الرقّ، والقتل الممنهج، والتهميش: توثيق الانتهاكات الجسيمة بحق قبائل جبال النوبة عبر الحكومات السودانية المتعاقبة: جبال النوبة عبر التاريخ: سردية الاضطهاد الممنهج وانتهاكات حقوق الإنسان
جبال النوبة عبر التاريخ: سردية الاضطهاد الممنهج وانتهاكات حقوق الإنسان
الرقّ، والقتل الممنهج، والتهميش: توثيق الانتهاكات الجسيمة
بحق قبائل جبال النوبة عبر الحكومات السودانية المتعاقبة
"The Nuba Mountains Through History: A
Chronicle of Systematic Persecution and Human Rights Violations - Slavery, Systematic Killing, and Marginalization Under
Successive Sudanese Governments")*
مركز الحقيقة والمعرفة
الكرتي - محامٍ
عبر تاريخ السودان الطويل، قدّمت قبائل جبال
النوبة إسهامات جليلة في بناء هذا الوطن، ببسالتها وتضحياتها، دون أن تلقى في
المقابل ما يوازي ذلك من إنصاف من الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد، والتي ظلت
– في عمومها – عبئاً على كاهل الشعب السوداني، وعلى أبناء جبال النوبة على وجه
الخصوص.
فقد أسهمت هذه القبائل، على مرّ العصور، في مختلف
مناحي الحياة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، وكان لها دور بارز في
الدفاع عن الوطن ضد أعدائه في الداخل والخارج. ورغم هذه الإسهامات الموثقة
تاريخياً، يبقى السؤال قائماً بإلحاح: هل أنصفت أيٌّ من حكومات الاستبداد والبطش
قبائل جبال النوبة، ولو بالاعتراف اللفظي بفضلها؟ فقد تورطت الحكومة الانتقالية
بقيادة سوار الذهب في حملات قتل واسعة ضدهم، كما حرّض الصادق المهدي جماعات بعينها
على قتل النوبة وتشريدهم تمهيداً للاستيلاء على ثروات مناطقهم الغنية. أما حكومة الجبهة
الإسلامية التي أعقبتها، فقد مضت في القتل الممنهج، والتهجير القسري، وسياسة
الحرمان من التعليم عبر الأجيال، حتى ترسّخت في الوعي الجمعي السوداني صورة نمطية
مجحفة تُختزل فيها قيمة أبناء النوبة في كونهم صالحين فقط للخدمة في صفوف الجنود
دون الترقي إلى مواقع القيادة، أو للعمل في المهن الشاقة والمتدنية اجتماعياً، بل
وزُجّ بالبعض منهم في السجون بذريعة مخالفة الشريعة الإسلامية — وهو ما يثير
تساؤلاً جوهرياً: أي شريعة تلك التي تُبيح القتل والتشريد والسرقة والاضطهاد؟
لم تجد قبائل جبال النوبة، عبر حكومات متعاقبة
اتسمت بالنفاق السياسي والانقسام، سوى انتهاكات صارخة ومستمرة، ليل نهار. فقد عانى
هذا الشعب، ولا يزال، من مرارة الظلم والاضطهاد، ومن القتل والتدمير، ومن
الاسترقاق بمختلف صوره. ويتجلى هذا الظلم في حرمان النوبة من حقوقهم الأساسية
كبشر: الحق في العيش بكرامة، والحق في المساواة أمام القانون، والحق في المشاركة
الكاملة في إدارة شؤون بلدهم كمواطنين سودانيين، والحق في التعليم، وغيرها من
الحقوق الأصيلة. وهذا واقع موثق لا مجال لإنكاره أو المكابرة بشأنه. فلم تشهد
مناطقهم، رغم مواردها الاقتصادية الكامنة والغنية، أي مشاريع تنموية جادة؛ بل
نُهبت ثرواتها لتنمية مناطق أخرى، بينما ظل أبناء النوبة يعانون فقراً مدقعاً —
وهذا، بأي مقياس، إجحاف صارخ بحقهم. كما هُجّر كثير منهم قسراً من مناطقهم الأصلية
إلى مدن سودانية أخرى، حيث يعيشون على هامش المجتمع، تحت وطأة الفقر والمرض والجهل
والحرمان. وقد تعرضت هذه القبائل، إضافة إلى ذلك، لاضطهاد ثقافي وعرقي ممنهج،
تمثّل في استلاب هويتهم الثقافية وأسمائهم الأصلية، وإجبارهم على تبني هوية عربية
إسلامية مفروضة.
من خلال هذه المقدمة، نستعرض فيما يلي لمحة موجزة
عن قبائل جبال النوبة: تقع منطقة جبال النوبة على الحدود الفاصلة بين شمال السودان
وجنوبه، الذي كان يُتوقع أن ينال استقلاله التام تتويجاً لعقود من الاضطهاد
والاستبداد التي مورست بحق الجنوبيين عبر حكومات سودانية متعاقبة. وحسب التقسيم
الإداري الحديث، تقع هذه المنطقة في ولاية جنوب كردفان، وأجزاء من ولايتي غرب
وشمال كردفان، وإن كانت هذه الحدود السياسية المصطنعة لا تعكس الامتداد الفعلي
لمناطق النوبة، التي يعود وجودها التاريخي في هذه الأراضي إلى ما يزيد على 675 عاماً،
سبق موجات الهجرة اللاحقة لقبائل عربية وأفريقية أخرى، التي استُقبلت في البداية
بحفاوة من السكان الأصليين، قبل أن يتحول بعضها لاحقاً إلى أداة بيد المركز في
تنفيذ عمليات قمعية بحق قبائل جبال النوبة، عبر تسليحهم من قِبل حكومتي الصادق
المهدي والانتقالية بقيادة سوار الذهب.
ومن الجدير بالذكر أن قبائل جبال النوبة كانت
تدين، قبل عمليات الأسلمة القسرية، بالمسيحية والديانات الأفريقية المحلية. فقد
فُرضت الأسلمة عليهم بالقوة المسلحة عبر التاريخ، في إطار سياسات استهدفت طمس
هويتهم الأصلية، واستبدال أسمائهم بأسماء عربية، وتشريدهم من أراضيهم تمهيداً لنهب
ثرواتها. وتحد مناطق جبال النوبة، جغرافياً، منطقة بحر الغزال جنوباً، وولاية جنوب
دارفور غرباً، ومناطق أعالي النيل شرقاً، وولايتي شمال وغرب كردفان شمالاً. وتُعد
مدينة كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، فيما تُعد مدينة الدلنج من أكبر مدن الولاية.
تضم قبائل جبال النوبة تسعاً وتسعين قبيلة، موزعة
على عدد مماثل من الجبال الشامخة التي تحمل أسماءها، وتنقسم إلى مجموعات وفق
البطون واللغة والموطن الجغرافي، على النحو التالي: مجموعة الكواليب، وتضم قبائل
هيبان، وموروه، وأتورو، وتيرا، والبرارة، وأم حيطان، والهدرة، وكاور، وتاروة،
وفشقر، وشاوية. ومجموعة النمانج، وتضم قبائل النتل، وكدرية، وسلارا، وملارا،
وكرمتي، وحجر سلطان، والقوس، وأفتي. ومجموعة تلودي، وتضم قبائل المساكين، وأجرون،
وكلولو، وطجة، وغيرها. ومجموعة تقلي، وتضم قبائل الرشاد، وكجاجة، وتقوى، وتملي،
وترجك، وتكم، وورتيشان. ومجموعة كادقلي، وتضم قبائل كرنقو، ومري، وتلشي، وكاتشا،
وكمدة. ومجموعة تيمين، وتضم قبائل كيقا، وجرو، وتيمن، وسرف الضي، وتيسي، وأخرى.
ومجموعة كتلا، وتضم قبيلتي جلدا وتيما. ومجموعة الأجانج، وتضم قبائل كرور، وكدرو،
وكاقيرا، وكلوجن، وكارتالا، وكاركو، وغلفان، ووالي، وقيدا، وكاتشا، وطبق، وأبو
جنوك، والدلنج، والكدر، والشفر، وكجورية، وكاجا، وكتول، وأخرى. ومجموعة الداجو،
وتضم قبائل شات، ولقوى، ولقاوة، وأخرى. أما مجموعة الكواليب فقد اختلطت ببعض
القبائل العربية الأخرى.
أما انتهاكات حقوق الإنسان في مناطق جبال النوبة،
فتشمل: الإقصاء، والدونية، والاسترقاق، والاستعباد، والقتل، والاختطاف، والتشريد
القسري، والفقر والأمية المفروضين قصداً، والإهانة. وهذه الانتهاكات الجسيمة، التي
مورست من قِبل جميع الحكومات السودانية المتعاقبة دون استثناء، تشكل نمطاً من
أنماط الاستحقار الممنهج لهذه القبائل، ويصعب على المجتمعين الدولي والمحلي، وعلى
قبائل جبال النوبة أنفسهم، تناسي المجازر التي ارتُكبت بحقهم على يد حكومة الصادق
المهدي في ثمانينيات القرن الماضي، أو انتهاكات حكومة الجبهة الإسلامية في تسعينياته،
أو القصف الجوي بغاز الخردل الذي نفّذه طيارون عراقيون ضد منطقتي تلشي وهيبان، أو
سياسات القهر والأمية الممنهجة التي طُبّقت بحقهم عبر التاريخ، وأفضت إلى واقع من
الفقر المدقع والمرض المزمن والحرمان من التعليم.
وقد أوغلت الحكومات المتعاقبة في ممارسة الظلم
والتهميش والقمع بحق النوبة، ونهبت ثرواتهم علانية، وشيّدت بها القصور الفارهة
داخل السودان وخارجه، بينما ظل هذا الشعب المقهور يُشرَّد قسراً من مناطقه تحت
تهديد السلاح والقصف الجوي، ليعيش على هامش المدن السودانية المختلفة.
إن قبائل جبال النوبة، وسائر المهمّشين في المجتمع
السوداني، لهم مطالب واضحة ومشروعة، تتمثل في الحق الكامل، دون استثناء، في العيش
والتمتع بالحقوق الأساسية، وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. فلهم
الحق في التحرر من الظلم والكراهية والعنصرية، والحق في تقرير مصيرهم، والحق في
الدفاع عن كيانهم ضد الاسترقاق والاستعباد وخطاب الكراهية والتمييز العنصري، والحق
في استرداد ما سُلب من حقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم. ويقع
على عاتق المجتمع الدولي واجب مساندة أبناء النوبة في تقرير مسار حياتهم،
والاستفادة من ثرواتهم الطبيعية الوفيرة في تنمية مناطقهم.
وكيف يمكن أن يُنسى، بهذه السرعة غير المبررة، ما
تعرض له أبناء وبنات النوبة القاصرات من عمليات استرقاق قسري على يد حكومة الجبهة
الإسلامية؟ أو العمليات العسكرية التي شهدها عام 1987، والتي شملت عمليات تصفية
عرقية واسعة النطاق؟ أو هجمات عام 1990 على قرى خور العفن شرق مدينة كادقلي، حيث
قُتل الآلاف ودُفنوا في مقابر جماعية؟ وفي العام التالي، 1991، شنّت قوات الدفاع
الشعبي، مدعومة بالقوات المسلحة، حملة تطهير واسعة ضد المدنيين من قبائل جبال
النوبة في مناطق تيمين وكتلا وقرى الأتورو وتيرا والبرة وفلكوة وغيرها. وقد جلبت
حكومة المؤتمر الوطني حروباً عنصرية وويلات ضد جماعات عرقية بعينها في مناطق
مختلفة من السودان، استهدفت أرواح الآلاف من الأطفال والرجال والنساء — وهي حروب
يصعب على المرء تناسيها لفرط قسوتها. لقد تنكرت حكومة المؤتمر الوطني للكرامة
الإنسانية المتأصلة في الحرية والعدل، اللذين يشكلان أساس السلام في السودان
والعالم أجمع، وتنكرت لحقوق الإنسان كما أقرّها الإسلام ذاته، وارتكبت جرائم همجية
أهانت ضمير الإنسان السوداني. وحرّض من حرّض على قتل الناس، ولا بد يوماً من
الحساب قبل أن يُواري القبر الجميع.
نواصل.
**مركز الحقيقة والمعرفة** - هيئة غير حكومية معنية
بالعدالة والحكم الرشيد
الكرتي، 2019م
.png)
تعليقات
إرسال تعليق