الاستهداف العرقي للمجتمعات الأفريقية غير العربية في السودان: الأنماط المنهجية لاستهداف الأطفال المنتمين إلى المجتمعات الأفريقية غير العربية

 


الحرب والأطفال: الاستهداف العرقي للمجتمعات الأفريقية غير العربية في السودان

تقرير توثيقي وتحليلي شامل

الاستهداف العرقي للمجتمعات الأفريقية غير العربية في السودان: الأنماط المنهجية لاستهداف الأطفال المنتمين إلى المجتمعات الأفريقية غير العربية


مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
الباحث: الباحث الكرتي (HA-ALKRTY)

التاريخ: 6 أغسطس 2026


ملخص تنفيذي

يوثّق هذا التقرير  (الزغاوة، الفور، المساليت، البرتي) في إقليم دارفور وكردفان، ضمن النزاع المسلح الدائر في السودان منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. يخلص التقرير إلى أن الأدلة الموثقة أممياً تشير إلى نمط ممنهج من العنف ذي الدافع العرقي ضد الأطفال، بلغ ذروته في مدينة الفاشر عقب سقوطها في أكتوبر 2025، وأن بعثة تقصي الحقائق الأممية المستقلة خلصت في تقريرها الصادر في فبراير 2026 إلى وجود "سمات الإبادة الجماعية" في هذه الوقائع، حيث وجدت أن القصد الإبادي هو الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه من النمط الممنهج لعمليات القتل ذات الدافع العرقي والعنف الجنسي والتدمير والتصريحات العلنية. OHCHR


أولاً: مشكلة البحث وأسئلته

مشكلة البحث: تتمثل الإشكالية المركزية في التمييز بين العنف العشوائي الناجم عن النزاع المسلح من جهة، والاستهداف الممنهج ذي الدافع العرقي للأطفال كفئة ضمن جماعة محمية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، من جهة أخرى؛ وما يترتب على هذا التمييز من التزامات قانونية دولية متمايزة.

أسئلة البحث:

  1. ما هي الأنماط الموثقة لاستهداف الأطفال من المجتمعات الأفريقية غير العربية في دارفور، ومدى انطباق معايير "القصد الإبادي" عليها وفق المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية؟
  2. ما هو الأساس القانوني لتصنيف هذه الوقائع كجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وأفعال إبادة جماعية بموجب نظام روما الأساسي؟
  3. ما مدى كفاية آليات المساءلة الدولية القائمة (المحكمة الجنائية الدولية، بعثة تقصي الحقائق) في ضوء الأزمة المؤسسية التي تمر بها المحكمة عقب إقالة المدعي العام؟

ثانياً: الإطار النظري والمنهجية

يعتمد التقرير على إطار تحليلي ثلاثي يجمع بين: (أ) القانون الدولي الإنساني وحماية الأطفال في النزاعات المسلحة، (ب) القانون الجنائي الدولي ومعايير الإبادة الجماعية كما بلورتها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ومحكمة رواندا، (ج) أدبيات دراسات الإبادة الجماعية (Genocide Studies) المتعلقة بمؤشرات التصعيد نحو الفظائع الجماعية.

المنهجية الثلاثية للأدلة (المعيار المعتمد في جميع مخرجات المركز):

  • المستوى الأول — وقائع مؤكدة قضائياً: غير متوفرة حتى تاريخه بخصوص أحداث الفاشر تحديداً، إذ لم تصدر أي إدانة قضائية دولية بعد.
  • المستوى الثاني — نتائج موثقة أممياً/دولياً دون اختبار قضائي: تشمل تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية المستقلة (فبراير 2026)، وتقرير منظمة العفو الدولية (يوليو 2026)، وبيانات اليونيسف حول الإصابات الموثقة.
  • المستوى الثالث — إفادات ميدانية غير مؤكدة مستقلاً: الشهادات الفردية غير المتقاطعة مع مصادر أخرى.

ثالثاً: النتائج الموثقة

١. حجم الاستهداف المباشر للأطفال (بيانات اليونيسف — المستوى الثاني)

وثّقت اليونيسف مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 330 طفلاً خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 وحدها على يد قوات الدعم السريع، تتضمن هذه الأرقام أكثر من 200 طفل قُتلوا وما لا يقل عن 100 أُصيبوا بتشويهات، معظمهم في إقليمي كردفان ودارفور، حيث ارتُكبت أسوأ فظائع قوات الدعم السريع. euronews

٢. البُعد العرقي الصريح للاستهداف (المستوى الثاني)

يُشكّل البُعد العرقي محور تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية. فقد وثّقت البعثة تصريحات مباشرة لمقاتلي قوات الدعم السريع تكشف القصد الإبادي، حيث استُشهد بأقوال ناجين نقلوا عبارات من قبيل "هل بينكم أحد من الزغاوة؟ إن وجدنا زغاوة سنقتلهم جميعاً" و"نريد إبادة كل ما هو أسود من دارفور". كما وثّقت البعثة استخدام إهانات عرقية تمييزية أثناء ارتكاب أعمال اغتصاب ممنهجة ومنسقة، بما في ذلك حالات اغتصاب جماعي متعددة، مع استهداف انتقائي لنساء وفتيات الزغاوة والفور بينما جرى غالباً تجنيب من يُنظر إليهن كعربيات. OHCHR

وقد رصدت منظمة العفو الدولية استخدام مصطلح "فلنقاي" (falangay)، وهو تعبير تحقيري يحمل دلالة العبودية والاسترقاق، استُخدم بشكل روتيني خلال الهجمات على المدنيين من المجموعات العرقية غير العربية في شمال دارفور. Amnesty International

٣. الاستهداف المتعمد للأطفال كفئة (المستوى الثاني)

وثّق تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في يوليو 2026 (استناداً إلى مقابلات مع 247 شخصاً، من بينهم 208 ناجين، من ضمنهم 39 طفلاً) أن الأطفال لم يكونوا ضحايا عرضيين لهذا العنف، بل تعمدت قوات الدعم السريع قتلهم وإصابتهم واغتصابهم واختطافهم وتجنيدهم قسراً على نطاق واسع. وأشار التقرير إلى أن أعداداً كبيرة من الأطفال تيتّموا، وأن مئات الآلاف من الفتيان والفتيات نزحوا قسراً. Amnesty International

٤. سياق الحصار وتجويع الأطفال قبل السقوط (المستوى الثاني)

سبق سقوط الفاشر حصار دام نحو 18 شهراً، وقد خلصت البعثة إلى أن هذا الحصار أضعف بشكل ممنهج السكان المستهدفين عبر التجويع والحرمان والصدمة والحصار، بما ترك كثيرين عاجزين عن الفرار عند وقوع الاقتحام.


رابعاً: دراسة حالة — الفاشر (أكتوبر 2025)

تُمثّل واقعة سقوط الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في أواخر أكتوبر 2025 نقطة التحول المحورية في هذا الملف. خلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى ثبوت ثلاثة أفعال إبادية جوهرية على الأقل: قتل أفراد ينتمون إلى جماعة عرقية محمية؛ وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بها؛ وتعمد إخضاعها لأحوال معيشية يُقصد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً. كما وثّقت المنظمات الحقوقية أعمال تطهير عرقي في قرى محيطة مثل أبو زريقة، على بعد نحو 35 كم جنوب الفاشر. UN News

ملاحظة منهجية إلزامية: هذه النتائج صادرة عن بعثة تقصي حقائق أممية وهيئات حقوقية دولية، وتُصنَّف بموجب المنهجية الثلاثية للمركز ضمن المستوى الثاني (موثقة دولياً، غير مختبرة قضائياً). لا يوجد حتى تاريخه حكم قضائي دولي نهائي يُثبت جريمة الإبادة الجماعية في هذه الواقعة تحديداً، رغم إعلان الإدارة الأمريكية في يناير 2025 تحديدها الرسمي لوقوع إبادة جماعية ارتكبتها قوات الدعم السريع وميليشياتها الحليفة في دارفور.


خامساً: التحليل القانوني الدولي

١. اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948): تنطبق المادة الثانية (ب) و(ج) بشكل مباشر على وقائع "إلحاق أذى جسدي أو عقلي جسيم" و"إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يُقصد بها إهلاكها المادي كلياً أو جزئياً"، وهما الفعلان اللذان أثبتتهما بعثة تقصي الحقائق فيما يخص أطفال ونساء الزغاوة والفور.

٢. نظام روما الأساسي: تندرج الوقائع الموثقة (القتل العمد، الاغتصاب والعنف الجنسي، التجنيد القسري للأطفال دون 15 عاماً، النزوح القسري) ضمن المواد 7 و8 (جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب)، مع الإشارة الإلزامية إلى أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بشأن دارفور قائم بموجب القرار 1593 (2005)، وأن أي مذكرات توقيف صادرة أو محتملة لا ترقى إلى إدانة حتى صدور حكم نهائي — وهو تمييز يجب التأكيد عليه في كل إشارة قانونية.

٣. اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة: التجنيد القسري الموثق للقاصرين يشكل انتهاكاً مباشراً لالتزامات الأطراف بموجب المادة 38 من الاتفاقية والبروتوكول الملحق.


سادساً: التوصيات (موزعة حسب الجهة المخاطَبة)

مجلس الأمن الدولي: توسيع تفويض بعثة تقصي الحقائق وضمان استمراريتها؛ فرض حظر توريد سلاح شامل وقابل للتحقق على الأطراف كافة، بما يشمل الجهات الإقليمية الداعمة.

المحكمة الجنائية الدولية: الإسراع بمعالجة ملف دارفور في ظل الفراغ المؤسسي الناجم عن إقالة المدعي العام كريم خان، مع إعطاء أولوية للجرائم المرتكبة بحق الأطفال بوصفها فئة إثبات مستقلة للقصد الإبادي.

الاتحاد الأفريقي: تفعيل آليات الإنذار المبكر الخاصة بمنطقة كردفان استناداً إلى أوجه التشابه مع الأنماط التي سبقت فظائع الفاشر.

الدول المانحة: تمويل برامج حماية الطفل النفسية والاجتماعية المخصصة لناجي العنف الجنسي والتجنيد القسري، مع تجنب الشرطية السياسية التي قد تُعطّل وصول المساعدات.

المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية: توثيق منهجي مستمر للشهادات الفردية (المستوى الثالث) بما يُمكّن لاحقاً من ترقيتها إلى أدلة قابلة للاستخدام القضائي عبر التقاطع مع مصادر مستقلة.

أطراف النزاع: وقف فوري لاستخدام الخطاب التحريضي ذي الطابع العرقي، ووقف تجنيد الأطفال والإفراج عن المجندين قسراً منهم.


المراجع 

Amnesty International (2026) Sudan: RSF atrocities in El Fasher 'a stain on the conscience of humanity' – new report. Available at: amnesty.org [Accessed 6 August 2026].

Global Centre for the Responsibility to Protect (2026) Sudan. Available at: globalr2p.org [Accessed 6 August 2026].

OHCHR (2026) Sudan: Evidence in El-Fasher reveals genocidal campaign, targeting non-Arab communities, UN Fact-Finding Mission says. Geneva: OHCHR.

UN News (2026) Sudan: 'Hallmarks of genocide' found in El Fasher, UN investigators detail mass killings and ethnic targeting. Available at: news.un.org [Accessed 6 August 2026].

UNICEF (2026) The Sudan crisis – A children's crisis. Available at: unicef.org/sudan [Accessed 6 August 2026].

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي