حوكمة المياه العابرة للحدود في أفريقيا: اكتمال سد النهضة الإثيوبي الكبير وتشغيله الكامل اعتبارًا من عام 2025م: المركز القانوني لاتفاقيتي 1929 و1959 في ضوء قواعد القانون الدولي
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
بيان وورقة موقف وتحليل قانوني متكامل
أولًا: البيان الرسمي
يدعو مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا جميع دول حوض نهر النيل، وفي مقدمتها مصر والسودان وإثيوبيا ودول المنبع، إلى الإسراع بالتوصل إلى اتفاقية شاملة وعادلة ومُلزمة لإدارة مياه النيل، تقوم على مبادئ القانون الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود، وتستجيب لمصالح شعوب المنطقة كافة دون استثناء. ويؤكد المركز أن الاتفاقيات التي أُبرمت في الحقبة الاستعمارية — وعلى رأسها اتفاقية 1929 واتفاقية 1959 - قد استنفدت شرعيتها التاريخية والقانونية، بوصفها تعبيرًا عن موازين قوى استعمارية لم تُشرك فيها شعوب المنبع، ويتعين النظر إليها اليوم بوصفها وثائق تنتمي إلى مرحلة تاريخية منقضية، لا أساسًا تنظيميًا صالحًا للمستقبل. غير أن المركز يشدد، في الوقت ذاته، على أن تجاوز هذا الإرث لا يجوز أن يتم عبر إجراءات أحادية من أي طرف، بل عبر تفاوض جماعي شامل يفضي إلى إطار قانوني جديد يوازن بين حق دول المصب التاريخي في الأمن المائي وحق دول المنبع المشروع في التنمية.
ثانيًا: الملخص التنفيذي
يعالج هذا التقرير الأزمة المتصاعدة لحوكمة مياه النيل في أعقاب اكتمال سد النهضة الإثيوبي الكبير وتشغيله الكامل اعتبارًا من عام 2025، وما رافق ذلك من دخول عام 2026 كأول سنة اختبار حقيقي لتشغيل السد في ظل شح مائي، مع ما تردد من تقارير رسمية سودانية حول اضطرابات حادة في منسوب النيل الأزرق خلال يوليو 2026. يوثّق التقرير الفجوة القانونية والسياسية القائمة بين ثلاثة أطر متنافسة: اتفاقية 1959 التي تتمسك بها مصر والسودان، واتفاقية عنتيبي/الإطار التعاوني (CFA) التي دخلت حيز النفاذ بعد تصديق جنوب السودان في يوليو 2024 كسادس دولة مصدّقة، وغياب أي اتفاق ملزم ثلاثي بشأن ملء وتشغيل سد النهضة رغم مفاوضات استمرت أكثر من ثلاثة عشر عامًا. ويخلص التقرير إلى أن استمرار غياب إطار تعاوني شامل يُنذر بمخاطر إنسانية وبيئية وأمنية متصاعدة، ويقدم توصيات متدرجة موجهة لمجلس الأمن الدولي، والاتحاد الأفريقي، والدول المانحة، ودول الحوض، ومنظمات المجتمع المدني.
ثالثًا: إشكالية البحث وأسئلة البحث
إشكالية البحث
كيف يمكن لدول حوض النيل الانتقال من منظومة تعاهدية موروثة عن الحقبة الاستعمارية، تفتقر إلى الشمولية والشرعية التمثيلية، إلى إطار قانوني تعاوني جديد يوفق بين مبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة الذي تتمسك به دول المصب، ومبدأ الاستخدام العادل والمعقول والحق في التنمية الذي تطرحه دول المنبع، في ظل واقع مناخي وهيدرولوجي متغير؟
أسئلة البحث الفرعية
- ما المركز القانوني لاتفاقيتي 1929 و1959 في ضوء قواعد القانون الدولي العام المتعلقة بخلافة الدول ونظرية "الجدول النظيف" (clean slate doctrine)؟
- ما مدى انسجام اتفاقية عنتيبي (CFA) مع قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية؟
- ما الآثار الإنسانية والحقوقية المترتبة على غياب اتفاق ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، وتحديدًا على حق السكان في المياه والغذاء والصحة في السودان ومصر؟
- ما هي المسارات المؤسسية الممكنة (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الوساطة الثلاثية) للوصول إلى تسوية شاملة؟
رابعًا: التوثيق الوقائعي والخلفية التاريخية
1. الإرث الاستعماري: اتفاقيتا 1929 و1959
وُقّعت اتفاقية 1929 بين مصر وبريطانيا (نيابة عن مستعمراتها في شرق أفريقيا)، ثم اتفاقية 1959 بين مصر والسودان حصرًا، دون إشراك إثيوبيا أو أي من دول المنبع التسع الأخرى، رغم أن إثيوبيا وحدها تُسهم بنحو 87% من إجمالي مياه النيل عبر النيل الأزرق. بموجب اتفاقية 1959، حصلت مصر على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، والسودان على 18.5 مليار متر مكعببعدما رفعت الاتفاقية حصة السودان من مياه النيل من 4 مليارات متر مكعب لتصل إلى 18.5 مليار متر مكعب، بينما منحت مصر 55.5 مليار متر مكعب. يعتبر المركز أن غياب دول المنبع عن هاتين الاتفاقيتين يجعلهما، من الناحية المنهجية، تعبيرًا عن ترتيبات ثنائية لا تراعي مبدأ المشاركة العادلة لجميع دول الحوض، وهو ما يفسر رفض إثيوبيا ودول المنبع الأخرى الاعتراف بإلزاميتها. Darfur Followups
2. اتفاقية عنتيبي (الإطار التعاوني التعاوني - CFA)
دخلت اتفاقية عنتيبي حيز النفاذ بعد أن صادق عليها البرلمان الجنوب سوداني بالإجماع في يوليو 2024، لتصبح سادس دولة تصادق عليها بعد كل إثيوبيا، ورواندا، وتنزانيا، وأوغندا، وبوروندي. ووفق نص الاتفاقية، فإنها تدخل حيز التنفيذ بعد 60 يوما من مصادقة 6 من الدول الأعضاء على أن تتأسس مفوضية دائمة مقرها أوغندا. رحّب رئيس الوزراء الإثيوبي بهذا التطور بوصفه "لحظة تاريخية وتتويجا لرحلة طويلة نحو الاستخدام العادل والمعقول لمياه النيل"، في حين ما تزال مصر والسودان ترفضان الاتفاقية وتتمسكان بترتيبات 1959. Apa-inter + 2
3. اكتمال سد النهضة وتشغيله الكامل
أُعلن رسميًا عن اكتمال بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير وافتتاحه في سبتمبر 2025، بعد نحو 14 عامًا من الإنشاء، إذ دشن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد رسمياً العمل في سد النهضة، فيما رفضت مصر حضور مراسم الافتتاح وتمسكت بتوقيع اتفاق ملزم بشأن آليات التشغيل. ووفق تقارير متعددة، فقد افتُتح السد رسميًا في سبتمبر 2025 بعد اكتمال ملئه بـ42 مليار متر مكعب. ويمثل عام 2026، بحسب تحليلات متخصصة، أول اختبار حقيقي لتشغيل السد الكامل في ظل شح مائي، إذ أعطيت الأولوية لاستمرار إنتاج الكهرباء من دون تنسيق مسبق مع السودان أو مصر، وأفادت وزارة الري السودانية بتسجيل اضطرابات حادة في تدفق النهر خلال الأيام الممتدة بين السابع والعاشر من يوليو 2026. يُلاحظ المركز أن هذه المعطيات صادرة عن مصدر رسمي حكومي سوداني ومن تحليل صحفي متخصص، وهي بذلك تقع في مرتبة "معطيات موثقة رسميًا لم تخضع بعد لتحقق قضائي أو تقني مستقل"، ويوصي بضرورة تحقق فني مستقل (عبر لجنة ثلاثية أو أممية) قبل ترتيب أي مسؤولية قانونية على هذا الأساس. Al Arabiya + 3
4. جهود الوساطة الأمريكية
استمرت الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة عبر عدة تصريحات خلال عامي 2025 و2026، دون التوصل إلى اتفاق ملزم ثلاثي، في ظل تمسك مصر والسودان بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني شامل يضمن حصتيهما المائية.
5. البعد الأمني المتقاطع
تتقاطع أزمة مياه النيل مع تصاعد النزاع المسلح في إقليم النيل الأزرق السوداني خلال عام 2026، وهو ما يزيد من هشاشة الأمن المائي والإنساني في المنطقة، ويستدعي معالجة متكاملة تجمع بين البعدين المائي والإنساني.
خامسًا: الإطار القانوني والتحليل النقدي
1. مبدأ الاستخدام العادل والمعقول
تنص المادة 5 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية على أن لكل دولة من دول المجرى المائي الحق في استخدام عادل ومعقول لموارده، مع مراعاة عوامل منها الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، وعدد السكان المعتمدين على المجرى، والآثار على دول أخرى. يشكل هذا المبدأ الأساس القانوني الذي تستند إليه إثيوبيا ودول المنبع في المطالبة بمراجعة الترتيبات القائمة.
2. مبدأ عدم التسبب بضرر جسيم
تفرض المادة 7 من الاتفاقية ذاتها التزامًا بعدم التسبب بضرر جسيم لدول المجرى الأخرى، وهو المبدأ الذي تستند إليه مصر والسودان في مطالبتهما بضمانات تعاقدية بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، خشية التأثير على تدفقات المياه في سنوات الجفاف.
3. نظرية خلافة الدول والاتفاقيات الاستعمارية
من الناحية القانونية الدولية، تظل مسألة سريان معاهدات الحدود المائية المبرمة إبان الحقبة الاستعمارية على الدول المستقلة حديثًا محل جدل فقهي مستمر بين نظرية "الاستمرارية التعاهدية" (التي تراعيها بعض السوابق المتعلقة بحدود الأنهار) ونظرية "الجدول النظيف" التي تتيح للدول حديثة الاستقلال عدم الالتزام بمعاهدات لم تكن طرفًا فيها. وقد استندت اتفاقية فيينا لخلافة الدول في المعاهدات (1978) إلى استثناءات خاصة بمعاهدات الحدود، مما يجعل الحسم القانوني في هذه المسألة غير قطعي، ويستوجب التعامل معه بوصفه "مسألة قانونية محل خلاف فقهي وقضائي لم تُحسم بشكل نهائي"، لا حقيقة مسلّمًا بها.
4. الحق في المياه كحق إنساني
يندرج النقاش ضمن إطار الحق في المياه المعترف به في التعليق العام رقم 15 للجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي يفرض على الدول التزامات احترام وحماية وإعمال هذا الحق لمواطنيها، بما يشمل عدم اتخاذ إجراءات أحادية تُعرّض إمدادات المياه لدول الجوار للخطر.
5. تقييم نقدي متوازن
يرى المركز أن كلا الطرحين ينطوي على حجج قانونية معتبرة: فمصر والسودان تستندان إلى حقوق مكتسبة تراكمت عبر عقود من الاستثمار والتخطيط الزراعي والسكاني، بينما تستند إثيوبيا ودول المنبع إلى مبدأ المساواة السيادية وحق التنمية. غير أن استمرار حالة الفراغ التعاهدي الراهنة - أي غياب أي اتفاق يحظى بموافقة جميع الأطراف — هو الخيار الأسوأ من منظور حقوق الإنسان، لأنه يترك ملايين السكان في دول المصب والمنبع على حد سواء عرضة لقرارات أحادية غير منسقة.
سادسًا: ورقة الموقف - موقف المركز
يتبنى مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا الموقف التالي، بصفته مركزًا بحثيًا حقوقيًا مستقلًا لا ينحاز لطرف سياسي بعينه:
- إعادة التفاوض الشاملة لا الإلغاء الأحادي: يدعو المركز إلى معاهدة جديدة شاملة تحل محل الترتيبات الثنائية والاستعمارية القائمة، عبر مسار تفاوضي جماعي يضم جميع دول الحوض الإحدى عشرة، لا عبر إعلانات أحادية من أي طرف بإلغاء أو تجاهل الاتفاقيات القائمة.
- المرجعية القانونية الدولية: ينبغي أن تستند المعاهدة الجديدة إلى مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، مع آليات تسوية نزاعات ملزمة ومستقلة.
- الشفافية التشغيلية: يطالب المركز بإنشاء آلية إخطار وتنسيق فني مسبق ومستمر بشأن تشغيل السدود الكبرى، حمايةً لحقوق السكان في جميع دول الحوض.
- مراعاة الحقوق الإنسانية بالتوازي مع السيادة المائية: أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضع في اعتباره الأثر المباشر على الأمن الغذائي والمائي للسكان، لا فقط الحسابات السيادية بين الحكومات.
سابعًا: التوصيات متعددة المستويات
إلى مجلس الأمن الدولي: إدراج ملف الأمن المائي لحوض النيل ضمن أجندة منع النزاعات، ودعم إنشاء آلية تحقق فنية مستقلة لرصد آثار تشغيل السدود الكبرى على تدفقات النهر.
إلى الاتحاد الأفريقي: تفعيل دوره كوسيط رئيسي عبر آلية أفريقية للتفاوض الشامل، بما يعكس مبدأ "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"، وضمان مشاركة جميع دول الحوض دون استثناء.
إلى الدول المانحة والمجتمع الدولي: دعم بناء القدرات الفنية المستقلة لدول الحوض، وتجنب فرض حلول أحادية الجانب تخدم مصالح جيوسياسية ضيقة.
إلى دول حوض النيل (مصر، السودان، إثيوبيا، ودول المنبع): الانخراط بحسن نية في مفاوضات جماعية شاملة، وتجنب أي إجراءات تشغيلية أو تصريحية أحادية تُقوّض الثقة المتبادلة.
إلى منظمات المجتمع المدني الإقليمية: رصد وتوثيق الآثار الإنسانية لتقلبات منسوب النهر على السكان المحليين، وتوفير قنوات مستقلة لنقل شواغلهم إلى الأطر التفاوضية.
ثامنًا: الخاتمة
تمثل أزمة مياه النيل نموذجًا نمطيًا لتحديات ما بعد الاستعمار في حوكمة الموارد الطبيعية العابرة للحدود، حيث تتصادم شرعية تاريخية موروثة مع مطالب تنموية سيادية مشروعة. ويرى المركز أن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالتمسك المطلق بالماضي التعاهدي ولا بالتجاوز الأحادي له، بل عبر بناء عقد جماعي جديد يعكس موازين المصالح الراهنة لا موازين القوى الاستعمارية القديمة.
قائمة المراجع
- Al Arabiya (2025) إثيوبيا تفتتح سد النهضة رسمياً.. بعد 14 عاماً من البناء. 9 September. Available at: alarabiya.net (Accessed: 24 July 2026).
- Al Jazeera Net (2026) أنياب سد النهضة.. الجفاف الحارق يطرق أبواب السودان. 22 July. Available at: aljazeera.net (Accessed: 24 July 2026).
- Al-Quds Al-Arabi (2024) حصص مصر والسودان من النيل مهددة بسبب اتفاقية «عنتيبي». Available at: alquds.co.uk (Accessed: 24 July 2026).
- Asharq (2025) سد النهضة الإثيوبي.. ماذا نعرف عن المشروع بعد اكتماله؟ 16 September. Available at: asharq.com (Accessed: 24 July 2026).
- Asharq Al-Awsat (2025) ما تأثير «تفعيل» مصر والسودان لجان اتفاقية 1959 على نزاع السد الإثيوبي؟ Available at: aawsat.com (Accessed: 24 July 2026).
- Beam Reports (2025) إثيوبيا تعلن اكتمال بناء سد النهضة وتدعو السودان ومصر للمشاركة في افتتاحه. 3 July. Available at: beamreports.com (Accessed: 24 July 2026).
- Centre for Arab Unity Studies (2023) أزمة مياه النيل بين إثيوبيا ومصر. Available at: caus.org.lb (Accessed: 24 July 2026).
- United Nations (1997) Convention on the Law of the Non-Navigational Uses of International Watercourses. New York: United Nations.
- United Nations Committee on Economic, Social and Cultural Rights (2002) General Comment No. 15: The Right to Water. Geneva: OHCHR.
- Vienna Convention on Succession of States in Respect of Treaties (1978).
- Wikipedia Arabic (2026) سد النهضة. Available at: ar.wikipedia.org (Accessed: 24 July 2026).
- Zawia3 (2026) سد النهضة اكتمل وإثيوبيا لا تتفاوض.. فماذا تملك مصر؟ Available at: zawia3.com (Accessed: 24 July 2026).
.png)
تعليقات
إرسال تعليق