تطورات مسألة الأسلحة الكيميائية المتعلقة بالسودان وتجديد مجلس الأمن للعقوبات وحظر السلاح: ما جرى في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وموقف الخرطوم

 

تطورات مسألة الأسلحة الكيميائية المتعلقة بالسودان وتجديد مجلس الأمن للعقوبات وحظر السلاح




تاريخ التحديث: 9 أكتوبر 2026

أولاً: ادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان

الوقائع والاتهامات المتداولة

تتركز المزاعم المنشورة حول استخدام غاز الكلور في هجمات وقعت قرب مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024، أثناء القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وفي تحقيق نشرته وحدة «المراقبون» في France 24، جرى التحقق من مقاطع وصور مؤرخة في 5 و13 سبتمبر 2024، وأفاد التحقيق بأن خمسة خبراء رأوا أن الصور تتسق مع إسقاط براميل كلور من الجو. ورجّح التحقيق مسؤولية القوات المسلحة السودانية استناداً إلى السياق والقدرة الجوية المتاحة آنذاك، لكنه لم يكن تحقيقاً فنياً لمنظمة دولية ولم يعلن عن تحليل مخبري لعينات من موقع الحادث
.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن التحقيق الصحفي وفر عناصر علنية تدعم المزاعم، وإنها تحققت بصورة مستقلة من مواقع بعض المقاطع. وأشارت إلى صور حاويات معدنية وفوهات انفجار ومقطع يُظهر سحابة صفراء مخضرة، مع مقابلات وشهادات منشورة على حسابات مؤيدة للطرفين. ومع ذلك، دعت المنظمة إلى تحقيق شفاف من الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك بحث استخدام آلية التفتيش بالتحدي، وطلبت من واشنطن نشر أدلتها. وهذا يوضح الفرق بين القرائن الصحفية التي تثير شبهة جدية وبين إثبات فني دولي يحدد المادة المستخدمة وظروف استعمالها والمسؤولية عنها
.
الكلور مادة صناعية لها استخدامات مدنية مشروعة، منها معالجة المياه. لكن المادة الأولى من اتفاقية الأسلحة الكيميائية تحظر على الدول الأطراف استخدام الأسلحة الكيميائية «تحت أي ظرف»، بما في ذلك استخدام مادة سامة كسلاح. لذلك لا يكفي العثور على الكلور أو استيراده لإثبات استخدامه كسلاح؛ بل يلزم إثبات الوقائع والسياق والغرض وطريقة الاستخدام. والسودان طرف في الاتفاقية منذ 23 يونيو 1999

الموقف الأمريكي والعقوبات

في 24 أبريل 2025، قررت الولايات المتحدة، بموجب قانونها الداخلي لمراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وأعلنت القرار في 22 مايو 2025. كما خلص ملحق تقريرها إلى عدم امتثال السودان لاتفاقية الأسلحة الكيميائية، وأعلنت إجراءات أولية تضمنت قيوداً على الصادرات الأمريكية إلى السودان وعلى الوصول إلى خطوط ائتمان حكومية أمريكية
. هذا تحديد أمريكي أحادي بموجب القانون الأمريكي؛ وليس بحد ذاته قراراً صادراً عن مجلس الأمن أو حكماً فنياً جماعياً أصدرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وفي 23 يونيو 2026 قررت الخارجية الأمريكية فرض تدابير إضافية، دخلت حيز النفاذ في 20 يوليو 2026. وتشمل التدابير معارضة الولايات المتحدة تقديم قروض أو مساعدات مالية أو فنية عبر مؤسسات التنمية متعددة الأطراف، مع استثناءات للمساعدات اللازمة للاحتياجات الإنسانية الأساسية؛ وتوسيع قيود التصدير مع استثناءات وترخيص لبعض الفئات؛ واتخاذ خطوات لتعليق صلاحية شركات الطيران الأجنبية المملوكة أو الخاضعة لسيطرة حكومة السودان لنقل الطيران إلى الولايات المتحدة ومنها. وأعلن الإخطار أن هذه الإجراءات تسري لمدة لا تقل عن سنة
. وهذه عقوبات أمريكية منفصلة عن نظام عقوبات الأمم المتحدة الخاص بدارفور.

ما جرى في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وموقف الخرطوم

خلال الدورة 112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، المنعقدة في 7–10 يوليو 2026، كررت الولايات المتحدة أن السودان استخدم أسلحة كيميائية في 2024 وأنه ظل غير ممتثل في 2025، وطالبت بإتاحة وصول شفاف وغير معرقل للأمانة الفنية للتحقق المستقل. وفي المقابل، وزعت البعثة السودانية مذكرة رسمية على المجلس التنفيذي، كما عرضت الحكومة السودانية تقريراً مرحلياً للجنة فنية وطنية خلص، بحسب ما نقلته Arms Control Today، إلى عدم العثور على دليل مادي أو فني أو وثائقي يؤيد المزاعم في المواقع التي فحصتها اللجنة
وقالت وزارة الخارجية السودانية إن الخرطوم اقترحت إرسال خبراء أمريكيين لإجراء تحقق ميداني مباشر، وإن واشنطن لم تستجب، وأكدت استعداد السودان للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ونقلت Sudan Tribune أن السودان قال أيضاً إن فريقاً أمريكياً زار مواقع وجمع عينات، لكن لم تُعرض عليه أدلة تثبت الاستخدام؛ وهذه رواية سودانية منشورة وليست نتيجة تحقق مستقلة صادرة عن المنظمة
. وردت الولايات المتحدة بأن لجنة داخلية لا تعادل تحققاً مستقلاً من الأمانة الفنية للمنظمة
.
تتيح اتفاقية الأسلحة الكيميائية مسارات فنية للتحقيق في الاستخدام المزعوم، منها التفتيش بالتحدي بموجب المادة التاسعة، كما تتضمن أحكاماً للمساعدة والتحقيق بموجب المادة العاشرة في حالات معينة. وتوضح المنظمة أن التحقيقات تستهدف تثبيت ما إذا كانت أسلحة كيميائية قد استُخدمت، ويمكن أن تشمل الوصول إلى المناطق المتأثرة وأخذ عينات كيميائية وبيئية وبيولوجية وتحليلها في مختبرات معتمدة
. وبحسب الوثائق العامة التي أمكن التحقق منها حتى 9 أكتوبر 2026، لا يظهر تقرير فني منشور من المنظمة يحسم مزاعم السودان. لذلك فالصياغة الأدق هي أن الاتهام الأمريكي تدعمه قرائن صحفية علنية، لكنه لم يتحول في المواد المنشورة التي راجعها هذا التقرير إلى نتيجة فنية مستقلة معلنة من المنظمة.

ثانياً: تجديد مجلس الأمن عقوبات السودان وحظر السلاح

ماذا قرر المجلس في أكتوبر 2026؟

في 8 أكتوبر 2026، اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 2830 (2026)، فمدد نظام العقوبات المنشأ بالقرار 1591 (2005) لمدة شهرين، حتى 11 ديسمبر 2026. ومدد كذلك ولاية فريق الخبراء الذي يساعد لجنة العقوبات حتى 11 يناير 2027. ويشمل النظام حظر السلاح والتدابير الموجهة، أي حظر السفر وتجميد الأصول بحق الأشخاص والكيانات المدرجة على القائمة
.
هذا تمديد مؤقت «فني» لا يغيّر جوهر النظام أو نطاقه. فالنظام القائم بموجب القرار 1591 يظل مرتبطاً بدارفور، ولم يوسّع القرار 2830 حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية. كما أن الحظر القائم ليس، بصيغته الحالية، حظراً عاماً على كل تسليح السودان أو حظراً شاملاً على قوات الدولة؛ إذ يستهدف القرار الأصلي أساساً الكيانات والأفراد غير الحكوميين العاملين في دارفور، مع استثناءات وإجراءات إعفاء محددة. ومن بينها إمكان تقديم حكومة السودان طلباً إلى لجنة العقوبات للموافقة المسبقة على نقل معدات وإمدادات عسكرية إلى دارفور، إلى جانب استثناءات محددة لمهمات السلام والمعدات غير الفتاكة ذات الأغراض الإنسانية أو الوقائية [12] [13].

خلفية الخلاف حول توسيع الحظر

خلال مفاوضات 2026، دفعت الولايات المتحدة باتجاه توسيع الحظر من دارفور إلى جميع أنحاء السودان وتطبيقه على جميع الأطراف العاملة في البلاد. وتناولت مسودتها أيضاً الطائرات المسيّرة وأنظمتها ومكوناتها ذات الاستخدام المزدوج. كما سعت واشنطن وبعض الدول إلى توسيع معايير إدراج الأسماء على قوائم العقوبات لتشمل أعمالاً مثل العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والاختطاف مقابل فدية، وعرقلة المساعدات أو مهاجمة العاملين الإنسانيين والطبيين [14].
لم تتفق الدول الأعضاء على هذه التعديلات. وأبدت دول أفريقية أعضاء في المجلس، إلى جانب الصين وباكستان وروسيا، تفضيلها تجديد النظام لسنة أخرى من دون توسيع نطاقه الجغرافي. وأشارت الصين وروسيا أيضاً إلى تحفظات بشأن التركيز على المسيّرات والتقنيات مزدوجة الاستخدام. وبعد تعثر المفاوضات، لجأت الولايات المتحدة إلى تمديد قصير في سبتمبر، ثم إلى تمديد لشهرين في أكتوبر، لإتاحة مزيد من الوقت للتفاوض. وانتهى الأمر بإجماع المجلس على القرار 2830، لكن الإجماع انصب على التمديد المؤقت، ولا يعني اتفاق الأعضاء على مقترح توسيع الحظر
[14].
وتأتي هذه المناقشات على خلفية تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر في سبتمبر 2026، الذي تناول شبكات الدعم الخارجي ونقل الأسلحة والمقاتلين والتقنيات العسكرية، ودعا مجلس الأمن إلى توسيع الحظر ليشمل السودان كله. وهذا التقرير يتعلق بانتشار السلاح والدعم العسكري والانتهاكات ضد المدنيين، ولا يمثل تحقيقاً في مزاعم الأسلحة الكيميائية [15].

التقدير والتمييز القانوني بين المسارين

تدور المسألتان حول سياق الحرب وتدفق السلاح، لكنهما مساران قانونيان مختلفان. عقوبات القرار 1591 هي تدابير أممية تتعلق بدارفور، وتراقبها لجنة مجلس الأمن وفريق الخبراء. أما العقوبات على خلفية الأسلحة الكيميائية فهي تدابير أمريكية تأسست على قرار وطني أمريكي بموجب قانون داخلي. وتجديد مجلس الأمن في أكتوبر لم يصدر حكماً في مزاعم الأسلحة الكيميائية، ولم يقر اتهام الولايات المتحدة أو ينفه.
المسألة الحاسمة في ملف الأسلحة الكيميائية هي الانتقال من الادعاءات والقرائن المتاحة إلى فحص فني مستقل وشفاف، يشمل الوصول إلى المواقع وسلسلة حيازة العينات والتحليل المخبري والشهادات الطبية والميدانية. أما ملف الحظر، فالتطور الأبرز هو أن المجلس أبقى النظام الجغرافي القائم مؤقتاً، بينما ظلت مسألة توسيعه إلى كامل السودان موضع خلاف سياسي. لذلك ينبغي عند الحديث عن الملفين تجنب وصف العقوبات الأمريكية بأنها «عقوبات مجلس الأمن»، وتجنب وصف ادعاء الاستخدام بأنه «نتيجة OPCW» ما لم يصدر عن المنظمة تقرير فني يثبت ذلك.

المراجع


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي