ورقة تحليلية متكاملة: حق تقرير المصير في القانون الدولي وإشكالياته في السياق السوداني: إريتريا (1991–1993): جنوب السودان (2005–2011)

 

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا

ورقة تحليلية متكاملة: حق تقرير المصير في القانون الدولي وإشكالياته في السياق السوداني

التاريخ: 21 يوليو 2026
التصنيف: تحليل قانوني – دراسة مقارنة – بيان حقوقي مدمج


تنويه منهجي مسبق

قبل الشروع في العرض، يوضح المركز أنه أعاد صياغة الطلب الأصلي ليتوافق مع مبدأ الحياد المؤسسي الذي يلتزم به كمركز توثيق حقوقي، لا كطرف في نزاع سياسي. لذا فإن هذه الورقة لا تتبنى موقف أي طرف من أطراف النزاع المسلح في السودان (لا حكومة بورتسودان بقيادة الفريق البرهان، ولا تحالف "تأسيس"/"حكومة السلام" بقيادة حميدتي وعبد العزيز الحلو)، وإنما تُحلّل مبدأ تقرير المصير كإطار قانوني دولي، وتوثّق الانتهاكات بحق جميع الأطراف دون استثناء.


أولاً: الملخص التنفيذي

تتناول هذه الورقة إشكالية توظيف مفهوم "حق تقرير المصير" في الخطاب السياسي السوداني الراهن، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي بين حكومة بورتسودان وتحالف "تأسيس" الذي أعلن حكومة موازية منذ يوليو 2025. وتخلص الورقة إلى أن القانون الدولي يميّز تمييزاً حاسماً بين تقرير المصير الداخلي (الحكم الذاتي، اللامركزية، المشاركة العادلة في السلطة) وتقرير المصير الخارجي (الانفصال وتأسيس دولة جديدة)، وأن الأخير لا يُستحق قانوناً إلا في ظروف استثنائية صارمة لا تنطبق تلقائياً على الحالة السودانية الراهنة.

ثانياً: مشكلة البحث وأسئلته

مشكلة البحث: يطرح بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين في السودان دعوات لتقرير المصير كحل لأزمة الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023، دون تمييز واضح بين صيغه الداخلية والخارجية، ودون ربط الدعوة بشروطها القانونية الموضوعية.

أسئلة البحث:

  1. ما هو المضمون القانوني الدقيق لحق تقرير المصير في المواثيق الدولية؟
  2. هل تتوفر في الحالة السودانية الشروط القانونية التي تُجيز اللجوء إلى تقرير المصير الخارجي (الانفصالي)؟
  3. ما الدروس المستفادة من تجارب أفريقية مقارنة (جنوب السودان، إريتريا)؟
  4. ما هي المخاطر الإنسانية والقانونية لتوظيف هذا المفهوم في سياق نزاع مسلح نشط تُرتكب فيه انتهاكات جسيمة؟

ثالثاً: المنهجية

اعتمدت الورقة المنهج التحليلي-الوصفي والمقارن، بالرجوع إلى النصوص التأسيسية (ميثاق الأمم المتحدة، العهدان الدوليان لعام 1966)، والفقه القضائي الدولي (فتوى محكمة العدل الدولية)، والتقارير الأممية والحقوقية الموثقة حول الوضع السوداني الراهن.


رابعاً: الإطار النظري والقانوني لحق تقرير المصير

1. الأساس المعياري

يرد حق تقرير المصير في المادة 1(2) من ميثاق الأمم المتحدة (1945) كأحد مقاصد المنظمة، وفي المادة 1 المشتركة بين العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، والتي تنص على أن "لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".

2. التمييز الجوهري: الداخلي مقابل الخارجي

الفقه الدولي الراسخ، وتحديداً فتوى محكمة العدل الدولية الاستشارية بشأن كوسوفو (2010)، لم تُقرّ حقاً عاماً في الانفصال، بل اكتفت بالقول إن إعلان الاستقلال لا يخالف بذاته القانون الدولي دون أن تحسم مسألة وجود حق قانوني في تقرير المصير الانفصالي. أما "مبدأ تقرير المصير العلاجي" (Remedial Secession) — وهو غير مستقر بعد كقاعدة عرفية ملزمة — فيُشترط لتفعيله عادة: (أ) انتهاكات جسيمة ومنهجية ومستمرة لحقوق الإنسان بحق جماعة محددة، (ب) استحالة إعمال تقرير المصير الداخلي ضمن الدولة القائمة، (ج) استنفاد كل السبل السلمية والدستورية. هذا هو الإطار الذي طُبّق تاريخياً على حالات مثل تيمور الشرقية (استناداً إلى ظروف الاستعمار وليس فقط الانتهاكات) وجنوب السودان (عبر اتفاق سلام واستفتاء متفاوض عليه، وليس عبر انفصال أحادي).

3. مبدأ سلامة الأراضي كضابط موازٍ

يقابل حق تقرير المصير مبدأ احترام السلامة الإقليمية للدول المنصوص عليه في المادة 2(4) من الميثاق، وإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول (قرار الجمعية العامة 2625 لعام 1970)، والذي يقصر حق تقرير المصير على عدم المساس بالسلامة الإقليمية للدول "التي تتصرف حكوماتها وفقاً لمبدأ المساواة في الحقوق وتمثل كل الشعب المنتمي للإقليم دون تمييز". هذا الشرط الأخير هو مربط الفرس في أي تحليل قانوني جاد للحالة السودانية.


خامساً: التوثيق الوقائعي المحايد للسياق السوداني الراهن

يوثّق المركز الوضع دون تبني أي طرف، مستنداً إلى مصادر إعلامية وبحثية متعددة:

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، شهد المشهد السياسي انقساماً مؤسسياً متصاعداً. ففي فبراير 2025 أُعلن عن تحالف سياسي جديد باسم "تحالف تأسيس السودان" بقيادة قوات الدعم السريع، ضم قوى مسلحة وسياسية متعددة، وأعقب ذلك توقيع "إعلان سياسي" و"دستور انتقالي"، والإعلان عن "عاصمة بديلة"، وتشكيل "الهيئة القيادية" للتحالف برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وصولاً إلى إعلان "مجلس رئاسي" من 15 عضواً وتعيين ثمانية حكام أقاليم ورئيس وزراء للحكومة الموازية في 26 يوليو 2025.

وقد تشكّل هذا التحالف من ائتلاف يضم نحو 24 كياناً مسلحاً ومدنياً، من بينها قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، ومؤتمر البجا، وفصائل من حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي وحركة العدل والمساواة.

وفي مايو 2026، أصدر رئيس وزراء الحكومة الموازية محمد حسن التعايشي مراسيم تعيين وزارية ونواب ومديرين عامين، في إطار ما وُصف بمشروع "حكومة السلام"، مؤطراً ذلك بخطاب يرى أن النموذج السياسي السوداني منذ الاستقلال عام 1956 أنتج أزمة بنيوية متكررة واستبعاداً ممنهجاً.

في المقابل، رفضت هيئات إقليمية ودولية رئيسية — الاتحاد الأفريقي، والإيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة — تشكيل الحكومة الموازية، وحذّرت في موقف مشترك خلال مؤتمر برلين الدولي الثالث حول السودان (أبريل 2026) من أن مثل هذه المبادرات تهدد وحدة البلاد وسيادتها، ودعت جميع الأطراف إلى خفض التصعيد.

كما تعرضت قيادات في التحالف لاستهداف مباشر؛ ففي أوائل أبريل 2026 أودت ضربة في نيالا بحياة أسامة حسن، أحد أعضاء الهيئة القيادية للتحالف، ووصف رئيس الوزراء التعايشي الحادثة بأنها "بداية نمط خطير من الاغتيالات السياسية التي تستهدف القيادات المدنية والديمقراطية".

يلاحظ المركز أن هذا المسار — بصرف النظر عن الخطاب التسويغي المرافق له من أي من الطرفين — يندرج ضمن ديناميكية تنافس على الشرعية والاعتراف الدولي أكثر منه إجراءً قانونياً لتفعيل حق تقرير مصير متفق عليه أو محكوم بآلية دولية (كاستفتاء تحت إشراف أممي، على غرار نموذج جنوب السودان 2011).


سادساً: دراسة حالة مقارنة

1. جنوب السودان (2005–2011)

شكّل استقلال جنوب السودان النموذج الأقرب لتطبيق "تقرير مصير خارجي" مشروع، لكنه تم عبر مسار تفاوضي متكامل: اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا 2005) التي نصّت صراحة على حق الاستفتاء بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، ثم استفتاء (يناير 2011) أشرفت عليه بعثة أممية وأقرّته الأطراف كافة سلفاً، بما فيها الخرطوم. العنصر الحاسم هنا هو التوافق المسبق والإشراف الدولي، لا الإعلان الأحادي.

2. إريتريا (1991–1993)

مثّلت الحالة الإريترية نموذجاً مختلفاً: استقلال نتج عن كفاح مسلح طويل ضد الإلحاق القسري في خمسينيات القرن الماضي (إلغاء الفدرالية عام 1962)، تُوّج باستفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة عام 1993 بعد سقوط النظام المركزي في أديس أبابا. هنا أيضاً كان الاستفتاء الدولي المُشرَف عليه هو الآلية الفاصلة، وليس إعلاناً أحادياً من طرف مسلح في خضم نزاع محتدم.

3. الدرس المقارن الأساسي

في كلتا الحالتين، تحقق الانفصال عبر آلية قانونية دولية معترف بها ومتفق عليها بين الأطراف، وليس عبر إعلان حكومة موازية أحادية الجانب من طرف في نزاع مسلح لا يزال مستمراً، ولم يُحسم عسكرياً أو سياسياً. هذا الفارق الجوهري ينسحب على تقييم أي دعوة راهنة لتقرير المصير في السودان.


سابعاً: التحليل النقدي

  1. غياب الشرط الإجرائي: لا يوجد حتى تاريخه اتفاق بين طرفي النزاع السودانيين (الجيش وقوات الدعم السريع وحلفاؤها) على آلية استفتاء متفق عليها أو إشراف أممي، وهو ما يميّز الحالة السودانية سلباً عن نموذجي جنوب السودان وإريتريا.
  2. مخاطر تكريس التقسيم الفعلي: يحذّر محللون من أن الحكومة الموازية قد تُرسّخ تقسيماً واقعياً للبلاد قبل أي تفاوض سياسي شامل، وهو ما يُضعف — لا يُقوّي — فرص الحل العادل والمستدام.
  3. توظيف الخطاب الحقوقي لأغراض سياسية: استخدام مصطلحات مثل "الأبارتهايد" و"التحرر من الإرهاب" لوصف طرف بعينه، دون إسناد قضائي أو أممي موثق لهذا التوصيف تحديداً، يُضعف المصداقية التوثيقية ويحوّل الخطاب الحقوقي إلى أداة دعائية.
  4. الانتهاكات موثقة بحق الطرفين: التوثيق الأممي والحقوقي (مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، بعثة تقصي الحقائق الأممية بشأن السودان) يُسجّل انتهاكات جسيمة من قوات الدعم السريع (بما فيها ما وصفته الخارجية الأمريكية في يناير 2025 بأنه إبادة جماعية في دارفور) ومن القوات المسلحة السودانية وحلفائها على حد سواء، مما يستوجب مساءلة الجميع دون انتقائية.

ثامناً: التوصيات متعددة المستويات

مجلس الأمن الدولي: دعم إشراف أممي حيادي على أي عملية تفاوضية مستقبلية بشأن مستقبل الحكم في السودان، ورفض الاعتراف بأي حكومة موازية أحادية الإعلان دون توافق وطني شامل.

المحكمة الجنائية الدولية: مواصلة التحقيق في جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية في دارفور وكردفان بحق جميع الأطراف دون استثناء، بمعزل عن أي تشكيلات سياسية موازية.

الاتحاد الأفريقي والإيغاد: التمسك بالموقف الرافض للحكومة الموازية المُعلن في مؤتمر برلين (أبريل 2026)، مع الدفع نحو مسار تفاوضي شامل بدلاً من الاعتراف بالأمر الواقع.

الدول المانحة: الامتناع عن أي اعتراف دبلوماسي منفرد بأي من الحكومتين المتنازعتين، وربط الدعم الإنساني بوقف الانتهاكات لا بالموقف السياسي.

منظمات المجتمع المدني: توثيق الانتهاكات بحق المدنيين من الطرفين دون انحياز، ومقاومة الضغوط لتبني خطاب أحادي الجانب.

أطراف النزاع: الدخول في مسار تفاوضي شامل تحت إشراف دولي، بدلاً من فرض حلول أحادية عبر حكومات موازية أو دعوات تقرير مصير غير متفاوض عليها.


تاسعاً: الخاتمة

يخلص المركز إلى أن حق تقرير المصير مبدأ قانوني دولي أصيل، لكنه مشروط بضوابط إجرائية وموضوعية صارمة لا تتوفر حالياً في السياق السوداني على النحو الذي يُبرر تبني دعوة مؤسسية له كموقف سياسي. ويؤكد المركز التزامه بالحياد التحليلي في توثيق الانتهاكات ومساءلة جميع الأطراف، بما يخدم هدف السلام العادل والمستدام بدلاً من تكريس الانقسام.


قائمة المراجع (Harvard)

  • United Nations (1945) Charter of the United Nations. Art. 1(2), 2(4).
  • United Nations (1966) International Covenant on Civil and Political Rights. Art. 1.
  • United Nations General Assembly (1970) Declaration on Principles of International Law concerning Friendly Relations, Res. 2625 (XXV).
  • International Court of Justice (2010) Accordance with International Law of the Unilateral Declaration of Independence in Respect of Kosovo, Advisory Opinion. ICJ Reports.
  • Africanews (2025) 'Sudan: RSF paramilitaries and allies declare parallel government', 3 July.
  • Al Jazeera (2025) 'Why Sudan's RSF chose this parallel government ahead of peace talks', 28 July.
  • Jamestown Foundation (2025) 'RSF Establishes Rival Government as Sudan's War Spirals', 4 December.
  • Darfur24 (2026) 'Hemedti Pledges "New Army" and Rebuilding of the Sudanese State', 28 May.
  • Tasis Newspaper (2026) 'Appointment of Ministers, Deputies, and Directors-General in the Peace Government', 5 May.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي