ماذا نعرف عن تعاقد حكومة البرهان مع شركات ضغط وعلاقات عامة في واشنطن؟ لماذا أصبحت واشنطن ساحة مهمة للمعركة السياسية؟ هل كان التعاقد باسم البرهان أم باسم السفارة؟
خلاصة تنفيذية
تداولت مصادر إعلامية سودانية وإقليمية، نقلًا عن تقرير لموقع Africa Intelligence، أن السفارة السودانية في واشنطن وسّعت نشاطها في مجال الضغط السياسي والعلاقات العامة الأمريكية خلال الحرب. والعنوان المتاح علنًا لتقرير Africa Intelligence المنشور في 20 نوفمبر 2024 هو: «Burhan expands his team of lobbyists in Washington»؛ أي: «البرهان يوسّع فريق جماعات الضغط في واشنطن». وتؤكد الصفحة المفتوحة من الموقع أن التقرير يتحدث عن زيادة حملات العلاقات العامة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية أثناء محاولات استعادة الخرطوم من قوات الدعم السريع، لكنها لا تكشف كامل التفاصيل لكون المقال مخصصًا للمشتركين.
وتوجد، في المقابل، واقعة موثقة بصورة أقوى في سجلات قانون تسجيل العملاء الأجانب الأمريكي FARA وتقارير صحفية مفتوحة: فقد سجّلت شركة The Vogel Group تمثيلها لسفارة جمهورية السودان، بعقد بدأ في 5 يونيو 2025، وبأتعاب شهرية قدرها 40 ألف دولار، لتقديم خدمات ضغط وشؤون حكومية وعلاقات عامة أمام الكونغرس والسلطة التنفيذية الأمريكية في قضايا إنسانية وخارجية.
وعليه، فالعبارة الأدق ليست أن «البرهان شخصيًا استأجر مكتبًا» بناءً على الأدلة المفتوحة المتاحة، بل أن السفارة السودانية، بوصفها الجهة المتعاقدة والتابعة للسلطات القائمة في بورتسودان، استعانت أو سعت إلى الاستعانة بشركات ضغط وعلاقات عامة في واشنطن. أما نسبة القرار إلى البرهان شخصيًا فتحتاج إلى وثيقة أو تصريح مباشر يثبت ذلك.
أولًا: ما هو التقرير المقصود في Africa Intelligence؟
الرابط المقصود هو تقرير Africa Intelligence بعنوان Burhan expands his team of lobbyists in Washington، المنشور في 20 نوفمبر 2024. وتوضح الصفحة العامة أن المقال يتناول توسع الحملات الإعلامية والعلاقات العامة للقوات المسلحة السودانية، وأن المقال محجوب خلف اشتراك مدفوع.
وتكشف الصفحة العامة ثلاث نقاط يمكن نسبتها بثقة إلى المصدر نفسه. أولًا، أن التقرير يتعلق بالفريق عبد الفتاح البرهان والقوات المسلحة السودانية. ثانيًا، أن السياق هو الحرب مع قوات الدعم السريع ومحاولات استعادة الخرطوم. ثالثًا، أن الموضوع يتصل بتوظيف جماعات ضغط في واشنطن وحملات علاقات عامة. أما أسماء الشركات، وقيمة العقود، ومدتها، والأشخاص الذين أداروا الحساب، فلا تظهر في النص العام المتاح، ولذلك لا يصح تقديم كل ما يُتداول في وسائل التواصل بوصفه مضمونًا كاملًا للمقال.
وبحسب نتائج البحث العلنية وإعادة النشر الإعلامي، ارتبط تقرير نوفمبر 2024 باسم شركة Ballard Partners، وقيل إن السفارة السودانية في واشنطن تعاقدت معها. غير أن هذه التفاصيل تحتاج إلى الرجوع إلى نسخة المقال المدفوعة أو إلى مستند تعاقدي مستقل قبل الجزم بقيمتها ومدتها. لذلك يفصل هذا التقرير بين ما تثبته الصفحة العامة وما يرد في مقتطفات أو تقارير ثانوية.
ثانيًا: الواقعة الموثقة بشأن The Vogel Group
في 19 أغسطس 2025، نشرت Sudan Tribune أن سفارة السودان تعاقدت مع شركة الضغط الأمريكية The Vogel Group مقابل 40 ألف دولار شهريًا. وذكرت الصحيفة أن الاتفاق بدأ في 5 يونيو 2025 واستمر حتى نهاية العام، وأن العقد وُقّع في 14 يوليو وأُودع لدى وزارة العدل الأمريكية في 1 أغسطس بموجب قانون FARA.
وتقول صياغة العقد، كما نقلتها الصحيفة، إن الشركة ستقدم خدمات «الضغط على السلطتين التنفيذية والتشريعية والشؤون الحكومية». كما شملت الأنشطة التواصل المباشر مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس بشأن قضايا أوسع تتعلق بالسياسة الإنسانية والعلاقات الخارجية. ووصف الإيداع هذه الأنشطة بأنها سياسية، وتشمل الضغط والاستشارات في الشؤون العامة وإدارة الانطباع أو الصورة العامة.
وتؤيد سجلات FARA الرسمية جوهر هذه المعلومات. ففي نموذج التسجيل الخاص بأحد العاملين في The Vogel Group، يظهر أن العميل الأجنبي هو سفارة جمهورية السودان، وأن الخدمات تشمل الضغط والعلاقات الحكومية والعلاقات العامة، بما في ذلك التواصل المباشر مع أعضاء الكونغرس والسلطة التنفيذية بشأن القضايا الإنسانية والسياسة الخارجية. ويظهر في النموذج أجر قدره 20 ألف دولار شهريًا لذلك الشخص المسجل، وهو لا يمثل بالضرورة كامل قيمة عقد الشركة.
كما يوضح تعديل رسمي لاحق في ملف FARA أن العلاقة مع سفارة السودان انتهت في 31 أكتوبر 2025، وأن الشركة تلقت في 19 ديسمبر 2025 مبلغًا قدره 79,800 دولار بوصفه رسومًا متبقية من العلاقة المنتهية. وتذكر الوثيقة صراحة أن الشركة والعاملين المسجلين لم يقدموا خدمات للعميل الأجنبي بعد 31 أكتوبر 2025.
جدول زمني مختصر
التاريخ | الواقعة | مستوى التوثيق |
20 نوفمبر 2024 | نشر Africa Intelligence تقريرًا عن توسع فريق جماعات الضغط المرتبط بالبرهان في واشنطن | مؤكد من الصفحة العامة؛ التفاصيل الكاملة محجوبة |
5 يونيو 2025 | بدء عقد The Vogel Group مع سفارة السودان وفق التقارير والملفات | موثق بتقارير صحفية وسجلات FARA |
14 يوليو 2025 | توقيع عقد The Vogel Group | ورد في التقرير المفتوح لسودان تريبيون |
1 أغسطس 2025 | إيداع العقد لدى وزارة العدل الأمريكية بموجب FARA | ورد في التقرير المفتوح وسجلات FARA |
31 أكتوبر 2025 | انتهاء العلاقة التعاقدية بحسب تعديل FARA اللاحق | موثق في تعديل رسمي |
19 ديسمبر 2025 | دفع 79,800 دولار كرسوم متبقية | موثق في تعديل FARA |
ثالثًا: ما وظيفة شركات الضغط والعلاقات العامة؟
تعمل شركات الضغط في واشنطن على فتح قنوات اتصال مع أعضاء الكونغرس وموظفيهم ومسؤولي السلطة التنفيذية، وشرح مواقف العميل، وتقديم مذكرات سياسية، وتنظيم الاجتماعات، ومتابعة مشاريع القوانين والعقوبات والمساعدات. أما شركات العلاقات العامة فتسعى إلى تحسين الصورة العامة للعميل، والتواصل مع وسائل الإعلام، وصياغة الرسائل، وإدارة الأزمات والانطباعات.
وفي الحالة السودانية، يمكن فهم التعاقدات ضمن أربعة أهداف محتملة: عرض رواية السلطات السودانية للحرب، التأثير في النقاشات المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والعقوبات، الحفاظ على قنوات اتصال مع الإدارة والكونغرس، ومحاولة الحد من الأضرار السياسية والدبلوماسية الناتجة عن الاتهامات المرتبطة بالانتهاكات والحرب. لكن وجود عقد ضغط لا يعني تلقائيًا أن الشركة نجحت في تغيير السياسة الأمريكية، ولا يثبت أن كل الرسائل التي تنقلها تمثل رأي السودانيين أو جميع المؤسسات السودانية.
رابعًا: لماذا أصبحت واشنطن ساحة مهمة للمعركة السياسية؟
تتمتع الولايات المتحدة بقدرة كبيرة على التأثير في مسار الحرب السودانية عبر العقوبات، والمساعدات الإنسانية، والدبلوماسية، والعلاقات مع دول الإقليم، والمواقف داخل مجلس الأمن والمؤسسات المالية الدولية. ولذلك تحاول أطراف النزاع السوداني تقديم نفسها بوصفها الطرف الأقدر على حماية الدولة أو مكافحة الإرهاب أو الوصول إلى السلام، بينما تسعى أطراف أخرى إلى إبراز الانتهاكات والجرائم التي تنسبها إلى خصومها.
وقد فرضت الولايات المتحدة في 16 يناير 2025 عقوبات على عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، وفق بيان وزارة الخزانة الأمريكية، في سياق اتهامات تتعلق بتصعيد الحرب وتهديد السلام والاستقرار في السودان.
وبصرف النظر عن تقييم هذه السياسة، فإن فرض العقوبات يجعل بيئة واشنطن أكثر أهمية بالنسبة لأي حملة ضغط أو علاقات عامة مرتبطة بالحكومة السودانية.
وهنا تظهر المفارقة: قد تتعاقد جهة سياسية مع شركة أمريكية لتحسين صورتها في الوقت الذي تتعرض فيه لعقوبات أو انتقادات أمريكية. ومن ثم، يصبح الهدف الواقعي أحيانًا ليس رفع العقوبات فورًا، بل فتح قنوات تفاوض، وتقديم معلومات مضادة، والتأثير في المساعدات أو الاستثناءات أو صياغة المواقف المستقبلية.
خامسًا: الفرق بين الضغط المشروع والدعاية السياسية
لا يُعد التعاقد مع شركة ضغط أمريكية بحد ذاته فعلًا سريًا أو غير قانوني؛ فالقانون الأمريكي يسمح بممارسة الضغط، لكنه يفرض الإفصاح عن هوية العميل الأجنبي، وطبيعة العمل، والوثائق والمواد ذات الصلة، والمدفوعات في الحالات التي ينطبق عليها القانون. وتوضح وزارة العدل الأمريكية أن FARA هو قانون إفصاح يستهدف الأشخاص الذين يعملون في الولايات المتحدة بوصفهم وكلاء لجهات أجنبية ويمارسون أنشطة سياسية محددة.
غير أن الإفصاح القانوني لا يحسم مسألة المصداقية الأخلاقية أو السياسية. فالشركة قد تلتزم بالقانون، بينما تظل الرسائل التي تنتجها محل خلاف، خصوصًا إذا حاولت عرض الحرب من زاوية طرف واحد أو تجاهلت أصوات المدنيين والضحايا. ولذلك يجب على الصحفي والباحث التمييز بين ثلاثة أمور: وجود العقد، وطبيعة الخدمات المدفوعة، ومدى صحة الرسائل السياسية التي يروّجها العميل.
سادسًا: هل كان التعاقد باسم البرهان أم باسم السفارة؟
المستندات المفتوحة التي أمكن التحقق منها تسمي سفارة جمهورية السودان عميلًا أجنبيًا، وتذكر موظفين أو مستشارين وقّعوا أو سجّلوا العلاقة. ولا يظهر في المستندات التي جرى الاطلاع عليها عقد شخصي باسم الفريق البرهان، ولا وثيقة تقول إن البرهان دفع من أمواله الخاصة أو وقّع بصفته الفردية.
لذلك، فإن عنوانًا صحفيًا يقول إن «البرهان استأجر شركة» قد يكون اختصارًا سياسيًا يشير إلى منظومة السلطة التي يقودها، لكنه ليس الصياغة القانونية الدقيقة. والأفضل مهنيًا أن يقال: «السفارة السودانية التابعة للسلطات التي يقودها البرهان تعاقدت مع شركة ضغط أمريكية»، ما لم تظهر وثيقة مباشرة تثبت خلاف ذلك.
سابعًا: المقارنة مع التعاقد السابق في 2022
ليست الاستعانة بشركات ضغط في واشنطن ظاهرة جديدة في الملف السوداني. فقد أفادت The Africa Report في فبراير 2022 بأن الحكومة السودانية استعانت بشركة Nelson Mullins Riley & Scarborough، وأن العمل قاده عضو الكونغرس الأمريكي السابق جيم موران، بهدف تحسين العلاقات الثنائية وتسهيل المساعدات والاستثمارات بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.
وتبين هذه الواقعة أن اللجوء إلى جماعات الضغط كان جزءًا من أدوات السياسة الخارجية السودانية قبل عقد The Vogel Group. كما تكشف أن تغير اسم الشركة لا يعني بالضرورة تغير الهدف العام: بناء اتصالات داخل واشنطن، تخفيف العزلة، ومحاولة التأثير في المساعدات والسياسة الأمريكية.
ثامنًا: التقييم السياسي والإعلامي
من منظور السلطات السودانية، قد يبدو الإنفاق على الضغط في واشنطن وسيلة ضرورية لمواجهة نفوذ خصومها، ولا سيما في ظل الحرب الإعلامية والدبلوماسية. لكن من منظور آخر، قد يُنظر إلى إنفاق عشرات الآلاف من الدولارات شهريًا على شركات أمريكية باعتباره موضع مساءلة، خصوصًا في بلد يعاني من نزوح واسع وانهيار اقتصادي وأزمة إنسانية عميقة.
وتتوقف مشروعية هذا الإنفاق سياسيًا على عدة أسئلة: من أين جاءت الأموال؟ هل هي من الميزانية العامة أم من موارد مخصصة؟ هل توجد شفافية أمام الجمهور والبرلمان؟ ما النتائج التي تحققت؟ وهل تركز العمل على السلام وحماية المدنيين، أم على تحسين صورة القيادة العسكرية فقط؟
كما يجب الحذر من اختزال المجتمع السوداني في صوت واحد. فالسودان يضم قوى مدنية، ونازحين، ولاجئين، وأحزابًا، وإدارات أهلية، ونقابات، ومنظمات حقوقية، ومجتمعات محلية متضررة من الحرب. وأي حملة علاقات عامة تقدم رواية رسمية واحدة قد تنجح في الوصول إلى دوائر سياسية، لكنها قد تفشل في بناء ثقة حقيقية إذا لم تتعامل مع هذه التعددية.
خاتمة
تثبت المعلومات المتاحة أن ملف الضغط والعلاقات العامة السودانية في واشنطن حقيقي، وأن هناك عقودًا معلنة أو مسجلة رسميًا باسم سفارة السودان، من بينها عقد The Vogel Group في عام 2025. كما يثبت المصدر المفتوح أن Africa Intelligence نشر في نوفمبر 2024 تقريرًا عن توسع فريق جماعات الضغط المرتبط بالبرهان، لكن التفاصيل الكاملة لذلك التقرير لا يمكن الجزم بها من دون اشتراك أو وثائق مستقلة.
والنتيجة الأهم هي ضرورة الدقة في الصياغة: فالمتاح يثبت تعاقد السفارة السودانية مع شركة أمريكية، ولا يثبت وحده أن البرهان تعاقد شخصيًا معها. كما أن تسجيل العلاقة بموجب FARA يثبت وجود نشاط سياسي مدفوع والإفصاح عنه، لكنه لا يثبت نجاح الحملة، ولا صحة كل الرسائل التي تروّجها.
في النهاية، لا يمكن للعلاقات العامة أن تحل محل السياسة أو السلام. وقد تساعد في فتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء الحرب، أو معالجة الانتهاكات، أو إعادة بناء الدولة. وسيظل الاختبار الحقيقي لأي حملة خارجية هو ما إذا كانت تسهم في حماية المدنيين، ودعم حل سياسي شامل، وتحقيق مساءلة عادلة، أم تكتفي بإعادة صياغة صورة السلطة في الخارج.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق