الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية: تقرير حقوقي وقانوني شامل: نيويورك تايمز": استند إلى نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو وتسجيل صوتي وآلاف الرسائل المنسوبة

 

الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية: تقرير حقوقي وقانوني شامل

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا

التاريخ: 6 سبتمبر 2026



أولاً: الملخص التنفيذي

منذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، تصاعدت اتهامات موثقة تفيد باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية قائمة على غاز الكلور. توّجت هذه الاتهامات في سبتمبر 2026 بنشر صحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" تحقيقين استقصائيين مستقلين استندا إلى نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيل صوتي، وآلاف الرسائل المنسوبة لضباط سودانيين كبار، تشير إلى برنامج سري لتطوير ذخائر كيميائية خلال عام 2024، ومحاولات لاحقة لإخفاء آثاره بعد فرض عقوبات أمريكية. ينكر الجيش السوداني هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً. يقدّم هذا التقرير توثيقاً مصنفاً هرمياً للوقائع، وتحليلاً لموقف القانون الدولي (اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، نظام روما الأساسي)، وخريطة للدول المتهمة بدعم طرفي النزاع، مع توصيات موجهة لمختلف الجهات الدولية والإقليمية.


ثانياً: الخلفية التاريخية

اندلع القتال في 15 أبريل/نيسان 2023 عقب خلاف حول آليات دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي، ضمن مسار الاتفاق الإطارية الانتقالي. تطورت الحرب إلى صراع متعدد الجبهات (الخرطوم، دارفور، كردفان، الجزيرة، سنار)، رافقه انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد حاد للأزمة الإنسانية، مع تقديرات لعدد القتلى تجاوزت 150 ألفاً وفق تقديرات أولية، ثم تجاوزت 200 ألف وفقاً لتقديرات لاحقة لعاملين في مجال الإغاثة تسبّبت الحرب بمقتل أكثر من 200 ألف شخص، حسب تقديرات العاملين في مجال الإغاثة، فضلاً عن عدد لا يُحصى من الانتهاكات. استعاد الجيش السيطرة على القصر الرئاسي في الخرطوم في مارس 2025 البرهان بعد استعادة السيطرة على القصر الرئاسي في الخرطوم في مارس/آذار 2025، متعهداً بمواصلة العمليات العسكرية "حتى إنهاء كابوس الدعم السريع" تعهد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان بمواصلة العمليات العسكرية حتى إنهاء ما وصفه بـ"كابوس" الدعم السريع وتطهير البلاد من المتمردين.

السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ تصديقه عليها عام 1999 حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، في انتهاك لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي صادق عليها السودان عام 1999، وهو ما يجعل أي استخدام مزعوم لهذا النوع من الأسلحة قضية قانونية دولية بامتياز، لا شأناً داخلياً محضاً.


ثالثاً: التصنيف الهرمي للأدلة (المستويات الثلاثة)

المستوى الأول - وقائع مؤكدة رسمياً

  • تصديق السودان على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1999.
  • فرض الولايات المتحدة عقوبات رسمية متتالية على الحكومة السودانية على خلفية اتهامات استخدام أسلحة كيميائية: عقوبات شخصية على البرهان في يناير 2025، ثم عقوبات مؤسسية على الحكومة بدءاً من مايو 2025 وبدأت القضية في مايو/أيار 2025، عندما أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على السودان بعد اتهام القوات المسلحة باستخدام أسلحة كيميائية، ثم جولة عقوبات إضافية دخلت حيز التنفيذ في 20 يوليو 2026 بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية بدأ في 20 يوليو/تموز 2026 سريان عقوبات أمريكية إضافية على السودان، بعد اتهام واشنطن الحكومة بعدم استيفاء الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية خلال مهلة استمرت 3 أشهر.
  • ملاحظة تصحيحية منهجية: الوثيقة المصدرية التي زوّدنا بها الباحث أشارت إلى فرض العقوبات في "يناير 2025" كتاريخ وحيد؛ التوثيق المتقاطع من مصادر متعددة يُظهر أن هذا التاريخ خاص بالعقوبات الشخصية على البرهان لأسباب تتعلق بعرقلة التفاوض، بينما العقوبات المرتبطة تحديداً بملف الأسلحة الكيميائية بدأت في مايو 2025 مع تصعيد لاحق في يوليو 2026. هذا التمييل الزمني الدقيق ضروري لأي توثيق حقوقي رصين.

المستوى الثاني - نتائج تحقيقات صحفية استقصائية موثقة ومتقاطعة

  • تحقيق "نيويورك تايمز": استند إلى نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو وتسجيل صوتي وآلاف الرسائل المنسوبة لهواتف ضباط سودانيين كبار، وأشار إلى برنامج مزعوم لتطوير ذخائر قائمة على الكلور استمر نحو ستة أشهر خلال 2024 وتقول الصحيفة إن المواد تصف كيفية تطوير الجيش السوداني وإنتاجه، على مدى 6 أشهر خلال عام 2024، ذخائر تعتمد على غاز الكلور بهدف استخدامها ضد قوات الدعم السريع. أشار التحقيق إلى أن البرهان كان على علم مباشر بالبرنامج ونقل تقرير "نيويورك تايمز" أن المواد التي اطلعت عليها تشير إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان كان على علم بالبرنامج المزعوم، وأن الضابط حسين أشرف أشرف ابتداءً من يوليو 2024 على مصنع لتجميع نماذج أولية.
  • تحقيق "واشنطن بوست": وثّق تحويل شحنات كلور مخصصة لتنقية مياه الشرب إلى الاستخدام العسكري، وإخفاء مواقع إنتاج الرؤوس الحربية داخل قواعد عسكرية بحسب التحقيق، شمل البرنامج المزعوم تحويل شحنات كلور مخصصة لمعالجة مياه الشرب، وإخفاء مواقع إنتاج الرؤوس الحربية داخل قواعد عسكرية، وإجراء تجارب في الصحراء، إلى جانب إعداد قوائم بأهداف يمكن للغاز إجبار القوات المعادية على مغادرتها. أشارت رسائل متبادلة بين ضباط سودانيين إلى تخزين ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية وتشير رسائل متبادلة بين مسؤولين عسكريين سودانيين، حصلت عليها الصحيفة، إلى أن قوات الأمن السودانية خزّنت ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية. وثّق التحقيق أيضاً رسالة منسوبة لضابط سوداني يتحدث عن استهداف موقع بالغاز لإجبار قناصة على النزول من أبراج حراسة، دون تأكيد استخدام فعلي للسلاح في تلك الواقعة بعينها وقالت الصحيفة إنه لم يتضح ما إذا كانت الأسلحة الكيميائية قد استخدمت بالفعل ضد ذلك الموقع.
  • تعقّب التحقيق مصدر بعض شحنات الكلور إلى مورّد في الهند صرّح بأن الشحنات كانت مخصصة لمعالجة المياه ويربط التحقيق هذه الجزئية بتحقيقات سابقة تتبعت بعض خزانات الكلور التي ظهرت في مواقع مرتبطة بهجمات وقعت عام 2024، وصولًا إلى مورد في الهند، قال إن الشحنات التي باعها كانت مخصصة لمعالجة المياه.
  • خلصت الحكومة الأمريكية رسمياً، عبر أربعة مسؤولين رفيعين، إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت الأسلحة الكيميائية مرتين على الأقل ضد قوات الدعم السريع في مناطق نائية.
  • تحفظ الخبراء (مهم منهجياً): خبراء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومعاهد بحثية غربية وصفوا الأدلة بأنها "مقلقة وتشير بقوة" إلى وجود برنامج، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات كل التفاصيل بشكل قاطع، إذ يتطلب التحقق الكامل الوصول الميداني للمواقع والشهود — وهو ما تعذر حتى الآن بسبب استمرار الحرب لكن تحقيق «واشنطن بوست» نفسه يبقي الباب مفتوحًا أمام مزيد من التحقق، إذ يؤكد أن تحديد حجم المخزون الكيميائي المزعوم، ومصيره، وما إذا كانت الأسلحة قد استُخدمت بالفعل، يتطلب الوصول إلى المواقع المعنية وإجراء تحقيقات ميدانية والاستماع إلى شهود، وهي خطوات تعذر تنفيذها حتى الآن بسبب استمرار الحرب.

المستوى الثالث - مواقف متنازع عليها وتحتاج تأهيلاً صريحاً

  • نفي الجيش السوداني القاطع للاتهامات، ووصفها بأنها "لا أساس لها"، مع تلويحه باللجوء للقضاء الأمريكي ضد الصحف، وتأكيده عبر تحقيق داخلي أعلنه البرهان في مايو 2025 عدم وجود أدلة على تلوث كيميائي أو إشعاعي بعد تحقيق أعلن البرهان تشكيله في مايو 2025، إنه لا توجد أدلة على تلوث كيميائي أو إشعاعي.
  • مقالات رأي سودانية تشكك في منهجية التحقيقين الصحفيين، وتصفهما بأنهما استندا إلى "تسريب صحفي" دون تحقيق ميداني مستقل، وتعتبر توقيت فرض العقوبات عقب النشر مؤشراً على "تسييس" الملف إن "تطبيق عقوبات بناءً على تسريب صحفي فقط ليس عدلاً، وهو سابقة خطيرة في القانون الدولي المسيّس". هذا الموقف يستحق أن يُعرض بأمانة كجزء من الجدل، دون اعتباره دحضاً للأدلة الوثائقية المفصلة التي قدمتها الصحيفتان.
  • دعوات منظمات حقوقية سودانية وأفريقية (منتدى المنظمات الأفريقية غير الحكومية في بانجول) لإرسال فرق فنية من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقيق الميداني.
  • مذكرة رسمية من تشاد تطالب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بالتحرك، علماً بأن المنظمة تحتاج طلباً رسمياً من دولة عضو لتفعيل آلية التحقيق.

رابعاً: الإطار القانوني الدولي

1. اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC، 1993):
السودان دولة طرف منذ 1999، وتحظر المادة الأولى من الاتفاقية إنتاج أو تخزين أو استخدام الأسلحة الكيميائية بشكل مطلق دون استثناء لظروف الحرب الأهلية. آلية التحقق تتطلب من حيث المبدأ طلباً رسمياً من دولة طرف لتفعيل تحقيق ميداني من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وهي الآلية التي بدأتها تشاد.

2. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية:
تُصنَّف "أسلحة كيميائية سامة أو غازات خانقة" كجريمة حرب صريحة بموجب المادة 8(2)(ب)(17-18) من نظام روما الأساسي عند استخدامها في نزاع مسلح دولي، بينما ينطبق حكم مماثل في النزاعات غير الدولية بموجب المادة 8(2)(هـ). السودان ليس دولة طرفاً في نظام روما، لكن المحكمة تملك بالفعل ولاية قائمة على إقليم دارفور تحديداً بموجب إحالة مجلس الأمن رقم 1593 لعام 2005، وهو ما يعني أن أي استخدام موثق لأسلحة كيميائية في دارفور تحديداً (خلافاً لمناطق أخرى كالخرطوم أو الجزيرة) يقع، من حيث المبدأ القانوني، ضمن ولاية المحكمة القائمة أصلاً، بخلاف الاستخدام المزعوم في مناطق أخرى خارج الإحالة الأممية والذي يبقى خارج ولاية المحكمة إلا عبر إحالة جديدة من مجلس الأمن.

3. مبدأ المسؤولية القيادية (Command Responsibility):
المادة 28 من نظام روما تُحمّل القادة العسكريين المسؤولية عن جرائم مرتكبها تحت إمرتهم متى ثبت علمهم الفعلي أو "كان ينبغي أن يعلموا" بها وفشلوا في اتخاذ إجراءات لمنعها أو المعاقبة عليها. الإشارة الواردة في تحقيق "نيويورك تايمز" إلى أن البرهان كان "على علم مباشر" بالبرنامج، إن ثبتت قضائياً، تشكّل عنصراً جوهرياً لأي مساءلة مستقبلية قائمة على هذا المبدأ — مع التأكيد أن ما ورد حتى الآن ادعاء صحفي موثق وليس حكماً قضائياً.

4. تمييز منهجي حاسم: يجب التمييز بدقة بين: (أ) الادعاء الصحفي الموثق، (ب) استنتاج تنفيذي من وزارة الخارجية الأمريكية (وهو قرار سياسي-استخباراتي وليس حكماً قضائياً)، (ج) تحقيق مستقل من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (لم يُجرَ ميدانياً بعد)، (د) حكم قضائي دولي (غير موجود حتى تاريخه). هذه المستويات الأربعة غير متكافئة قانونياً ولا يجوز الخلط بينها.


خامساً: الدول والأطراف الخارجية الداعمة للبرهان والجيش السوداني

مصر: الداعم الإقليمي الأبرز والأكثر علانية للبرهان أهم داعم للبرهان هي مصر التي تشترك في حدود مع السودان. تعتبر القاهرة البرهان "الضامن الأكثر ترجيحاً لمصالحها"، بما يشمل ملف مفاوضات سد النهضة الإثيوبي يقول دبلوماسيون ومحللون إن مصر تشعر بالراحة في التعامل مع البرهان وتعتبره الضامن الأكثر ترجيحا لمصالحها، بما في ذلك في المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي. استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي البرهان رسمياً في ديسمبر 2025 في 18 ديسمبر 2025، استقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. تشير تحليلات حديثة إلى مؤشرات على تحول محتمل نحو مشاركة عسكرية مصرية أكثر مباشرة استناداً لصور أقمار صناعية حللتها رويترز أظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللتها رويترز وجود هذه الطائرات على بعد نحو 60 كيلومتراً من الحدود السودانية، واعتبر محللون ذلك مؤشراً إلى تحول محتمل نحو مشاركة عسكرية مصرية أكثر مباشرة، مع استمرار غياب أي إقرار رسمي مصري بذلك.

السعودية: دعم دبلوماسي وغير مباشر مع التزام حياد علني ولكن مثل مصر، يقول المراقبون إن المملكة العربية السعودية دعمت البرهان وقواته المسلحة بشكل خفي، وزودته بالدعم الدبلوماسي. لعبت الرياض دوراً بارزاً في عمليات إجلاء الأجانب في بداية الحرب، وشاركت في رعاية جهود الوساطة مع واشنطن.

إيران وتركيا: وثّقت مصادر، منها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، وصول طائرات مسيّرة إيرانية (Mohajer-6 وAbabil) إلى القوات المسلحة السودانية، إلى جانب دعم تركي ساهم في تحسين قدرات الجيش من الطائرات المسيّرة دون أن يكون مصدرها مصرياً حصراً القوات المسلحة السودانية تلقت دعماً من دول أخرى أيضاً، ولا سيما إيران وتركيا... وثّقت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء وصول طائرات مسيّرة إيرانية مثل Mohajer-6 وAbabil إلى القوات.

بالمقابل - الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع (لأغراض السياق المقارن والحياد التحليلي): تتهم لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي جهات خارجية، من بينها الإمارات العربية المتحدة، بأنها "أججت الصراع واستفادت منه"، دون أن تطالب صراحة بوقف مبيعات الأسلحة الأمريكية لها وفي البيان نفسه، قالت اللجنة إن "جهات خارجية داعمة"، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، "أججت الصراع واستفادت منه"، ولم تطالب اللجنة الولايات المتحدة صراحةً بوقف مبيعات الأسلحة إلى الإمارات.

تحفظ منهجي إلزامي: جميع الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي المباشر (لا سيما العسكري) تبقى، وفق المصادر المتاحة، في مرتبة الاتهام الموثق صحفياً وليس الإثبات القضائي القاطع، وتتفاوت في قوة الأدلة (من صور أقمار صناعية موثقة تحليلياً، إلى تقديرات دبلوماسية غير مسندة بوثيقة). المركز لا يتبنى موقفاً منحازاً تجاه أي طرف إقليمي، ويكتفي بعرض ما وثّقته المصادر مع درجة اليقين المرفقة بها.


سادساً: التحليل النقدي

1. من التوثيق الصحفي إلى المساءلة القانونية - الفجوة الجوهرية:
رغم كثافة التوثيق الصحفي وتعدد مصادره المستقلة، تبقى فجوة كبيرة تفصل بين "التوثيق الإعلامي المرجّح" و"الإثبات القضائي القاطع" المطلوب لأي محاكمة دولية. هذه الفجوة ليست عيباً في المنهجية الصحفية بقدر ما هي انعكاس لواقع ميداني يمنع الوصول المستقل للمواقع، وهو ما يستدعي تفعيلاً عاجلاً لآلية التحقق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

2. الفجوة الولائية للمحكمة الجنائية الدولية:
النقطة الأكثر إشكالية قانونياً هي أن ولاية المحكمة الجنائية الدولية القائمة أصلاً (عبر الإحالة 1593) تقتصر جغرافياً على دارفور، بينما غالبية الوقائع الموثقة صحفياً (الخرطوم، الجزيرة، سنار) تقع خارج هذا النطاق الجغرافي، ما يعني أن مساءلة فعلية لهذه الوقائع تحديداً تتطلب إحالة جديدة من مجلس الأمن — وهو مسار تعرقله على الأرجح موازين القوى داخل المجلس.

3. توظيف سياسي محتمل للملف من الجهتين:
من جهة، يمكن للولايات المتحدة توظيف ملف الأسلحة الكيميائية كأداة ضغط عقابية إضافية على سلطة بورتسودان ضمن سياق أوسع من العقوبات (تصنيف قوات الدعم السريع، اتهامات الإبادة الجماعية بحقها في دارفور)؛ ومن جهة أخرى، فإن دفاع الخرطوم بوصف الملف بأنه "تسييس" يستحق أن يُسجَّل كموقف مطروح، دون أن يُسمح له بإسقاط وزن الأدلة الوثائقية المفصلة.

4. البعد الإنساني والبيئي طويل الأمد:
استخدام غاز الكلور في مناطق مأهولة، إن ثبت، يخلّف آثاراً تتجاوز اللحظة العسكرية إلى تلوث بيئي وصحي طويل الأمد على السكان المدنيين، وهو بُعد غالباً ما يُهمَّش في التغطية السياسية للملف لصالح البعد الدبلوماسي-العقابي.


سابعاً: التوصيات (موزعة حسب الجهة المخاطَبة)

- إلى مجلس الأمن الدولي:
النظر في إحالة توسيعية تشمل كامل الإقليم السوداني (وليس دارفور فقط) لولاية المحكمة الجنائية الدولية، بما يتيح ملاحقة الوقائع الموثقة في الخرطوم والجزيرة وسنار.

- إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW):
الاستجابة العاجلة لمذكرة تشاد الرسمية، وتشكيل بعثة تقصي حقائق ميدانية بمجرد توفر ممرات إنسانية آمنة، تحقيقاً لمبدأ التحقق المستقل الذي شدد عليه الخبراء أنفسهم.

- إلى الاتحاد الأفريقي والآلية الأفريقية لحقوق الإنسان:
دعم طلب منتدى المنظمات الأفريقية غير الحكومية بإرسال فرق فنية، وإصدار موقف قاري موحد يفرّق بوضوح بين إدانة الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية (كمبدأ قانوني مطلق) وبين الانحياز لأي طرف من طرفي النزاع.

- إلى الدول الأعضاء في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية:
تقديم طلبات رسمية مماثلة لطلب تشاد لتفعيل آلية التحقيق الجماعي، بدلاً من ترك المبادرة لدولة واحدة.

- إلى المجتمع المدني والباحثين الحقوقيين:
توثيق الشهادات الميدانية والطبية للناجين المحتملين من التعرض للكلور في الخرطوم ودارفور وكردفان، تحضيراً لأي مسار مساءلة مستقبلي، مع الحفاظ الصارم على معايير سلسلة الحيازة (chain of custody) للأدلة.

- إلى الدول الإقليمية الداعمة لأطراف النزاع (مصر، السعودية، الإمارات، إيران، تركيا):
الكف عن أي أشكال دعم عسكري مباشر أو غير مباشر قد تُطيل أمد النزاع، والانخراط بدلاً من ذلك في مسارات وساطة محايدة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والإيغاد.


ثامناً: الخاتمة

يمثل ملف الأسلحة الكيميائية في الحرب السودانية نموذجاً معقداً للفجوة بين التوثيق الإعلامي الكثيف والمساءلة القانونية الفعلية. فبينما تراكمت أدلة صحفية موثقة من مصادر مستقلة متعددة تشير بقوة إلى وجود برنامج سري لتطوير واستخدام ذخائر كيميائية، تبقى آليات التحقق الدولي (منظمة حظر الأسلحة الكيميائية) والمساءلة القضائية (المحكمة الجنائية الدولية) عاجزة حتى الآن عن ترجمة هذا التوثيق إلى إثبات قاطع أو محاسبة فعلية، بفعل استمرار الحرب من جهة، ومحدودية الولاية القضائية الجغرافية القائمة من جهة أخرى. تبقى معالجة هذه الفجوة، عبر تفعيل عاجل لآليات التحقق الدولي وتوسيع الولاية القضائية، شرطاً أساسياً لأي عدالة حقيقية للضحايا السودانيين.


تاسعاً: قائمة المراجع

Sky News Arabia (2026) حرب السودان.. وثائق جديدة تعيد "الأسلحة الكيميائية" للواجهة. Available at: skynewsarabia.com (Accessed: 6 September 2026).

Sky News Arabia (2026) وثائق سرية تعزز اتهامات للجيش السوداني بتطوير أسلحة كيميائية. Available at: amp.skynewsarabia.com (Accessed: 6 September 2026).

Roaya News (2026) واشنطن بوست: وثائق تكشف برنامجًا كيميائيًا سريًا في السودان. Available at: roayahnews.com (Accessed: 6 September 2026).

Aajeg (2026) السودان ينتقد تقارير أميركية عن برنامج للأسلحة الكيميائية. Available at: aajeg.com (Accessed: 6 September 2026).

Ultra Sudan (2026) "واشنطن بوست": وثائق ومقاطع مسربة تشير لبرنامج سري للأسلحة الكيميائية بالسودان. Available at: ultrasudan.ultrasawt.com (Accessed: 6 September 2026).

Tag Press (2026) تحقيق أميركي: وثائق ومقاطع مصورة تثير شبهات حول برنامج سري للأسلحة الكيميائية في السودان. Available at: tagpress.net (Accessed: 6 September 2026).

Al Jazeera (2026) واشنطن تصعّد والخرطوم تنفي.. عقوبات أمريكية بشأن اتهامات الأسلحة الكيميائية. Available at: aljazeera.net (Accessed: 6 September 2026).

Al Arabi Al Jadeed (2025) عقوبات أميركية على السودان بعد اتهام الجيش باستخدام أسلحة كيميائية. Available at: alaraby.co.uk (Accessed: 6 September 2026).

Asharq Al-Awsat (2026) ماذا نعرف عن الاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في السودان؟. Available at: aawsat.com (Accessed: 6 September 2026).

Al Mada Paper (2026) واشنطن تفرض عقوبات على السودان بعد مزاعم استخدام أسلحة كيميائية. Available at: almadapaper.net (Accessed: 6 September 2026).

CNN Arabic (2025) السودان.. ما هي الدول الـ4 المتهمة بالتدخل بصراعه الدموي؟. Available at: arabic.cnn.com (Accessed: 6 September 2026).

Sudanile (2026) مصر والحرب السودانية: من حماية الدولة إلى تغيير ميزان القوة ضد الدعم السريع. Available at: sudanile.com (Accessed: 6 September 2026).

Al Jazeera (2026) البرهان يتعهد بتخليص السودان قريبا من "كابوس" الدعم السريع. Available at: aljazeera.net (Accessed: 6 September 2026).

International Criminal Court (2005) Situation in Darfur, Sudan (UNSC Resolution 1593). Available at: icc-cpi.int.

Organisation for the Prohibition of Chemical Weapons (1993) Chemical Weapons Convention. Available at: opcw.org.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي