الدول الحبيسة وحقها في الوصول إلى البحر في القانون الدولي والعلاقات الدولية: إثيوبيا ومسألة المنفذ البحري : اتفاقية وأنظمة برشلونة بشأن حرية العبور (1921): اتفاقية نيويورك بشأن التجارة العابرة للدول غير الساحلية
الدول الحبيسة وحقها في الوصول إلى البحر في القانون الدولي والعلاقات الدولية
مع دراسة حالة: إثيوبيا ومسألة المنفذ البحري
الملخص التنفيذي
تتناول هذه الدراسة وضع الدول الحبيسة في القانون الدولي والعلاقات الدولية. وتعرّف الدولة الحبيسة وتبيّن أهمية المنافذ البحرية، وتحصي الدول الحبيسة في العالم، وتفصّل أحوال الدول الأفريقية منها وسبل نفاذها إلى العالم، ثم تعرض حالة إثيوبيا بوصفها دراسة حالة.
تصل الدراسة إلى أربع نتائج رئيسة:
- الحق ثابت في الوصول والعبور. تتمتع الدول الحبيسة بحق راسخ في الوصول إلى البحر ومنه وفي حرية العبور عبر أقاليم دول الجوار. ويستند هذا الحق إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (المواد 124–132)، وإلى اتفاقيات سابقة عليها (المستوى الأول).
- لا حق في منفذ سيادي. لا يعترف القانون الدولي الوضعي بحق الدولة الحبيسة في اكتساب منفذ بحري سيادي أو ميناء أو شريط ساحلي من إقليم دولة أخرى. وقد أكدت محكمة العدل الدولية ذلك في قضية بوليفيا ضد تشيلي (2018). والمادة 125 نفسها تقيّد ممارسة حق العبور باتفاق مع دولة العبور وتحفظ سيادتها (المستوى الأول).
- مطلب إثيوبيا مشروع من حيث المبدأ. تملك إثيوبيا حقاً قانونياً راسخاً في الوصول والعبور، ومصلحة اقتصادية واستراتيجية موثقة في ذلك. أما تحويل المطلب إلى مسعى للسيطرة على ميناء بعينه، أو ربطه بتلويح بالقوة، فيصطدم بمبدأ سلامة الأراضي وثبات الحدود الموروثة وحظر استخدام القوة (المستوى الأول للقواعد، والمستوى الثاني للوقائع).
- الطريق العملي هو التعاقد. المسار الأكثر اتساقاً مع القانون والأكثر واقعية هو اتفاقيات عبور وخدمات موثوقة وطويلة الأمد، مع ضمانات متبادلة وآليات لتسوية المنازعات. وقد أنجزته دول حبيسة كثيرة، ومنها بوليفيا ومنغوليا وسويسرا ودول الجنوب الأفريقي.
أولاً: مقدمة ومشكلة البحث وأسئلته
الجغرافيا في السياسة الدولية معطى مادي تتكيف معه الدول، وهي كذلك مصدر لامتياز أو لقيد. وتقف الدولة الحبيسة عند أحد طرفي هذه المعادلة. فهي تفتقر إلى ساحل على المحيطات المفتوحة، وتعتمد في تجارتها وإمداداتها وعلاقتها بالعالم على إرادة جيرانها وقدراتهم وعلاقاتها بهم. ولهذا ظل التوفيق بين أمرين محور الجدل القانوني والسياسي منذ مطلع القرن العشرين: ضرورة النفاذ إلى البحر للدول الحبيسة، وسيادة دول العبور على أقاليمها.
مشكلة البحث: ما طبيعة حق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر في القانون الدولي، وما حدود هذا الحق؟ وكيف يُطبَّق على الحالة الإثيوبية، حيث يتداخل الاحتياج الاقتصادي المشروع مع نزاع جيوسياسي متصاعد في القرن الأفريقي؟
أسئلة البحث:
- ما تعريف الدولة الحبيسة، وما أبعاد الحبس الجغرافي واقتصاديات؟
- ما الأساس القانوني لحق الوصول والعبور؟ وهل يمتد إلى حق في منفذ سيادي؟
- ما الدول الحبيسة في العالم، وكيف تنفذ الدول الأفريقية منها إلى البحر؟
- ما المركز القانوني لإثيوبيا، وما الخيارات المتاحة لها قانونياً وعملياً؟
- ما التوصيات الكفيلة بتحقيق الوصول البحري دون تهديد للسلم والأمن الإقليميين؟
ثانياً: المنهجية ومستويات الأدلة
تعتمد الدراسة المنهج القانوني التحليلي المقارن، وتطبّق معيار المركز في تدرج الأدلة على ثلاثة مستويات:
- المستوى الأول: نصوص المعاهدات المتحقق منها، والأحكام القضائية الدولية.
- المستوى الثاني: تقارير الهيئات الدولية الموثوقة، والدراسات المحكّمة، وتقارير مراكز التحليل والصحافة الاستقصائية الموثوقة.
- المستوى الثالث: الادعاءات المتبادلة غير المتحقق منها، والأرقام ذاتية الإبلاغ، والسيناريوهات التحليلية، ويُنبَّه إلى ذلك صراحة حيثما وردت.
والمركز لا ينحاز إلى أي دولة أو طرف. فهو يدافع عن قواعد القانون الدولي ومبادئه (التسوية السلمية، وحظر استخدام القوة، وحرية العبور)، ولا يؤيد مطلباً سياسياً لأي دولة بعينها.
تصويب واقعي: يرد في بعض المصادر الإعلامية أن استقلال إريتريا كان عام 2000. والصحيح أن الاستفتاء جرى في أبريل 1993، وأُعلن الاستقلال رسمياً في 24 مايو 1993، أما عام 2000 فهو تاريخ اتفاق الجزائر الذي أنهى حرب 1998–2000. وقد اعتمدت الدراسة التاريخ الصحيح.
ثالثاً: تعريف الدولة الحبيسة
التعريف القانوني: عرّفت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (المادة 124) الدولة الحبيسة بأنها الدولة التي ليس لها ساحل بحري. وتشمل «دولة العبور» الدولة التي تقع بين الدولة الحبيسة والبحر، سواء كان لها ساحل أم لا، وعبر إقليمها يمر النقل العابر.
أصناف الحبس:
- الحبس البسيط: وهو حال معظم الدول الحبيسة، كأن تحيط بها دول لبعضها سواحل.
- الحبس المزدوج: دولة محاطة بدول حبيسة أيضاً، ولا يبلغ عابرها البحر إلا بعبور دولتين. وهذا حال أوزبكستان وليختنشتاين.
- الحبس الجزئي الظاهري: دول لها سواحل على بحيرات أو بحار مغلقة كبحر قزوين، ولا ساحل لها على المحيطات. ومن ثم تُصنَّف أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان دولاً حبيسة في الإحصاءات الدولية، وإن كان لها ساحل على قزوين. ويخضع وضع قزوين لاتفاقية عام 2018 التي منحته نظاماً قانونياً خاصاً.
فئة «الدول النامية غير الساحلية»: تعتمد الأمم المتحدة، عبر مكتب الممثل السامي للدول الأقل نمواً والدول النامية غير الساحلية والدول الجزرية الصغيرة النامية، فئةً تضم 32 دولة نامية حبيسة. وهي ست عشرة دولة في أفريقيا، واثنتا عشرة في آسيا، ودولتان في أوروبا (مولدوفا ومقدونيا الشمالية)، ودولتان في أمريكا اللاتينية (بوليفيا وباراغواي). أما بقية الدول الحبيسة فهي دول مرتفعة الدخل في أوروبا غالباً، ولا تندرج في هذه الفئة.
رابعاً: أهمية المنافذ البحرية
1. التجارة والاقتصاد. يمرّ بحراً الجزء الأكبر من التجارة العالمية من حيث الحجم، وتقدّره تقارير الأونكتاد بأكثر من 80%. وتتحمل الدولة الحبيسة تكاليف نقل وعبور إضافية، وتتعرض لتأخيرات جمركية وإدارية وغموض في مواعيد التسليم. وقد وثّقت دراسات البنك الدولي كلفة «الحبس» وما تفرضه من ضعف في موثوقية سلاسل الإمداد (Arvis, Raballand and Marteau, 2010). وبيّن Faye وزملاؤه (2004) أن الدول النامية الحبيسة تواجه أعباء نمو وتجارة تتجاوز ما تواجهه نظيراتها الساحلية. وتجدر الإشارة إلى أن حصة الدول النامية الحبيسة في التجارة العالمية لا تتجاوز نحو 1% بحسب بيانات الأمم المتحدة (المستوى الثاني).
2. الأمن الغذائي والطاقي. يعتمد استيراد الوقود والغذاء والأسمدة على ممرات العبور. ويؤدي إغلاق حدود دولة العبور أو اضطراب أمنها إلى أزمات فورية في الدولة الحبيسة.
3. موارد البحر. تشمل مصائد الأسماك والمعادن والطاقة في المناطق البحرية. وقد أعطت اتفاقية 1982 الدول الحبيسة حقاً في المشاركة في استغلال الفائض من الموارد الحية في المناطق الاقتصادية الخالصة لدول الإقليم الفرعي ذاتها، على أساس منصف (المادة 69).
4. الأمن والاستراتيجية. النفاذ البحري يعني القدرة على التجارة والنقل، وقد يتصل بحضور بحري أو أمني. ومن هنا تتحول المسألة في بعض الأقاليم إلى تنافس جيوسياسي على الموانئ والقواعد.
5. الاستقلال السياسي. يحدّ الاعتماد على جار واحد من هامش المناورة. وتتحول دولة العبور، بحكم موقعها، إلى جهة تملك نفوذاً فعلياً على الدولة الحبيسة، لذا يكتسب تنويع الممرات قيمة سياسية.
خامساً: الإطار القانوني الدولي
أ. التطور التاريخي
- اتفاقية وأنظمة برشلونة بشأن حرية العبور (1921)، وإعلان برشلونة الذي اعترف بحق الدول التي لا ساحل لها في رفع علمها على السفن.
- اتفاقية جنيف بشأن أعالي البحار (1958)، وقد نصّت على أن للدول التي لا ساحل لها حرية الوصول إلى البحر.
- اتفاقية نيويورك بشأن التجارة العابرة للدول غير الساحلية (1965).
- قرارات الجمعية العامة والأونكتاد، ومنها مبادئ الأونكتاد لعام 1964.
- اتفاقية الغات 1947، المادة الخامسة (حرية العبور)، واتفاق تيسير التجارة لمنظمة التجارة العالمية (المادة 11 بشأن حرية العبور).
ب. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 (الجزء العاشر، المواد 124–132)
تنص المادة 125 على أن للدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر ومنه، وحرية العبور عبر أراضي دول العبور بجميع وسائل النقل، وذلك لممارسة الحقوق المقررة في الاتفاقية، بما فيها حرية أعالي البحار والتراث المشترك للإنسانية. وتتحدد شروط ممارسة هذا الحق وطرائقه باتفاقات ثنائية أو إقليمية أو دون إقليمية بين الدولة الحبيسة ودولة العبور. وتحتفظ دولة العبور بسيادتها الكاملة على أراضيها، ولها اتخاذ التدابير التي تكفل ألا تمس هذه الحقوق مصالحها المشروعة.
وتكمّل هذه المادة أحكامٌ أخرى:
- المادة 87 والمادة 90: لكل دولة، ساحلية أو غير ساحلية، حرية الملاحة في أعالي البحار، ولها حق رفع علمها على السفن.
- المادة 127: إعفاء حركة العبور من الرسوم الجمركية وضرائب الاستيراد والتصدير، مع جواز تحصيل رسوم مقابل خدمات محددة.
- المادة 129: التعاون في إنشاء وسائل النقل وتحسينها.
- المادة 130: اتخاذ تدابير لتفادي التأخير والصعوبات الفنية.
- المادة 131: المساواة في المعاملة في الموانئ البحرية.
- المادة 132: منح تسهيلات أكبر باتفاق.
- المادتان 69 و148: المشاركة في موارد المناطق الاقتصادية الخالصة وفي أنشطة المنطقة الدولية لقاع البحار.
ج. حدود الحق: قضية بوليفيا ضد تشيلي (2018)
فقدت بوليفيا ساحلها على المحيط الهادئ في حرب المحيط الهادئ (1879–1883)، ثم كرّست معاهدة السلام والصداقة عام 1904 حدودها مع تشيلي. وقد أعطت المعاهدة بوليفيا حق عبور تجاري حر ودائم عبر الأراضي والموانئ التشيلية. ولجأت بوليفيا إلى محكمة العدل الدولية للمطالبة بالتزام تشيلي بالتفاوض على منفذ سيادي. وفي حكمها الصادر في 1 أكتوبر 2018، قضت المحكمة بأغلبية 12 صوتاً مقابل 3 بأن تشيلي لم تتعهد قانوناً بالتفاوض على منفذ سيادي إلى المحيط الهادئ (المستوى الأول).
وتتجاوز دلالة الحكم الحالة البوليفية. فهو يؤكد أن القانون الدولي يحمي حق العبور والوصول، ولا يؤسس حقاً في اكتساب سيادة على ساحل.
د. المبادئ الحاكمة للحدود
- حظر استخدام القوة وتسوية المنازعات سلمياً (المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، وإعلان العلاقات الودية 2625 لعام 1970).
- مبدأ ثبات الحدود الموروثة عن الاستعمار (uti possidetis)، وقد أكدته محكمة العدل الدولية في قضية النزاع الحدودي بين بوركينا فاسو ومالي (1986).
- إعلان القاهرة 1964 الصادر عن منظمة الوحدة الأفريقية، والمادة 4(ب) من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي (احترام الحدود القائمة عند نيل الاستقلال).
سادساً: الدول الحبيسة في العالم
يبلغ عدد الدول الحبيسة المستقلة المعترف بها 44 دولة، موزعة على أربع قارات. أما أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا فلا دولة حبيسة فيهما. ويتجاوز عدد سكان الدول النامية الحبيسة 500 مليون نسمة (المستوى الثاني).
أفريقيا (16 دولة): بوتسوانا، بوركينا فاسو، بوروندي، أفريقيا الوسطى، تشاد، إسواتيني، إثيوبيا، ليسوتو، ملاوي، مالي، النيجر، رواندا، جنوب السودان، أوغندا، زامبيا، زيمبابوي.
آسيا (12 دولة): أفغانستان، أرمينيا، أذربيجان، بوتان، كازاخستان، قيرغيزستان، لاوس، منغوليا، نيبال، طاجيكستان، تركمانستان، أوزبكستان.
أوروبا (14 دولة): أندورا، النمسا، بيلاروسيا، التشيك، المجر، ليختنشتاين، لوكسمبورغ، مولدوفا، مقدونيا الشمالية، سان مارينو، صربيا، سلوفاكيا، سويسرا، الفاتيكان.
أمريكا الجنوبية (دولتان): بوليفيا، باراغواي.
كيانات محدودة الاعتراف: كوسوفو وترانسنيستريا وأوسيتيا الجنوبية. أما ناغورنو كاراباخ (آرتساخ) فقد انتهى كيانها في يناير 2024.
ملاحظات تحليلية:
- تختلف الدول الحبيسة اختلافاً جوهرياً في الأوضاع. فسويسرا والنمسا ولوكسمبورغ دول غنية تنفذ إلى البحر عبر شبكات نهرية وسككية متقدمة (الراين والدانوب)، وتمتلك سويسرا أسطولاً تجارياً يرفع علمها. أما معظم الدول الأفريقية والآسيوية الحبيسة فتجمع بين الحبس والفقر وضعف البنية التحتية.
- يتركز الحبس في أفريقيا بدرجة لافتة (16 دولة)، وهو إرث مباشر لرسم الحدود الاستعمارية.
- يتعمق الحبس حين يقترن بجوار غير مستقر أو ضعيف الاتصال، وهو ما أبرزه Collier (2007) في تحليله لما سماه «الحبس مع جيران سيئين».
سابعاً: الدول الأفريقية الحبيسة وكيف تنفذ إلى العالم
تعتمد الدول الأفريقية الحبيسة على ممرات عبور تربطها بموانئ دول الجوار. وتنتظم هذه الممرات في خمسة أقاليم.
3. شرق أفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى (أوغندا، رواندا، بوروندي، جنوب السودان):
- يمر الممر الشمالي من ميناء مومباسا (كينيا) إلى أوغندا ورواندا وشرق الكونغو، وتدعمه سكة الحديد القياسية.
- يمر الممر الأوسط من ميناء دار السلام (تنزانيا) إلى رواندا وبوروندي وأوغندا.
- يعتمد جنوب السودان، منذ استقلاله عام 2011، على تصدير نفطه عبر خط أنابيب يمر بالسودان إلى البحر الأحمر، ويطمح إلى بدائل مثل مشروع ممر لامو–جنوب السودان–إثيوبيا (لابسيت).
- ممرات بيرا وناكالا ومابوتو في موزمبيق.
- ممر دوربان في جنوب أفريقيا، وهو الأهم لليسوتو وإسواتيني.
- ممر ووليس باي (ناميبيا) وممر الكالاهاري العابر لبوتسوانا.
- خط تازارا (تنزانيا–زامبيا) وممر لوبيتو في أنغولا لخدمة زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ملاحظات تحليلية:
- الحبس الأفريقي إشكالية حوكمة بقدر ما هو إشكالية جغرافيا. فالممرات الأطول ليست بالضرورة الأعلى كلفة. ما يرفع الكلفة هو الحواجز غير الجمركية والتأخيرات الإدارية وتعدد نقاط التفتيش وضعف التنسيق عبر الحدود.
- للمنظومة القارية دور. أطلقت منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) إطاراً لتخفيض الحواجز، لكن أثرها في الدول الحبيسة يظل مرهوناً بتنفيذ ترتيبات العبور والبنية التحتية.
- تتشكل الأطر الأممية بفعل تجارب الدول الحبيسة. أقرّ مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للدول النامية غير الساحلية، المنعقد في أوازا (تركمانستان) في أغسطس 2025، برنامج عمل أوازا للعقد 2024–2034، خلفاً لبرنامج فيينا للعمل 2014–2024.
ثامناً: دراسة حالة — إثيوبيا ومسألة المنفذ البحري
1. الخلفية التاريخية
شكّلت إريتريا، منذ مطلع التسعينيات من القرن التاسع عشر، مستعمرة إيطالية. وبعد الحرب العالمية الثانية صدر قرار الجمعية العامة 390 (د-5) لعام 1950 بإنشاء اتحاد فيدرالي بين إريتريا وإثيوبيا. وضمّت إثيوبيا إريتريا عام 1962، فاندلعت حرب تحرير استمرت نحو ثلاثة عقود. وبعد سقوط نظام منغستو عام 1991 أصبحت إريتريا مستقلة فعلياً، وأُجري استفتاء أبريل 1993 تحت مراقبة دولية، وأُعلن الاستقلال رسمياً في مايو 1993، فأصبحت إثيوبيا دولة حبيسة.
وبعد الاستقلال سمحت ترتيبات أولية لإثيوبيا باستيراد السلع معفاة من الرسوم عبر ميناء عصب الإريتري. ثم زادت أسمرة رسوم النقل خلال التسعينيات، فتآكلت الثقة، وفضّل التجار الإثيوبيون ميناء جيبوتي (المستوى الثاني، بحسب تقدير تحليلي لـ Stratfor/RANE). وانقطع هذا الممر عملياً مع حرب 1998–2000، التي أنهاها اتفاق الجزائر عام 2000، وحسمت لجنة الحدود الإريترية–الإثيوبية قرارها بشأن الحدود البرية في 13 أبريل 2002. ولم يتناول ذلك القرار ميناء عصب ولا المنفذ البحري. ranenetwork
وفي يوليو 2018 وقّع الطرفان إعلان السلام والصداقة في أسمرة، ثم اتفاقية جدة في سبتمبر 2018. وفُتحت موانئ إريترية أمام إثيوبيا من الناحية النظرية. ثم تراجعت العلاقات، خصوصاً بعد اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، الذي لم تكن إريتريا طرفاً فيه.
2. الواقع الاقتصادي والمعطيات
تُعدّ إثيوبيا ثاني أكبر دول أفريقيا سكاناً (أكثر من 120 مليون نسمة). وتمر الغالبية العظمى من تجارتها الخارجية عبر ميناء جيبوتي (تقديرات شائعة تقارب 90% أو أكثر، المستوى الثاني). والاعتماد على ميناء واحد وعلى بلد واحد يكلف إثيوبيا مالياً، ويضعها أمام مخاطر الاختناق اللوجستي وتقلب الأسعار والمخاطر السياسية.
3. الأسانيد القانونية للمطلب الإثيوبي
أ. حق الوصول والعبور (المستوى الأول). تملك إثيوبيا بموجب المادة 125 وما بعدها حقاً قانونياً في الوصول إلى البحر ومنه وفي حرية العبور. وهذا الحق غير مشروط بأي علاقة سياسية خاصة، ولا يجوز لدول العبور تجاهله أو تعطيله دون مسوّغ مشروع. وقد انضمت إثيوبيا وجيرانها إلى منظومة قانونية وإقليمية تحتضن هذه الأحكام.
ب. مشاركة الدولة الحبيسة في موارد البحر. تنطبق المادتان 69 و70 على المنطقة الاقتصادية الخالصة لدول الإقليم الفرعي. وتكتسب هذه الأحكام أهمية إذا كانت لإثيوبيا اتفاقات مع دول مطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
ج. الاعتبارات الإنصافية والتاريخية. يرى جانب من الرأي العام الإثيوبي أن فقدان الساحل كان مأساة وطنية. ويرتكز المطلب في خطاب رسمي إثيوبي على اعتبارات تاريخية وجغرافية، وعلى أن ميناء عصب قريب من الحدود الإثيوبية بنحو ستين كيلومتراً (بحسب تقرير لصحيفة ذا إيست أفريكان، المستوى الثاني). لكن الاعتبارات التاريخية لا تنشئ في القانون الدولي المعاصر سنداً لتغيير الحدود، وقد دخلت إريتريا الأمم المتحدة دولة مستقلة ذات حدود معترف بها. theeastafrican
4. القيود القانونية على المطلب
- لا حق في منفذ سيادي. كما بيّن حكم بوليفيا ضد تشيلي، فإن القانون الدولي لا يوجب على دولة التنازل عن ساحلها أو التفاوض على ذلك.
- سلامة الأراضي وثبات الحدود الموروثة. تقوم الحدود الإريترية على الحدود الاستعمارية الإيطالية، وقد اعترفت إثيوبيا بالاستقلال الإريتري. وأي مسعى للسيطرة على عصب أو أي جزء من الساحل الإريتري يتعارض مع مبدأ سلامة الأراضي (المادة 2/4 من الميثاق) ومع المادة 4(ب) من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.
- حظر استخدام القوة أو التهديد بها. يحظر الميثاق التهديد باستخدام القوة، وهذا يشمل الخطاب الذي يُفهم منه إكراه.
- المادة 125/3. تحتفظ دولة العبور بحق اتخاذ التدابير لحماية مصالحها المشروعة، ومنها الأمنية، شريطة ألا تتحول إلى ذريعة لتعطيل الحق.
5. التطورات الراهنة (مصادر المستوى الثاني والثالث)
شهد الملف تصعيداً خطابياً وعسكرياً على النحو التالي، ويُنبَّه إلى أن بعض الروايات تتبادل الاتهام بين الطرفين (المستوى الثالث):
- دعا رئيس الوزراء آبي أحمد في 28 أكتوبر 2025 إلى وساطة دولية بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، ووصفه بأنه مسألة بقاء لإثيوبيا، وكان قد صرّح في مطلع سبتمبر 2025 بأن استعادة الوصول إلى عصب مسألة وقت، واعتبر خسارته خطأ. ranenetwork
- وجّه وزير الخارجية الإثيوبي في أكتوبر 2025 رسالة إلى الأمم المتحدة يتهم فيها إريتريا بتوغلات جديدة وبتحريك قوات نحو تيغراي، وطالبت أديس أبابا في فبراير 2026 بسحب القوات الإريترية، فيما تنفي أسمرة هذه الاتهامات (المستوى الثالث). theeastafrican
- أكد آبي أحمد في مارس 2026 أن حكومته لا تنوي غزو أحد أو مهاجمته، وأن إثيوبيا لن تطلق رصاصة واحدة على إريتريا أو الصومال أو جيبوتي أو كينيا، لكنه لا يخجل من طلب منفذ إلى ميناء. africanews
- وفي أعقاب تقارير عن تعبئة عسكرية إريترية ونشر قوات إثيوبية نحو الحدود، قال آبي إن بلاده لا تنوي الدخول في نزاع مع إريتريا من أجل الوصول إلى البحر، وإنها تريد معالجة المسألة سلمياً بالحوار، بينما وصفت إريتريا الطموحات الإثيوبية بأنها «قديمة وخاطئة». surinametimes
- وتحدثت تقارير في سبتمبر 2026 عن تجدد القتال في شمال إثيوبيا وتفاقم التوتر بين أديس أبابا وأسمرة. ويرى خبير نقلت عنه تلك التغطية أن مسألة الوصول إلى البحر ستكون سبباً ثانوياً لا رئيساً إن وقعت المواجهة، وأن العداء الثنائي سابق على النقاش الحالي. وهو رأي تحليلي (المستوى الثالث). jpost
- وتشير تحليلات إلى أن إريتريا عززت علاقاتها بخصوم إثيوبيا الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر (المستوى الثالث، تحليل جيوسياسي). news24
وعلى المسار الصومالي، وقّعت إثيوبيا في يناير 2024 مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال بشأن منفذ بحري. ورفضتها الصومال بوصفها مساساً بسيادتها، ثم جرى التهدئة بإعلان أنقرة في ديسمبر 2024 برعاية تركية، الذي أحال الأمر إلى مفاوضات فنية بشأن ترتيب تجاري للوصول إلى البحر تحت السيادة الصومالية (المستوى الثاني). وتظل علاقات إثيوبيا بميناء بربرة قائمة منذ اتفاق 2018 (المستوى الثاني).
6. الخيارات القانونية والعملية المتاحة لإثيوبيا
- جيبوتي: الخيار القائم والأوسع، ويمكن تطوير ترتيبات الضمان والتعريفة والإدارة المشتركة للخدمات اللوجستية.
- بربرة (أرض الصومال)، وبورتسودان، ومومباسا ولامو (كينيا)، وموانئ موزمبيق: بدائل ممكنة تتطلب اتفاقات وبنية تحتية واستقراراً أمنياً.
- إريتريا (عصب ومصوع): يتيح القانون الدولي اتفاقاً تجارياً للعبور والخدمات تحت السيادة الإريترية. وتجربة 1993–1998 و2018 تُظهر أن العائق سياسي أكثر منه قانونياً، وأن الثقة المتبادلة والضمانات هي شرط نجاح أي ترتيب.
- الأدوات القانونية: المفاوضات، والوساطة الأفريقية، والتحكيم، أو طلب رأي استشاري عبر الجمعية العامة، ومع أن هذه الأخيرة تتطلب إرادة سياسية وأغلبية.
تاسعاً: التحليل النقدي
1. الفرق بين «الحق في الوصول» و«الحق في ميناء». الخطاب العام في إثيوبيا وغيرها يخلط بين الأمرين. والتمييز بينهما شرط للتحليل الأمين، فالأول ثابت في القانون الدولي، والثاني ليس كذلك. ولا يضعف هذا التمييز المطلب الإثيوبي المشروع، بل يوجّهه نحو مسار قابل للتحقق.
2. أولوية الإرادة السياسية على النص. نصت المادة 125/2 نفسها على أن تفاصيل الحق تتحدد باتفاقات. وهذا يعني أن الحق القانوني لا يتحقق عملياً بلا تفاوض وثقة. ويفسر ذلك لماذا نجحت اتفاقيات في أقاليم مثل الجنوب الأفريقي وأوروبا، وتعثرت في بيئات التنافس والتوتر.
3. حدود المقارنات. تُظهر تجربة بوليفيا أن الدولة الحبيسة قد تعيش عقوداً من الخلاف دون استرداد الساحل، لكنها حافظت على حق عبور. وتُظهر تجربة منغوليا وكازاخستان أن اتفاقات العبور مع جيران أقوياء تتيح النفاذ حتى في غياب المنفذ السيادي. وتُظهر تجربة سويسرا أن البنية التحتية الذكية والتعاون الإقليمي يخففان قيد الجغرافيا.
4. البعد الجيوسياسي. تتقاطع المسألة الإثيوبية مع التنافس على البحر الأحمر، ومع ملفات أخرى مثل سد النهضة ومياه النيل والأمن في تيغراي وأمهرة. ولذلك قد يكون تقدير الأسباب بسيطاً حين يُختزل في المنفذ البحري وحده، وهو ما أشار إليه بعض المحللين. وتفرض منهجية التعدد السببي التعامل مع هذه الملفات معاً.
5. اعتبارات حقوق الإنسان. تدفع الشعوب ثمن النزاعات على الموانئ. وتشمل المخاطر النزوح، وتعطل الإغاثة عبر ممرات الإمداد، وتداعيات الحرب على المدنيين في منطقة سبق أن شهدت مآسي جسيمة. لذا ينبغي أن يكون المعيار الحاكم للحلول هو صون السلم وحماية المدنيين.
عاشراً: التوصيات
إلى إثيوبيا وإريتريا:
- فتح مفاوضات مباشرة، بوساطة أفريقية، حول اتفاق تجاري طويل الأجل للعبور والخدمات اللوجستية يحترم السيادة الإريترية، وفق المادة 125 من اتفاقية 1982.
- الامتناع عن الخطاب والتحركات التي تنطوي على تهديد باستخدام القوة، وتفعيل آليات بناء الثقة على الحدود.
- التزام كل طرف بعدم دعم الجماعات المسلحة المناوئة للآخر.
إلى الاتحاد الأفريقي والإيغاد:
- تفعيل وساطة قارية رفيعة، تتناول المنفذ البحري وملفات الحدود والأمن معاً.
- دعم مبادرات الممرات الإقليمية وتنسيق الترتيبات الجمركية بين دول القرن الأفريقي.
إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة:
- متابعة التصعيد في القرن الأفريقي بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي، ودعوة الطرفين إلى التسوية السلمية.
- دعم تنفيذ برنامج عمل أوازا (2024–2034) في ما يخص الدول الأفريقية الحبيسة.
إلى جيبوتي والصومال وأرض الصومال وكينيا والسودان وجيران إثيوبيا:
- توسيع ترتيبات العبور والخدمات بضمانات متبادلة، وبما لا يمس السيادة، وبأسعار وإجراءات واضحة ومعلنة.
إلى الدول المانحة والمؤسسات المالية:
- تمويل البنية التحتية للممرات، والجمارك الرقمية، ومراكز العبور الموحدة، وتخفيض الحواجز غير الجمركية.
إلى منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان:
- رصد أثر النزاعات الحدودية والبحرية على المدنيين، وتوثيقه وفق معايير الأدلة المتدرجة.
- نشر الوعي القانوني بالفارق بين الحق في الوصول والحق في المنفذ السيادي.
إلى الدول الحبيسة الأفريقية عموماً:
- تبني اتفاقيات عبور ثنائية ودون إقليمية تتضمن آليات تسوية منازعات، وتنويع الممرات بدل الاعتماد على جار واحد.
خاتمة
يكفل القانون الدولي للدول الحبيسة حقاً في الوصول إلى البحر وحرية العبور، لكنه يحيل ممارسته إلى الاتفاق مع دول العبور ويصون سيادتها. وفي حالة إثيوبيا يلتقي احتياج اقتصادي وجيوسياسي مشروع بتاريخ ثقيل من الحروب وعدم الثقة، وبمشهد إقليمي شديد التنافس. والمسار الذي يحمي حقوق الشعوب ويصون السلم هو الجمع بين التمسك بحق الوصول والعبور والتخلي عن منطق الإكراه. ولا يتحقق ذلك إلا بالتفاوض والضمانات المتبادلة والبنية التحتية الموثوقة والرعاية الأفريقية والدولية.
المراجع
أولاً: الوثائق القانونية والأحكام (المستوى الأول)
- African Union (2000) Constitutive Act of the African Union, Lomé, 11 July 2000. Art. 4(b).
- Convention and Statute on Freedom of Transit (1921) Barcelona, 20 April 1921. League of Nations Treaty Series, vol. 7.
- Convention on the High Seas (1958) Geneva, 29 April 1958.
- Convention on Transit Trade of Land-locked States (1965) New York, 8 July 1965.
- General Agreement on Tariffs and Trade (1947) Art. V.
- International Court of Justice (1986) Frontier Dispute (Burkina Faso/Mali), Judgment, ICJ Reports 1986, p. 554.
- International Court of Justice (2018) Obligation to Negotiate Access to the Pacific Ocean (Bolivia v. Chile), Judgment of 1 October 2018.
- Organization of African Unity (1964) Resolution on Border Disputes among African States, AHG/Res. 16(I), Cairo, July 1964.
- United Nations (1945) Charter of the United Nations, Art. 2.
- United Nations (1950) General Assembly Resolution 390 (V), 2 December 1950.
- United Nations (1970) General Assembly Resolution 2625 (XXV), Declaration on Principles of International Law concerning Friendly Relations.
- United Nations (1982) United Nations Convention on the Law of the Sea, Montego Bay, 10 December 1982. Arts. 69, 70, 87, 90, 124–132, 148.
- World Trade Organization (2017) Agreement on Trade Facilitation, Art. 11.
- Eritrea–Ethiopia Boundary Commission (2002) Decision regarding Delimitation of the Border, 13 April 2002.
ثانياً: الدراسات والتقارير (المستوى الثاني)
- Arvis, J.-F., Raballand, G. and Marteau, J.-F. (2010) The Cost of Being Landlocked: Logistics Costs and Supply Chain Reliability. Washington, DC: World Bank.
- Collier, P. (2007) The Bottom Billion. Oxford: Oxford University Press.
- Faye, M.L., McArthur, J.W., Sachs, J.D. and Snow, T. (2004) 'The Challenges Facing Landlocked Developing Countries', Journal of Human Development, 5(1), pp. 31–68.
- UNCTAD (annual) Review of Maritime Transport. Geneva: United Nations.
- UN-OHRLLS (2014) Vienna Programme of Action for Landlocked Developing Countries for the Decade 2014–2024, A/RES/69/137.
- UN-OHRLLS (2025) Awaza Programme of Action for Landlocked Developing Countries for the Decade 2024–2034, Third UN Conference on LLDCs, Awaza, 5–8 August 2025.
ثالثاً: التغطية التحليلية والصحفية (المستويان الثاني والثالث)، وقد جرى الاطلاع عليها في 7 أكتوبر 2026
- Stratfor/RANE (2025) 'Assessing the Risk of an Ethiopia-Eritrea War in 2026', 11 December 2025. Available at: https://worldview.ranenetwork.com/content/analysis/2025-12-11/assessing-the-risk-of-an-ethiopia-eritrea-war-in-2026
- The EastAfrican (2026) 'Ethiopia vs Eritrea: The forces behind growing risk of war'. Available at: https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/eastern-africa/ethiopia-vs-eritrea-the-forces-behind-growing-risk-of-war--5369918
- News24/DW (2026) 'Is Ethiopia bracing for war?', 24 April 2026. Available at: https://www.news24.com/world/africa/is-ethiopia-bracing-for-war-20260424-1162
- Africanews/AP (2026) 'Abiy Ahmed insists Ethiopia will not go to war over sea access', 4 March 2026. Available at: https://www.africanews.com/amp/2026/03/04/abiy-ahmed-insists-ethiopia-will-not-go-to-war-over-sea-access/
- Al Jazeera/Reuters (2025/2026) 'Ethiopia rules out conflict with Eritrea over Red Sea access'.
- The Jerusalem Post (2026) 'Ethiopia–Eritrea conflict is serious, expert says', September 2026. Available at: https://jpost.com/international/article-910320
.png)
تعليقات
إرسال تعليق