قياس كمي منظّم للسلام في أيرلندا الشمالية على مستوى الإقليم ومقاطعاته الإدارية: جرائم الكراهية هي المؤشر الوحيد الذي تدهور: المقارنة مع المملكة المتحدة وجمهورية أيرلندا

 

تقرير تحليلي شامل: مؤشر السلام في أيرلندا الشمالية 2026






أولاً: الملخص التنفيذي

يقدّم المؤشر أول قياس كمي منظّم للسلام في أيرلندا الشمالية على مستوى الإقليم ومقاطعاته الإدارية الإحدى عشرة للفترة 2019–2025. ويستند إلى إطار معهد الاقتصاد والسلام القائم على التمييز بين السلام السلبي والسلام الإيجابي.

والنتيجة المحورية أن غياب العنف يتوطد أسرع من البنى التي يُفترض أن تجعله مستداماً. فقد تحسّن السلام السلبي بنسبة 10.7% (من 2.14 إلى 1.91 على مقياس من 1 إلى 5، حيث الدرجة الأدنى هي الأفضل)، وهو أفضل مستوى في السلسلة. أما السلام الإيجابي فتحسّن 1.2% فقط (من 2.48 إلى 2.45)، مع انتكاسة جزئية في 2025 بعد أقوى تحسن سنوي سُجّل في 2024. ويصف التقرير هذا الوضع بأنه سلام «مُدار» لا «مُرسَّخ» بعد.

ثانياً: الخلفية والسياق

أنهت اتفاقية الجمعة العظيمة (1998) ثلاثة عقود من الصراع خلّفت 3,720 قتيلاً ونحو 47,540 جريحاً. ومنذ ذلك الحين تراجع العنف السياسي، لكن الأسس المؤسسية والمجتمعية ما زالت قيد البناء. وتبرز في السياق ست نقاط:

  1. عُلّقت الجمعية والسلطة التنفيذية ست مرات منذ 1998، آخرها بين فبراير 2022 وفبراير 2024. وقد بقي الإقليم بلا سلطة تنفيذية فاعلة نحو 40% من الفترة منذ نقل السلطات في 1999.
  2. أرست الاتفاقية نموذج تقاسم السلطة التوافقي، وهو فعّال في خفض العنف، لكنه يرسّخ التمثيل السياسي في كتلتين ويكافئ الحفاظ على التمايز بين المجتمعين أكثر مما يكافئ الاندماج.
  3. لا يزال الانقسام ماثلاً: أكثر من 30 كيلومتراً من «جدران السلام» في بلفاست، رغم التزام حكومي بإزالتها بحلول 2023، ونحو 90% من التلاميذ في مدارس منفصلة دينياً رغم أن ثلثي السكان يفضلون التعليم المدمج.
  4. ما زالت آثار الصراع حاضرة، ومنها انتشار الاضطرابات النفسية بنحو 25% فوق مستواه في إنجلترا، وانتقال الصدمة بين الأجيال.
  5. أعاد «بريكست» فتح الأسئلة الدستورية، وارتفع تأييد الوحدة مع أيرلندا خلال العقد الأخير.
  6. يذكر التقرير أن برنامج الحكومة الأخير (فبراير 2025) استخدم كلمة «السلام» اثنتي عشرة مرة دون تعريفها أو شرح «الالتزام العابر للقطاعات» بها، ويعدّها بمثابة «حاجز مكان» بلا هدف استراتيجي.

ويضع التقرير هذه المعطيات في سياق الأدبيات المقارنة. فهو يعرض نظرية التوافقية عند ماكغاري وأوليري، والتحفظات على قابلية تكرار النموذج عند هورويتز، والمقارنات مع جنوب أفريقيا والبوسنة، ودراسات الفجوة بين التسوية النخبوية والمصالحة المجتمعية. ثم يستنتج أن أيرلندا الشمالية «حالة مهمة لا نموذج جاهز».

ثالثاً: الإطار المفاهيمي والمنهجي

يعتمد المؤشر تمييز غالتونغ (1969): السلام السلبي هو غياب العنف والخوف منه، والسلام الإيجابي هو المواقف والمؤسسات والبنى التي تُنتج مجتمعات مسالمة على المدى الطويل. ويُقاس السلام السلبي بستة مؤشرات هي القتل، والعنف والجرائم بالأسلحة، والاضطراب العام، وجرائم الكراهية، والنشاط شبه العسكري، والقلق من الجريمة. ويُقاس السلام الإيجابي بـ24 مؤشراً موزعة على ثماني ركائز: قبول حقوق الآخرين، والتوزيع العادل للموارد، والتدفق الحر للمعلومات، والعلاقات الجيدة بين المجتمعات، ورأس المال البشري، وبيئة الأعمال، والثقة في المؤسسات، والحكومة الفاعلة.

وقد كُيّف الإطار العالمي محلياً بتعديلين. الأول: أُعيد تعريف ركيزة «العلاقات الجيدة مع الجيران» لتعني العلاقات بين المجتمعات داخل الإقليم. والثاني: حلّت «الثقة في المؤسسات» محل ركيزة «انخفاض الفساد»، لأن الثقة أكثر حساسية في هذا السياق، وتشمل الثقة في العدالة والحكومة المحلية ومدى تحرر المجتمعات من النفوذ شبه العسكري.

ومن الناحية المنهجية، جرى فحص نحو 900 مؤشر مرشح، وبُني المؤشر بالكامل على بيانات ثانوية رسمية دون جمع بيانات أولية. وتُعيَّر المؤشرات على مقياس 1–5. وتُحسب درجات الركائز بمتوسط مرجّح بالتساوي. وقد شاركت في تنقيح الإطار لجنة خبراء وثلاث مشاورات عامة في بلفاست وديري في مارس 2026.

رابعاً: نتائج السلام السلبي

تحسنت خمسة مؤشرات من ستة بين 2019 و2025:

  • القتل: انخفض 47.9% (معدل 0.8 لكل 100 ألف في 2025 مقابل 1.5 في 2019). سُجّل 13 حالة في 2024 كأدنى عدد منذ بدء السلسلة، ثم 16 في 2025.
  • النشاط شبه العسكري: انخفض 44.7%. ذكرت لجنة الإبلاغ المستقلة أن 2024/25 أول عام منذ 1969 بلا وفيات مرتبطة بالوضع الأمني، وخفّض جهاز MI5 مستوى التهديد إلى «كبير» في مارس 2024.
  • القلق من الجريمة: انخفض بنسبة تراوح بين 25% و30% بحسب طريقة الحساب.
  • العنف والجرائم بالأسلحة: انخفض 3.5%، وانخفض إجمالي الجرائم المسجلة إلى 93,529 وهو الأدنى منذ 1999. في المقابل تضاعفت جرائم حيازة الأسلحة تقريباً منذ 2013.
  • الاضطراب العام: انخفض 2.6% (975 جريمة في 2025، الأدنى منذ 2002).

جرائم الكراهية هي المؤشر الوحيد الذي تدهور، إذ ارتفعت 21.5%. وتغيّرت تركيبتها: تراجعت الحوادث الطائفية من 1,044 (2015) إلى 588 (2025)، وارتفعت الحوادث العنصرية من 916 إلى 1,188 وهو أعلى رقم منذ 2005. وقد تجاوزت الحوادث العنصرية الطائفية منذ 2022. أما الحوادث المرتبطة بالميول الجنسية فبقيت مستقرة نسبياً (219 مقابل 201).

ويورد التقرير العنف ضد النساء والفتيات سياقاً لا مؤشراً مسجلاً، وهو أشد أشكال العنف اليومي شيوعاً: 21,729 جريمة في الاثني عشر شهراً حتى يوليو 2025، وقتل 36 امرأة وفتاة على يد رجال بين يناير 2019 ويوليو 2025، ومعدل عنف أسري نحو 15–16 حادثة لكل ألف نسمة.

ويفسّر التقرير هذا المسار بخمس ديناميات. الأولى إعادة توجيه وظيفة التشكيلات شبه العسكرية نحو الجريمة المنظمة والإكراه والترهيب بدل العنف السياسي. والثانية انتقال محركات الاضطراب من التوترات الطائفية إلى تعبئة عنصرية مناهضة للهجرة، كما في بلفاست في أغسطس 2024 (49 اعتقالاً وإصابة نحو 20 شرطياً) وبالمينا في صيف 2025 وبلفاست في يونيو 2026. والثالثة دور التعبئة الرقمية في اختصار الزمن بين الحدث المحفّز والاضطراب. والرابعة الانفصال بين الضرر المُدرَك والضرر المُعاش، إذ ارتفع القلق دون ارتفاع في الضحايا المُبلَّغ عنهم. والخامسة التباين الدائم بين بيانات الشرطة وبيانات المسوح. ويلفت التقرير إلى أن الاستجابة المؤسسية ما زالت موجّهة نحو إرث النشاط شبه العسكري لا نحو هذه التوترات الناشئة، وأن تفجير سيارة مفخخة أمام مركز شرطة دنمري في أبريل 2026 يذكّر بهشاشة البيئة الأمنية.

