السودان وأوهام الشماعات الخارجية: قراءة نقدية في خطاب سلطة بورتسودان تجاه إثيوبيا: تدوير الأزمات وتحويل الصراعات الداخلية إلى تصفية حسابات

 

السودان وأوهام الشماعات الخارجية: قراءة نقدية في خطاب سلطة بورتسودان تجاه إثيوبيا




المقدمة

تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع الصراع الدائر تعقيدات ميدانية وسياسية وإنسانية بالغة، غير أن لجوء سلطة بورتسودان المتكرر إلى توجيه أصابع الاتهام نحو الخارج، ولا سيما إثيوبيا، بات نهجاً مثيراً للجدل. فبدلاً من تقديم أدلة مقنعة للرأي العام المحلي والإقليمي، تتوالى التصريحات المباشرة التي تحاول تصدير الأزمات الداخلية وتعليق الإخفاقات على شماعة الأطراف الخارجية، في محاولة واضحة للهروب من مواجهة الحقائق المجرّدة على الأرض.

1. اتهامات بلا أدلة.. محاولة للهروب من الحقيقة وصناعة عدو خارجي

كلما وقعت أحداث عسكرية أو أمنية داخل السودان، سارعت سلطة بورتسودان إلى توجيه الاتهامات نحو إثيوبيا، وكأن المطلوب هو خلق عدو خارجي لصرف الانتباه عن الحقائق الموجودة على الأرض. إن المتابع للمشهد الإقليمي يدرك أن هذه الرواية لا تستند إلى وقائع واضحة بقدر ما تعكس حالة من التخبط السياسي. وفي ظل التنافس الإقليمي المعروف والخلافات الاستراتيجية بين مصر وأديس أبابا، يرى مراقبون أن الزج بالسودان في هذا الصراع يأتي ضمن استراتيجية أوسع لمحاصرة إثيوبيا سياسياً وإقليمياً، بينما يبقى المطلوب إنجاز تحقيقات مهنية وشفافة بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية التي لا تقدم برهاناً واضحاً.

2. تدوير الأزمات وتحويل الصراعات الداخلية إلى تصفية حسابات

إن أخطر ما تواجهه الدول في أوقات الأزمات هو تحويل الصراعات الداخلية المعقدة إلى أدوات لتصفية الحسابات الإقليمية. فالخطاب الأخير لسلطة بورتسودان يتجنب معالجة جذور النزاع المتشابك داخل السودان، ليحاول تسويق رواية تحميل إثيوبيا المسؤولية عن مختلف التطورات الميدانية. هذه المحاولات أصبحت مكشوفة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي، الذي يدرك تماماً أن الأزمات لا تُحل بإقحام أطراف خارجية في نزاع قائمة أسبابه الجوهرية في الداخل.

3. الخطاب الإعلامي الأزوم في مواجهة حقائق الميدان

أصبحت الاتهامات المتكررة جزءاً من خطاب سياسي يفتقر إلى الأدلة الدامغة ويعتمد على إثارة الغرائز بدل مخاطبة العقل بالحقائق. ولو وُجِدت أدلة حقيقية على أي تدخل خارجي، لكان عرضها علناً على الرأي العام والمؤسسات الدولية هو المسار الصحيح، أما الاكتفاء بالدعاية السياسية فلن يغير شيئاً من واقع الميدان. إن الشعوب أصبحت أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين الحقائق الدامغة والشعارات الفضفاضة التي تهدف إلى تحويل الأنظار عن الإشكالات الحقيقية.

الخاتمة

ختاماً، إن استقرار السودان ولن يتحقق عبر الخطابات التصعيدية والبحث عن متهمين جاهزين خارج الحدود، بل يبدأ حصراً بالشفافية والمحاسبة ومعالجة الأسباب الجذرية التي أدت إلى تفاقم الصراع. إن الشعب السوداني يستحق خطاباً مسؤولاً يضع مصلحة البلاد فوق أي حسابات إقليمية ضيقة، ويجعل حماية المدنيين وإنهاء معاناتهم المستمرة هي الأولوية القصوى، بعيداً عن أسيجة التبرير واختلاق الأزمات الوهمية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عصابات الماهرية واستباحة ديار الزغاوة في شمال دارفور: ترهيب ممنهج، عنف معاد تدويره، وصمت دولي فاضح

مقتل 79 مدنياً من بينهم 43 طفلاً في “مجزرة كلوقي: الجرائم المروعة في جنوب كردفان: الانتهاكات الوحشية المتبادلة في السودان

هل هذا هو العدل؟ الجنجويد ومافيات تاسيس يطلبون هدنة… بعد أن أفنوا الفاشر وأهلها: الجنجويد الذين أقاموا المقابر الجماعية في الفاشر والجنينة