمة والتوصيات

تكشف شواهد التاريخ، من البلقان إلى القرن الأفريقي، أن الشعوب التي تُحرم من حق تقرير مصيرها لا تستسلم — بل تلجأ إلى العنف. والسودان ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو أشد تعبيراتها دموية في عصرنا الراهن.

يُوصي مركز الحقيقة والمعرفة بما يأتي: مطالبة مجلس الأمن الدولي بإدراج مبدأ تقرير المصير ضمن أي إطار تفاوضي للأزمة السودانية، وضغط منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإقليمية على طرفي الحرب للقبول بعملية انتقال سياسي تشمل كل مكونات السودان، وتوثيق مطالب الشعوب السودانية المتعددة في استفتاءات غير رسمية وذاتية التنظيم، وإطلاق حوار أكاديمي وحقوقي موسع حول معالم الكيانات المستقبلية وحقوق الأقليات وضمانات السلام.

ليس الهدف من هذه الدعوة تفكيك السودان لأغراض جيوسياسية أو مصالح خارجية — بل إنقاذ أرواح شعوبه من مستنقع حرب لا نهاية لها في أفق وحدة مفروضة بالسلاح والقهر. إن السودان الذي يختار شعله مستقبله بإرادته الحرة أفضل ألف مرة من سودان موحّد يحكمه الخوف وتُديره الميليشيات.

مركز الحقيقة والمعرفة — جميع الحقوق محفوظة. يعبّر هذا المقال عن موقف المركز ومؤلفه في إطار مهمته الحقوقية والبحثية. يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، والعهدين الدوليين ١٩٦٦، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن كوسوفو ٢٠١٠، وأبحاث معهد أوبسالا لأبحاث السلام.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة