"حرب الفظائع"، أكدت بعثة الأمم المتحدة أن طرفي النزاع ارتكبا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني: الفاشر كنقطة تحول رئيسية: أزمة واسعة النطاق تمس المجتمع والدولة والبنية التحتية والاقتصاد والهوية الوطني
مركز الحقيقة والمعرفة
تقرير شامل حول نتائج وبيانات بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي
الحقائق بشأن السودان (2025-2026)
مقدمة
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، شهد السودان واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية وحقوق الإنسان في العالم المعاصر. ومع استمرار النزاع المسلح واتساع رقعته الجغرافية، أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان بهدف التحقيق في الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وقد أصدرت البعثة خلال عامي 2025 و2026 سلسلة من التقارير والبيانات التي رسمت صورة شديدة القتامة للأوضاع الميدانية في البلاد.
ويهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة شاملة لمجمل استنتاجات البعثة الدولية، وتحليل ما تكشفه هذه الوثائق من اتجاهات عامة بشأن طبيعة الحرب، ومستقبل الدولة السودانية، وحجم المخاطر التي تواجه المدنيين.
أولاً: توصيف الأمم المتحدة لطبيعة الحرب في السودان
في تقريرها الرئيسي المعنون "حرب الفظائع"، أكدت بعثة الأمم المتحدة أن طرفي النزاع ارتكبا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وأن المدنيين أصبحوا أهدافاً مباشرة للحرب، وليسوا مجرد ضحايا جانبيين للعمليات العسكرية. كما خلصت البعثة إلى أن معظم الانتهاكات التي وثقتها ترقى إلى جرائم حرب، بينما قد ترقى بعض الأفعال المنسوبة لقوات الدعم السريع إلى جرائم ضد الإنسانية تشمل الاضطهاد والإبادة. [ohchr.org], [ohchr.org]
ووفقاً للبعثة، تعرضت المستشفيات والأسواق ومنظومات المياه والغذاء ومراكز النزوح والبنى التحتية المدنية لعمليات تدمير واسعة النطاق، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في مختلف أنحاء السودان. [ohchr.org], [sudan.un.org]
ثانياً: الفاشر كنقطة تحول رئيسية
تمثل مدينة الفاشر وولاية شمال دارفور محوراً رئيسياً في جميع تقارير البعثة الدولية خلال عامي 2025 و2026.
ففي سبتمبر 2025 تحدثت البعثة عن حصار طويل الأمد للمدينة وتعرض المدنيين لمخاطر استثنائية شملت الجوع والقصف والنزوح والعنف الجنسي. كما أدانت الهجوم الذي استهدف مسجد الصفية بالفاشر وأدى إلى مقتل عشرات المصلين أثناء صلاة الفجر وفق المعلومات التي تلقتها البعثة. [ohchr.org]
لاحقاً، وفي فبراير 2026، أصدرت البعثة تقريراً أكثر خطورة بعنوان "مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر"، خلص إلى أن الأدلة التي جمعتها تشير إلى وجود نمط من الأفعال يحمل السمات المميزة للإبادة الجماعية ضد مجتمعات غير عربية، وخاصة الزغاوة والفور. وأشارت البعثة إلى أن الاستهداف شمل القتل الجماعي والاغتصاب والعنف الجنسي والتعذيب والإخفاء القسري والتجويع الممنهج للسكان المحاصرين. [ohchr.org], [ohchr.org]
كما ذكرت البعثة أن نية التدمير الجماعي كانت "الاستنتاج المعقول الوحيد" المستخلص من الأنماط التي وثقتها خلال التحقيقات المتعلقة بالفاشر. [ohchr.org], [ohchr.org]
ثالثاً: تصاعد الاتهامات بجرائم الإبادة الجماعية
شهد عام 2026 أعلى مستوى من التحذيرات الأممية منذ بداية الحرب.
ففي يوليو 2026 أعلنت البعثة أن عمليات القتل الجماعي والاختطاف والاغتصاب الجماعي المرتكبة في الفاشر تمثل مؤشرات واضحة على الإبادة الجماعية، بالتوازي مع فتح تحقيق عاجل بشأن الأوضاع في مدينة الأبيض. واستندت البعثة إلى تراكم الأدلة المتعلقة بالاستهداف المبني على الهوية والانتماء الإثني. (بحسب البيانات التي أوردها المستخدم من موقع المفوضية السامية لحقوق الإنسان).
وتعد هذه من أخطر التوصيفات القانونية التي صدرت عن هيئة أممية بخصوص النزاع السوداني، لما يترتب عليها من مسؤوليات قانونية دولية محتملة ومطالبات بالمحاسبة الجنائية مستقبلاً.
رابعاً: الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري
خلال يونيو 2026 حذرت بعثة تقصي الحقائق من انتشار أنماط ممنهجة من الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري.
وأشارت البعثة إلى أن مراكز الاحتجاز التابعة لأطراف النزاع شهدت انتهاكات خطيرة تشمل سوء المعاملة وحرمان المحتجزين من الرعاية الصحية والغذاء والحقوق الأساسية. كما أكدت أن هذه الممارسات ساهمت في تعميق أزمة حماية المدنيين في البلاد. (وفق البيانات المدرجة من البعثة الأممية لعام 2026).
وتعكس هذه النتائج انتقال الحرب من المواجهات العسكرية التقليدية إلى أنماط أكثر تعقيداً تشمل الانتهاكات المنظمة ضد السكان المدنيين.
خامساً: توسع الحرب إلى الطائرات المسيّرة
في أكتوبر 2026 أصدرت البعثة تحذيراً من اتساع نطاق الحرب باستخدام الطائرات المسيّرة.
ورأت أن انتشار هذا النوع من الأسلحة يرفع من مخاطر استهداف المدنيين والبنية التحتية، خصوصاً في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان. كما ربطت البعثة بين التطور التقني للصراع وتزايد صعوبة حماية السكان المدنيين. (بحسب بيان البعثة الصادر في 28 أكتوبر 2026).
ويشير هذا التطور إلى انتقال النزاع السوداني إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً من الناحية العسكرية والأمنية.
سادساً: الدور الخارجي في تأجيج النزاع
في سبتمبر 2026 أكدت بعثة الأمم المتحدة أن شبكات الدعم الخارجي ما زالت تسهم في استمرار الحرب وإطالة أمدها.
وذكرت البعثة أن تدفقات الدعم العسكري والمالي والسياسي للأطراف المتحاربة تزيد من قدرة هذه الأطراف على مواصلة العمليات العسكرية، مما يؤدي إلى تفاقم الأضرار الواقعة على المدنيين وإطالة الأزمة الإنسانية. (وفق بيان البعثة الصادر في 3 سبتمبر 2026).
وتنسجم هذه الاستنتاجات مع تحذيرات متكررة صدرت عن الأمم المتحدة بشأن التأثير السلبي للتدخلات الخارجية في النزاعات الداخلية.
سابعاً: التقييم العام للبعثة الدولية
يمكن تلخيص الرؤية العامة لبعثة تقصي الحقائق في عدة استنتاجات أساسية:
أولاً، الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع على السلطة بين أطراف عسكرية، بل تحولت إلى أزمة واسعة النطاق تمس المجتمع والدولة والبنية التحتية والاقتصاد والهوية الوطنية. [ohchr.org], [ohchr.org]
ثانياً، الانتهاكات الموثقة ليست حوادث فردية معزولة، بل أنماط متكررة ومنظمة تشمل القتل الجماعي والعنف الجنسي والتجويع والتعذيب والتهجير القسري. [ohchr.org], [sudan.un.org]
ثالثاً، إقليم دارفور وبشكل خاص مدينة الفاشر أصبح بؤرة أساسية للانتهاكات الأخطر، بما في ذلك المزاعم المتعلقة بالإبادة الجماعية والاستهداف على أساس الهوية. [ohchr.org], [ohchr.org]
رابعاً، استمرار الحرب يهدد بإنتاج وقائع سياسية وجغرافية جديدة على الأرض نتيجة الانقسامات العسكرية والإدارية وتوسع السيطرة الإقليمية للقوى المتحاربة.
الخاتمة
تكشف تقارير وبيانات بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان عن صورة بالغة الخطورة لمستقبل البلاد. فبعد سنوات من الحرب والانقسام والدمار، تتحدث الوثائق الأممية عن جرائم حرب واسعة النطاق، وجرائم ضد الإنسانية، ومؤشرات على الإبادة الجماعية في بعض المناطق، إلى جانب انهيار متزايد لمنظومات الحماية المدنية وسيادة القانون. [ohchr.org], [ohchr.org]
ومن منظور استراتيجي، تشير هذه التطورات إلى أن السودان يواجه تحدياً وجودياً يتعلق بمستقبل الدولة نفسها، وليس فقط بمستقبل النظام السياسي أو أطراف النزاع. ولذلك تؤكد جميع تقارير البعثة بصورة متكررة على ضرورة حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ووقف الدعم الذي يغذي الحرب، وإطلاق مسار سياسي شامل يمنع مزيداً من الانهيار والعنف. [ohchr.org], [ohchr.org]
ملاحظة منهجية: يعتمد هذا التقرير على البيانات والمنشورات الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ويعرض استنتاجات البعثة كما وردت في وثائقها دون تبني أو إصدار أحكام قانونية مستقلة من جانب مركز الحقيقة والمعرفة.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق