فظائع قوات الدعم السريع في الفاشر: من التطهير العرقي إلى مؤشرات الإبادة الجماعية - قراءة تحليلية: مدينة تحت الحصار، أطفال في مرمى النيران
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
Truth and Knowledge Center for Human Rights - Africa
تقرير حقوقي العنوان: فظائع قوات الدعم السريع في الفاشر: من التطهير العرقي إلى مؤشرات الإبادة الجماعية — قراءة تحليلية وقانونية الرمز المرجعي: TKC-SDN-2026-014 الإعداد: الباحث الكرتي / HA-ALKRTY التاريخ: 3 يوليو 2026 النطاق الجغرافي: الفاشر، ولاية شمال دارفور، جمهورية السودان
الملخص التنفيذي
يوثّق هذا التقرير، استناداً إلى بيانات صادرة عن منظمة العفو الدولية ومصادر إعلامية عربية ودولية موثوقة، نمطاً منهجياً من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع خلال حصارها واستيلائها على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، في الفترة الممتدة بين مطلع عام 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2025. واستند التوثيق إلى تحقيق ميداني استمر ثمانية أشهر شمل مقابلات مع 247 من الضحايا والناجين والشهودالذين أجرت معهم منظمة العفو الدولية مقابلات في ولاية شمال دارفور خلال الفترة الممتدة من أوائل عام 2024 إلى أكتوبر 2025.
خلص التقرير الأصلي، الصادر تحت عنوان "مدينة تحت الحصار، أطفال في مرمى النيران"، إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي خلال حملتها للسيطرة على مدينة الفاشر، وأن الأفعال الموثقة تشمل القتل العمد، والنقل القسري، والسجن، والتعذيب، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي، والاسترقاق، والإبادة. ويرى مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا أن اجتماع هذه الأنماط — الاستهداف الإثني الممنهج، وحرق المساكن بعد نزوح قاطنيها، والإعدامات الجماعية أثناء محاولات الفرار — يرقى إلى مستوى مؤشرات جدية على وقوع جريمة الإبادة الجماعية، بما يستوجب تدخلاً عاجلاً من آليات العدالة الدولية.
أولاً: الوقائع الموثقة
1.1 السياق العام
يدخل النزاع الدائر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عامه الرابع منذ اندلاعه في أبريل/نيسان 2023، وقد أسفر بحسب تقديرات الأمم المتحدة عن مقتل عشرات آلاف الأشخاص ونزوح الملايين. وشكلت الفاشر، بوصفها آخر معاقل الجيش وتحالف القوات المشتركة في إقليم دارفور، مسرحاً لحصار طويل الأمد انتهى بسيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر 2025.
1.2 الاستهداف الإثني الممنهج
أفادت منظمة العفو الدولية بأن قوات الدعم السريع شنت هجمات ممنهجة على تجمعات سكانية في محيط مدينة الفاشر كانت تؤوي أبناء من قبيلة الزغاوة الإثنية، وهو ما يرسّخ الطابع الإثني المتعمد للحملة العسكرية، لا كونها عملية عسكرية تقليدية ذات أهداف مقاتلة محضة. ويشير المركز إلى أن استخدام مقاتلي قوات الدعم السريع لعبارات ذات دلالة استرقاقية خلال هجماتهم على المجموعات الإثنية غير العربية يمثل قرينة إضافية على القصد الجنائي الخاص (dolus specialis) المطلوب قانوناً لإثبات جريمة الإبادة الجماعية.
1.3 استهداف الأطفال والفئات الضعيفة
وثّق التقرير استهدافاً ممنهجاً للفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال، عبر أنماط متعددة شملت القتل والاختطاف والتجنيد القسري والاغتصاب. كما واجه الأشخاص ذوو الإعاقة وكبار السن مخاطر جسيمة شملت الهجمات المباشرة والتخلي عنهم واستبعادهم من المساعدات الأساسية، فيما خلّف النزوح الجماعي أعداداً كبيرة من الأطفال الأيتام.
1.4 الإعدامات الجماعية أثناء محاولات الفرار
في سياق الهجوم الأخير على المدينة، وثّقت المنظمة أن المئات أُعدموا، وتعرض كثيرون آخرون للتعذيب أو الاعتقال أثناء محاولتهم الفرار. ويشكل هذا النمط، بحسب المركز، انتهاكاً صريحاً لمبدأ التمييز وحماية الأشخاص خارج نطاق القتال (hors de combat) المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليها الإضافيين.
1.5 حرق المساكن كأداة تطهير عرقي
أشار التقرير إلى أن مقاتلي قوات الدعم السريع أحرقوا منازل بعد فترة طويلة من فرار السكان، ما يوحي بنية لجعل المناطق غير صالحة للسكن، وهو نمط سلوكي يتسق مع التعريف القانوني للتطهير العرقي بوصفه سياسة ممنهجة لمنع عودة السكان الأصليين وتغيير التركيبة الديموغرافية للمنطقة بالقوة.
1.6 المسؤولية القيادية والتقاعس عن المحاسبة
خلص التقرير إلى أن الانتهاكات وقعت بصورة متكررة وعلى نطاق واسع، وأن أولئك الذين كانوا في موقع السلطة كانوا على علم، أو كان ينبغي أن يكونوا على علم بما يحدث، لكنهم تقاعسوا عن إيقافه أو محاسبة أي شخص. وهذا الاستنتاج يؤسس، من الناحية القانونية، لمسؤولية القيادة (command responsibility) المنصوص عليها في المادة 28 من نظام روما الأساسي، والتي لا تشترط الفعل المباشر بل تكفي فيها المعرفة أو إمكانية المعرفة مع التقاعس عن المنع أو المعاقبة.
ثانياً: التكييف القانوني الدولي
2.1 الجرائم ضد الإنسانية (المادة 7 من نظام روما الأساسي)
تتوافر في الوقائع الموثقة العناصر المكوّنة لجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما: القتل العمد (7/1/أ)، والاسترقاق (7/1/ج)، والترحيل أو النقل القسري للسكان (7/1/د)، والسجن التعسفي (7/1/ﻫ)، والتعذيب (7/1/و)، والاغتصاب والاستعباد الجنسي وأشكال العنف الجنسي الأخرى (7/1/ز)، والاضطهاد على أساس إثني (7/1/ح)، والإبادة (7/1/ب) — شريطة إثبات وقوعها كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين.
2.2 مؤشرات جريمة الإبادة الجماعية (المادة 6 من نظام روما / اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948)
يستدعي التقرير التذكير بأن بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق في السودان خلصت في فبراير/شباط إلى أن هجوم عام 2025 على الفاشر يحمل سمات الإبادة الجماعية، وهو استنتاج تعزّزه منظمة العفو الدولية بقولها إن الأفعال الموثقة قد تكون ذات صلة بجريمة الإبادة الجماعية، في ضوء طبيعة الانتهاكات واتساع نطاقها. ويرى المركز أن اجتماع القصد الإثني المحدد، ونمط الاستهداف الجماعي لمجموعة الزغاوة، والإعدامات الجماعية، وتدمير الممتلكات بقصد منع العودة، يشكل أساساً كافياً لفتح تحقيق رسمي في توافر عناصر الإبادة الجماعية بموجب المادة الثانية من اتفاقية 1948.
2.3 انتهاك القانون الدولي الإنساني
تشكل الأفعال الموثقة خرقاً جسيماً للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، وللبروتوكول الإضافي الثاني المتعلق بالنزاعات المسلحة غير الدولية، ولا سيما فيما يخص حظر القتل العمد والتعذيب والعنف الجنسي ضد الأشخاص غير المشاركين في الأعمال العدائية.
2.4 انتهاك حقوق الطفل
يشكل التجنيد القسري للأطفال واستهدافهم بالقتل والاختطاف انتهاكاً صريحاً لاتفاقية حقوق الطفل (1989) وبروتوكولها الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة، إضافة إلى تصنيفه كجريمة حرب بموجب المادة 8(2)(هـ)(7) من نظام روما الأساسي.
2.5 مبدأ مسؤولية الحماية (R2P)
يرى المركز أن حجم الانتهاكات الموثقة وتكرارها يفعّل الركيزة الثالثة من مبدأ مسؤولية الحماية، التي تلزم المجتمع الدولي بالتحرك الجماعي عبر مجلس الأمن حين تعجز الدولة عن حماية سكانها أو تكون هي ذاتها طرفاً في الانتهاك أو عاجزة عن كبح الأطراف المسلحة الفاعلة على أراضيها.
ثالثاً: التوصيات
إلى مجلس الأمن الدولي
- إحالة الوضع في دارفور بكامله (وليس فقط الفاشر) إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر قرار ملزم بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع تحديد آلية تمويل مستقلة للتحقيقات.
- فرض حظر شامل وفعال على توريد الأسلحة لجميع أطراف النزاع في السودان، مع آلية رصد ومساءلة للدول والجهات المنتهكة للحظر.
- الترخيص الفوري بنشر قوة دولية لحماية المدنيين في دارفور، بولاية واضحة تشمل حماية طرق النزوح والمخيمات.
إلى المحكمة الجنائية الدولية
- الإسراع في التحقيق مع قيادات قوات الدعم السريع المتورطين في الفاشر وملاحقتهم قضائياً، استناداً إلى مبدأ مسؤولية القيادة.
- توسيع نطاق التحقيق ليشمل تقييم توافر عناصر جريمة الإبادة الجماعية إلى جانب الجرائم ضد الإنسانية.
إلى الاتحاد الأفريقي
- تفعيل آليات مجلس السلم والأمن الأفريقي لإجراء تحقيق مستقل موازٍ، وممارسة الضغط الدبلوماسي على الأطراف الإقليمية الداعمة لقوات الدعم السريع.
- دعم إنشاء آلية أفريقية لتوثيق الجرائم تكون مكمّلة لعمل المحكمة الجنائية الدولية وبعثة تقصي الحقائق الأممية.
إلى الدول المانحة والمجتمع الدولي
- تجاوز بيانات الإدانة اللفظية نحو خطوات ملموسة تشمل التمويل الإنساني الطارئ وفرض عقوبات فردية مستهدفة على قيادات قوات الدعم السريع.
- دعم استقلالية بعثة تقصي الحقائق الأممية بشأن السودان وضمان استمرار تفويضها.
إلى أطراف النزاع
- الالتزام الفوري بوقف إطلاق نار شامل ودائم، والسماح بوصول آمن وغير مشروط للمساعدات الإنسانية والمراقبين الدوليين إلى جميع مناطق شمال دارفور.
- إطلاق سراح جميع المحتجزين تعسفياً والكشف عن مصير المفقودين.
إلى المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان
- تكثيف جهود التوثيق الميداني وحفظ الأدلة بما يضمن قبولها أمام الهيئات القضائية الدولية.
- دعم برامج الدعم النفسي والاجتماعي للناجين، وبخاصة الأطفال والناجيات من العنف الجنسي.
رابعاً: الخاتمة
إن ما وثّقته منظمة العفو الدولية في الفاشر ليس حادثاً معزولاً، بل استمرار لنمط ممنهج من الاستهداف الإثني والعنف الجماعي الذي رافق الحرب السودانية منذ اندلاعها. ويؤكد مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا أن استمرار الإفلات من العقاب في دارفور، كما كان الحال في الأزمة الأولى قبل أكثر من عقدين، سيُبقي المدنيين رهينة لدورة متكررة من العنف ما لم تتحول الإدانة الدولية إلى مساءلة قضائية فعلية. والمحاسبة هنا ليست خياراً سياسياً بل التزام قانوني تفرضه المواثيق الدولية على جميع الدول الأطراف فيها.
قائمة المراجع
- منظمة العفو الدولية (2026). مدينة تحت الحصار، أطفال في مرمى النيران: الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في شمال دارفور. أمنستي إنترناشونال، القاهرة/لندن.
- الجزيرة نت (1 يوليو 2026). "أمنستي: فظائع الدعم السريع بالفاشر 'وصمة عار على ضمير الإنسانية'".
- سودانس بوست (2026). "العفو الدولية: فظائع 'الدعم السريع' في الفاشر 'وصمة عار في ضمير الإنسانية'".
- وكالة الصحافة الفرنسية / جريدة الزمان الدولية (2026). "العفو الدولية تتهم قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية".
- يورونيوز عربي (1 يوليو 2026). "منظمة العفو الدولية تتهم قوات الدعم السريع بارتكاب 'جرائم ضد الإنسانية' في الفاشر".
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، المواد 6، 7، 8، 28.
- اتفاقيات جنيف الأربع (1949) والبروتوكولان الإضافيان (1977).
- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948).
- اتفاقية حقوق الطفل (1989) وبروتوكولها الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة.
- ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السابع.
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا | إعداد: الباحث الكرتي / HA-ALKRTY | TKC-SDN-2026-014

تعليقات
إرسال تعليق