خامساً: نتائج السلام الإيجابي

الركائز المتحسنة:

  • التدفق الحر للمعلومات (−0.77 نقطة، 25.5%)، بفضل ارتفاع تغطية النطاق العريض من 54% إلى 94.2% من المباني بعد مشروع «ستراتوم» الريفي، مع تحسن طفيف في الثقة بالإعلام وحياده.
  • قبول حقوق الآخرين (−0.25، 10%)، بفضل تضييق فجوة الأجور بين الجنسين من 11.2% إلى 6.6% (على قياس الدوام الكامل السنوي) وتراجع الإقصاء الاجتماعي والتمييز المُدرَك.
  • بيئة الأعمال (−0.13، 5%)، لكن تحت هذا التحسن تباين حاد، فالناتج للفرد تحسن 13.9% والانفتاح المالي 21.6%، بينما تدهورت كفاءة قرارات التخطيط 41.1%.
  • التوزيع العادل للموارد (−0.07، 3.6%)، مع بقاء الفقر شبه ثابت (من 12.3% إلى 12.0%). ولم تُقرّ بعد استراتيجية مكافحة الفقر رغم النص القانوني عليها في اتفاقية سانت أندروز 2006.

الركائز المتدهورة:

  • رأس المال البشري (+0.34، 14.5%)، وهي الأكبر تدهوراً. يقودها انهيار الإنفاق على البحث والتطوير (نحو 34% على الدرجة) الناجم عن تقليص وظائف في شركات مثل «أولستيت» و«سيتي غروب» و«ديلويت»، وتركز نحو 40% من بحوث الأعمال في بلفاست وحدها.
  • العلاقات بين المجتمعات (+0.27، 10.5%). هبطت النظرة الإيجابية نحو المجتمع الآخر من 83.6% إلى 66.9%، وتراجع التواصل الاجتماعي بين المجتمعين من 66.1% إلى 61.3%.
  • الحكومة الفاعلة (+0.26، 11.3%). تراجعت كفاءة معالجة السكن الاجتماعي (+27.5%)، إذ نمت قائمة الانتظار 30% مقابل نمو سكاني 1.8%، وانخفضت البدايات الخاصة للبناء 23% والتنمية الاجتماعية للإسكان 16%. وتحسّن مؤشر التكافؤ في التعيينات العامة 32.5%، لكن ارتفاع نسبة من لم يصرحوا بخلفيتهم المجتمعية يصعّب التحقق منه.
  • الثقة في المؤسسات (+0.17، 6.5%). انخفضت الثقة في نظام العدالة من 72.5% إلى 60% (بتراجع 23.8% على الدرجة)، وتدهور استقلال النيابة العامة، وبقيت الثقة في الجمعية أقل من ثلاثة من كل عشرة. ويربط التقرير ذلك بفترات التعليق الطويلة وبفقدان عائلات الضحايا الثقة في مؤسسات معالجة إرث الماضي مثل اللجنة المستقلة للمصالحة واسترداد المعلومات.

وعلى مستوى المؤشرات، تحسّن 13 من 24 وتدهور 11. وفي 2025 كانت أقوى الركائز التوزيع العادل للموارد (1.78)، ثم قبول حقوق الآخرين (2.25) والتدفق الحر للمعلومات (2.27). وأضعفها العلاقات بين المجتمعات (2.88)، ثم رأس المال البشري والثقة في المؤسسات (2.70 لكل منهما). ويلاحظ التقرير أن أكبر التحسينات جاءت حيث يستطيع المال والسياسة الرسمية التأثير مباشرة، وأن أضعفها حيث تحتاج المعالجة إلى تغيير في الثقة والعلاقات المجتمعية.

كما انتكس المؤشر في 2025 (+0.82%) بعد قفزة 2024 (−2.0%)، إذ تراجعت خمس ركائز وتحسنت ثلاث، وتركزت الانتكاسة في رأس المال البشري والثقة في المؤسسات.

سادساً: المقارنة مع المملكة المتحدة وجمهورية أيرلندا

لا تُصنَّف أيرلندا الشمالية منفصلة في المؤشرات العالمية، لذا تقتصر المقارنة على مؤشرات قابلة للمقارنة المباشرة. ومع باقي المملكة المتحدة توجد تسعة مؤشرات مقارَنة، تتفوق فيها أيرلندا الشمالية في ستة، هي فجوة الأجور بين الجنسين (7.2% مقابل 10.9%)، والشباب خارج التعليم والعمل (9.2% مقابل 12.5%)، والفقر المطلق (13.7% مقابل 17.5%)، والنطاق العريض (94.2% مقابل 81.9%)، والرضا عن الحياة، والعمر الصحي المتوقع. وتتأخر في ثلاثة: الناتج للفرد (£32,944 مقابل £35,630)، والإنفاق على البحث والتطوير (£519 للفرد مقابل £911)، والانفتاح المالي أي الاستثمار الأجنبي للفرد (£10,515 مقابل £22,209).

والنمط بنيوي: قوة في النتائج الاجتماعية وضعف في الديناميكية الاقتصادية. ويوضح التقرير أن الفقر المنخفض يُفسَّر بانخفاض تكاليف السكن لا بارتفاع الدخل، وأن ضيق فجوة الناتج للفرد جزئياً تركيبي لأن القطاع العام يمثل نحو 28% من الناتج مقابل 17% في المملكة المتحدة، وأن فجوة الإنتاجية للعامل أوسع.

أما مع جمهورية أيرلندا فتتوافر أربعة مؤشرات فقط، وتتأخر فيها أيرلندا الشمالية في ثلاثة: الشباب خارج التعليم والعمل (10.8% مقابل 6.4%)، وفجوة الأجور (9.4% مقابل 8.3%)، والعمر الصحي المتوقع (59.8 مقابل 66.9 سنة). ويتقارب الرضا عن الحياة (7.7 مقابل 7.6). وتحتل الجمهورية المرتبة الخامسة في مؤشر السلام العالمي 2026 والثانية في مؤشر السلام الإيجابي 2025، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة 39 عالمياً. وبذلك تشكل الجمهورية معياراً أكثر تطلباً، وتتحول نقاط التفوق داخل المملكة المتحدة إلى نقاط قصور أمامها.

سابعاً: التحليل على مستوى المقاطعات

يُظهر التحليل المحلي أن السلامين لا يتحركان معاً. فموقع المقاطعة في أحدهما لا يدل على موقعها في الآخر.

بلفاست الأقوى في السلام الإيجابي الكلي، لكنها الأعلى في العنف المسجل، إذ تبلغ جرائم الكراهية فيها نحو ثلاثة أضعاف المعدل الإقليمي، وتستأثر بـ36% من الاضطراب العام لعام 2025 (نحو 40% منذ 2002). ديري وستريبان الأضعف في السلام الإيجابي إذ تتخلف في عشرة من أحد عشر مؤشراً محلياً وتحسن مركّبها 0.5% فقط منذ 2019، لكنها سجلت مع ذلك بعض أكبر التحسينات في مؤشرات العنف، ويعدّها التقرير أشد المقاطعات معاناة من تحدٍّ مركّب. وتبرز أرماغ وبانبريدج وكريغافون بأفضل ملف في السلام السلبي، وهي المقاطعة الوحيدة التي تحسنت في جميع مؤشراته، مع أقوى موقع في البحث والتطوير. أما ميد وإيست أنتريم فهي الوحيدة التي ارتفع فيها القلق من الجريمة (43%).

ويتركز النشاط شبه العسكري جغرافياً، إذ تتجاوز أربع مقاطعات المعدل الإقليمي: ديري وستريبان، وكوزواي كوست وغلينز، وبلفاست، وأردز ونورث داون. وتنقسم الجغرافيا عموماً بين ممر شرقي حضري أقوى مؤسسياً وبنيوياً (أنتريم ونيوتاون أبي، وأردز ونورث داون، وليسبيرن وكاسلريه، وميد وإيست أنتريم)، ومقاطعات غربية وريفية تعاني عجزاً اقتصادياً وبنيوياً مستمراً (ديري وستريبان، وفيرمانا وأوما، وكوزواي كوست وغلينز). ويقتصر التحليل المحلي على 11 مؤشراً إيجابياً من 24 متاحة على مستوى المقاطعات.

ثامناً: العلاقة بين السلامين

تُظهر معاملات ارتباط سبيرمان أن السلام السلبي يتحرك مع مؤشرات النسيج الاجتماعي لا مع المؤشرات الاقتصادية الكلية. وأقوى الارتباطات المعتدّ بها الإقصاء الاجتماعي (+0.748، ن=10)، والشباب خارج التعليم والعمل (+0.659، ن=13)، والفصل المدرسي (+0.613، ن=16)، بينما لا يرتبط الناتج للفرد به تقريباً (−0.016). أما المعاملات شبه التامة مثل النطاق العريض (−1.000، ن=6) وحياد الإعلام (−0.994، ن=8) فناتجة عن اتجاه زمني مشترك على سلاسل قصيرة، ولا يُعتدّ بها. ويشدد التقرير على أن هذه ارتباطات لا سببية، وأنها تعكس محاذاة بنيوية وجغرافية بطيئة لا استجابة سنوية قصيرة الأمد.

تاسعاً: العوامل البنيوية المفسِّرة للفجوة

يحدد التقرير أربع ديناميات يرجّح استمرارها ما لم يحدث تدخل مقصود:

  1. القيد المؤسسي المتضمن في هندسة السلام ذاتها: فالتوافقية تخفض العنف لكنها تكافئ التمايز، وكل تعليق للمؤسسات يركّز التدهور في مؤشرات الثقة والأداء الحكومي، وكل استعادة لا تنتج إلا تعافياً جزئياً.
  2. القاعدة الاقتصادية: يعدّ التقرير الإنفاق على البحث والتطوير أوضح مقياس للخيار بين تحويل المكاسب إلى عمق اقتصادي ذاتي، أو البقاء مورّداً للعمالة والقدرة التشغيلية لاقتصادات مقارّها في الخارج.
  3. السلام الحقوقي أسرع من سلام النسيج الاجتماعي: فقد تحسنت فجوة الأجور والإقصاء والتمييز المُدرَك، بينما بقي الفصل المدرسي راسخاً وتراجعت النظرة المتبادلة بين المجتمعين 40% على الدرجة، وتتوقف أو تنعكس المؤشرات الأقوى ارتباطاً بالسلام السلبي: السكن والفصل المدرسي وتعطل الشباب والإقصاء.
  4. الظلم المُدرَك مقابل اللامساواة المقيسة: فالتعبئة السياسية للمظالم تحركها المظالم المُدرَكة أكثر من الحرمان الفعلي، ولذلك تحمل اتجاهات مؤشرات الإدراك، كالثقة في العدالة والجمعية، وزناً أكبر من مستواها المطلق.

ويحدد التقرير مخاطر قد تخلّ بالتوازن الحالي: التدهور الاقتصادي غير المتكافئ بين المجتمعات، وتعليق المؤسسات لفترات طويلة، والتحولات الديمغرافية والدستورية، وابتعاد الشباب الذين لم يعيشوا الصراع عن الالتزام بالتسوية. ويرى أن الخطر ينبع من تقاطع الحرمان الاقتصادي والظلم المُدرَك وضعف الاندماج بين المجتمعين، لا من الحرمان وحده.

عاشراً: التوصيات والاتجاهات السياساتية

يعرض التقرير أربعة محاور، ويؤكد أنها اتجاهات سير طويلة الأمد لا أهداف قريبة، وأنه لا يثبت أن أي تدخل منفرد سيخفض العنف في مدى قصير:

أولاً، استعادة الثقة بالمؤسسات. يقترح إصلاحات تقلل تكرار تعليق المؤسسات ومدته، ومنها آلية «عريضة القلق» ونظام التصنيف، مع شفافية في التعيينات العامة وقرارات النيابة وأداء التخطيط. ويشترط في معالجة إرث الماضي أن تكون مستقلة وشفافة ومتوافقة مع حقوق الإنسان وبمشاركة حقيقية للمعنيين، وإلا لن تتحسن مؤشرات الثقة والعدالة والحكومة الفاعلة.

ثانياً، بناء قاعدة بحثية اقتصادية محلية. فالاعتماد على مكاتب الشركات متعددة الجنسيات ضعف بنيوي لا يعالجه الاستثمار الأجنبي وحده. ويقترح شراكات بين الجامعات والصناعة، وحوافز محلية للبحث والتطوير، ودعم توسع الشركات المحلية في التكنولوجيا وعلوم الحياة والطاقة المتجددة.

ثالثاً، مساحات وخدمات مشتركة تخلق ترابطاً حقيقياً. تشمل الروابط بين المجتمعات المنفصلة والبنية الرقمية المشتركة وبرامج التوظيف المتقاطعة بين المجتمعين ومنحاً مرتبطة بتنوع التوظيف. ويؤكد أن هذه الإجراءات تبني السلام حين تولّد اعتماداً متبادلاً حقيقياً، وتعزز الانقسام إن تتبعت حدود المجتمعات القائمة. كما يشير إلى مسارات منخفضة الكلفة سياسياً، منها التعليم المدمج ومراكز الابتكار المشتركة.

رابعاً، معالجة السكن والفصل المدرسي وتعطل الشباب. وهي الشروط البنيوية الأشد ارتباطاً بنتائج سلام أسوأ. ويوصي بتوسيع التعليم المدمج وتسريع إمدادات السكن الاجتماعي والاستمرار في الاستثمار في تشغيل الشباب وتدريبهم، وخاصة في المقاطعات التي تتقاطع فيها هذه العوامل الثلاثة.

ويرى أن المؤشر يصلح أداةً دورية لمراقبة هذا المسار، على غرار «فحص صحي بنيوي» لمدى ترسّخ السلام.

حادي عشر: حدود المؤشر

يرد في التقرير عدد من القيود التي ينبغي مراعاتها عند الاستشهاد به:

  • مصادر البيانات: كلها ثانوية، فالمؤشر مقيّد بتغطية مصادره وتعريفاتها.
  • النافذة الزمنية: السلام الإيجابي يغطي 2019–2025 فقط مقابل 2005–2025 للسلبي، فيُقرأ كلقطة راهنة أكثر منه اتجاهاً طويل الأمد.
  • عينات المسوح: بعض المسوح صغيرة العينة، مثل مسح NILT ومسح المجتمع الآمن، فقد تعكس التقلبات السنوية خطأ العينة.
  • التغيّر المنهجي: انتقل مسح NILT من المقابلة المباشرة إلى الإنترنت في 2020، مما يخل بمقارنة ما قبل 2020 وما بعده في مؤشرات كالنظرة نحو المجتمع الآخر.
  • الجرائم المسجلة: تعكس ممارسات التسجيل وكثافة الشرطة إلى جانب مستوى الضرر الفعلي، وقد تتغير السلسلة بمعزل عن العنف الحقيقي.
  • أعداد صغيرة: الأرقام الصغيرة، كالقتل على مستوى المقاطعة، تجعل التغيرات النسبية السنوية شديدة الحساسية لحدث واحد.
  • القابلية للمقارنة: درجات السلام السلبي داخلية للمؤشر، ودرجات السلام الإيجابي مرجعية عالمياً لكنها غير مكافئة لمؤشرات الدول.
  • العنف ضد النساء والفتيات: خارج إطار المؤشر ويُدرج سياقاً فقط.
  • تفاوت في الأرقام: يورد التقرير نسبة تراجع القلق من الجريمة بنحو 25% في النص وبنحو 30% في الجدول، والأرجح أن الفرق بين الحساب على القيمة الخام وعلى الدرجة المعيارية.

خاتمة

يثبت المؤشر أن أيرلندا الشمالية رسّخت غياب العنف السياسي المنظّم إلى حد بعيد، لكن الأسس التي تجعل هذا الغياب ذاتي الاستدامة لم تتوطد بالوتيرة نفسها. ويتلخص السؤال الحاسم للعقد القادم في قدرة الإقليم على تحويل بنيته الاجتماعية والرقمية إلى ثقة مؤسسية وعمق اقتصادي واندماج بين المجتمعين يجعل السلام دائماً لا مشروطاً.

ومن زاوية البحث الحقوقي، تستحق ثلاث نقاط عناية خاصة: تصاعد جرائم الكراهية العنصرية وتحول محركات الاضطراب، وتآكل الثقة بنظام العدالة ومؤسسات معالجة إرث الماضي، واستمرار العنف ضد النساء والفتيات خارج القياس الرسمي للسلام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي