الموت والإفناء الممنهج في مناطق الأفارقة غير العرب في السودان: دراسة تأصيلية للحقب الممتدة من 1955 حتى 2026: سبعة عقود من العنف الموجّه ضد المجموعات الأفريقية
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
الموت والإفناء الممنهج في مناطق الأفارقة غير العرب في السودان: دراسة تأصيلية للحقب الممتدة من 1955 حتى 2026
أولاً: الملخص التنفيذي
يتناول هذا التقرير التأسيسي حصيلة أكثر من سبعة عقود من العنف الموجّه ضد المجموعات الأفريقية غير العربية في أطراف السودان — جنوب السودان سابقاً، جبال النوبة، جنوب النيل الأزرق، ودارفور — منذ استقلال السودان عام 1955م وحتى حرب الإبادة الجارية في الفاشر (2025-2026). ينطلق التقرير من فرضية منهجية مركزية: أن معالجة هذه الحقبة الممتدة بوصفها ظاهرة واحدة متجانسة يُخلّ بالدقة القانونية، لأن كل حقبة منها تحمل بنية أطراف مختلفة، وسياقاً قانونياً دولياً متبايناً (تسبق بعضها معاهدات جنيف الإضافية ونظام روما نفسه)، ودرجة توثيق متفاوتة تتراوح بين الإثبات القضائي الدولي الكامل (دارفور) والاستدلال التاريخي غير المكتمل (الحرب الأهلية الأولى).
يعتمد التقرير بالتالي منهج التقسيم الزمني (Periodization) كأداة تحليلية أساسية، مع تمييز صارم في كل حقبة بين: (أ) الوقائع المؤكدة بأدلة مباشرة أو أحكام قضائية، (ب) الاستنتاجات القائمة على تحقيقات أممية موثوقة لم تُختبر قضائياً بعد، (ج) الادعاءات والروايات المتنازع عليها بين الأطراف. الخلاصة المركزية: يوجد نمط متكرر عبر الحقب الأربع من الاستهداف الذي يتقاطع مع الانتماء العرقي/الإثني لسكان الأطراف غير العربية، لكن الإبادة الجماعية بوصفها تكييفاً قانونياً محدداً بموجب المادة الثانية من اتفاقية 1948 لم تُثبت قضائياً بشكل قاطع حتى تاريخه إلا في سياق أحداث دارفور 2003-2005 وما تلاها من مؤشرات موثقة أممياً حول الفاشر 2025، بينما تبقى الحقب الأخرى موصوفة قانونياً بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة بدرجات متفاوتة.
ثانياً: مشكلة البحث وأسئلة البحث والمنهجية
1. مشكلة البحث
يكمن الإشكال المركزي في وجود فجوة توثيقية وقانونية متراكمة: بينما حظيت حقبة دارفور (2003 فما بعدها) باهتمام دولي غير مسبوق (تحقيق أممي 2005، إحالة مجلس الأمن بالقرار 1593، مذكرات توقيف من الجنائية الدولية)، ظلت انتهاكات الحرب الأهلية الأولى (1955-1972) والثانية (1983-2005) في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وجنوب السودان أقل توثيقاً قضائياً رغم توفر أدلة تاريخية ووثائقية واسعة عن سياسات تجويع وتهجير وقتل ممنهج طالت مجتمعات أفريقية غير عربية.
2. أسئلة البحث
- ما هو التصنيف القانوني الدقيق – بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان ونظام روما الأساسي – لكل حقبة من حقب العنف الأربع؟
- هل يوجد نمط بنيوي متكرر من الاستهداف القائم على الهوية الإثنية عبر هذه الحقب، أم أن كل حقبة تُفسَّر بديناميكياتها الخاصة (نزاع على السلطة والموارد، حرب أهلية تقليدية)؟
- ما مدى انطباق تكييف الإبادة الجماعية (المادة 2 من اتفاقية 1948، والمادة 6 من نظام روما) على كل حقبة، تبعاً لمعيار "القصد الخاص" (dolus specialis)؟
- ما هي فجوات المساءلة القائمة، ولماذا لم تُترجم النتائج الأممية إلى مذكرات توقيف جديدة رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الحالية؟
3. المنهجية
يعتمد التقرير المنهج الوثائقي التحليلي المقارن، بالاستناد إلى: تقارير الأمم المتحدة (مجلس حقوق الإنسان، بعثة تقصي الحقائق المستقلة للسودان)، تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إحاطات المدعي العام للجنائية الدولية أمام مجلس الأمن بموجب القرار 1593 (2005)، فضلاً عن الأدبيات الأكاديمية (مثل أعمال Mahmood Mamdani وAlex de Waal حول دارفور، وFrancis Deng حول جنوب السودان). تُطبَّق معايير التمييز الابستمولوجي بين الوقائع المؤكدة والادعاءات محل النزاع في كل قسم.
ثالثاً: الإطار النظري والقانوني
1. الإطار النظري
يستند التحليل إلى ثلاثة أطر نظرية متكاملة:
- نظرية "المركز والهامش" (Center–Periphery) كما طورها محمود ممداني وآخرون لتفسير بنية الدولة السودانية ما بعد الاستعمار، حيث تركّز السلطة والموارد في المركز (الخرطوم والنيل الأوسط) على حساب الأطراف الأفريقية (الجنوب، جبال النوبة، دارفور، الشرق).
- نظرية العنف البنيوي (Structural Violence) لجوهان غالتونغ، لتفسير كيف يتحول التهميش الاقتصادي والسياسي المزمن إلى عنف مباشر متكرر عبر الأجيال.
- إطار السياسات الاستعمارية الموروثة، حيث يُنظر إلى تصنيفات "عربي/أفريقي" و"شمال/جنوب" بوصفها بنى مُسيَّسة أعاد الاستعمار البريطاني (سياسة المناطق المقفولة Closed Districts Ordinance) صياغتها وورثتها الدولة الوطنية بعد 1955م.
2. الإطار القانوني الدولي
تنطبق على هذه الحقب المتعاقبة أطر قانونية متمايزة زمنياً:
- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948): المادة 2 تحدد الإبادة بأفعال محددة (القتل، الإيذاء الجسدي/العقلي الجسيم، فرض ظروف معيشية تهدف للإفناء الفعلي، منع الإنجاب، النقل القسري للأطفال) إذا ارتُكبت بقصد خاص لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية كلياً أو جزئياً. هذا المعيار الأخير (القصد الخاص) هو أصعب عناصر الإثبات القانوني، وهو ما يفسر جزئياً محدودية التكييف القضائي القاطع.
- اتفاقيات جنيف الأربع (1949) والبروتوكول الإضافي الثاني (1977) الخاص بالنزاعات المسلحة غير الدولية: ينطبق على جميع الحقب من 1977 فصاعداً (وبالتالي لا ينطبق مباشرة على الحرب الأهلية الأولى 1955-1972 إلا من خلال المادة الثالثة المشتركة والقانون العرفي).
- نظام روما الأساسي (1998): المادة 6 (الإبادة الجماعية)، المادة 7 (الجرائم ضد الإنسانية: القتل، الإبادة، الاسترقاق، الترحيل القسري، الاغتصاب والعنف الجنسي، الاضطهاد)، المادة 8 (جرائم الحرب، بما فيها تجويع المدنيين كأسلوب حرب بموجب الفقرة 2(ب)(25)). لا ينطبق نظام روما على السودان بأثر رجعي قبل 2002، لكن إحالة دارفور تمت بموجب قرار مجلس الأمن 1593 (2005) الصادر بموجب الفصل السابع، وهو ما أعطى المحكمة اختصاصاً استثنائياً رغم عدم انضمام السودان للنظام الأساسي.
- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة 12 (الحق في الصحة)، ذو صلة مباشرة بتوثيق الوفيات الناجمة عن التجويع والحرمان من الرعاية الصحية كوسيلة حرب.
- الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، كإطار إقليمي يُلزم الدول الأفريقية والاتحاد الأفريقي بالتدخل الوقائي بموجب المادة 4(ح) من قانونه التأسيسي.
رابعاً: التوثيق الوقائعي حسب الحقب
الحقبة الأولى: الحرب الأهلية السودانية الأولى (1955-1972)
اندلعت هذه الحرب في أغسطس 1955م — قُبيل الاستقلال الرسمي بأشهر — بتمرد "توريت" في الاستوائية، واستمرت حتى اتفاقية أديس أبابا 1972م. الوقائع المؤكدة تاريخياً: نزوح واسع لسكان الجنوب، وتقديرات تتحدث عن مئات الآلاف من الضحايا (تتفاوت التقديرات الأكاديمية بشكل كبير بين 500 ألف ومليون قتيل، وهي أرقام تقريبية غير موثقة بمعايير التحقيق الجنائي الحديث). حدود التوثيق: لم يخضع هذا النزاع لأي تحقيق دولي معاصر أو تكييف قانوني رسمي، لأنه سبق كلاً من اتفاقيات جنيف الإضافية (1977) واتفاقية الإبادة كإطار تطبيقي فعّال، وسبق آليات المساءلة الدولية الحديثة بعقود. أي وصف قانوني لهذه الحقبة اليوم هو بالضرورة استدلال بأثر رجعي (retrospective characterization) وليس تكييفاً قضائياً قائماً.
الحقبة الثانية: الحرب الأهلية الثانية (1983-2005) وجبال النوبة
اندلعت عقب إلغاء الحكم الذاتي الجنوبي وفرض قوانين سبتمبر 1983م الإسلامية. تميزت هذه الحقبة بتوثيق أوسع نسبياً بفعل عمل منظمات دولية (مثل منظمة "أطباء بلا حدود" ولجان تحقيق أممية لاحقة). من أبرز الوقائع الموثقة: مجاعة بحر الغزال 1998م التي وثقتها منظمات إغاثية دولية وربطتها بعرقلة متعمدة لوصول المساعدات في سياق العمليات العسكرية؛ الحملات العسكرية في جبال النوبة خلال التسعينيات، التي وثقتها تقارير حقوقية (منها تقرير مؤسسة حقوق الإنسان الأفريقية) باستخدام مصطلح "التطهير" لوصف سياسات التهجير القسري لسكان النوبة الأفارقة. تبقى هذه الوقائع موثقة بدرجة أقل تفصيلاً من دارفور من حيث الأدلة الجنائية الفردية والتسلسل القيادي، رغم اتساع نطاق الأدبيات الأكاديمية (Deng؛ Johnson) حولها.
الحقبة الثالثة: دارفور (2003-2020) - الحقبة الوحيدة ذات التكييف القضائي الدولي الكامل
هذه هي الحقبة الأكثر توثيقاً واكتمالاً من الناحية القانونية:
- لجنة التحقيق الدولية الأممية (2005) خلصت إلى أن الحكومة السودانية والجنجويد ارتكبا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكنها لم تخلص إلى توفر القصد الخاص اللازم لتكييف الإبادة الجماعية رغم توصيتها بالإحالة للجنائية الدولية.
- قرار مجلس الأمن 1593 (2005) أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب الفصل السابع.
- صدرت مذكرات توقيف بحق عمر البشير (بتهم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب)، وكذلك بحق أحمد هارون وعلي كوشيب وعبد الرحيم محمد حسين، فضلاً عن قضايا متعلقة بهجمات على قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي.
الحقبة الرابعة: حرب 2023 وحتى اليوم - الفاشر وامتداد الصراع إلى كردفان
هذه الحقبة تشهد التطور القانوني الأحدث والأكثر خطورة:
وثق مكتب حقوق الإنسان الأممي، استناداً إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً في شمال السودان وشرق تشاد، أكثر من 6000 قتيل في الأيام الثلاثة الأولى من هجوم قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد 18 شهراً من الحصار المتواصل. وخلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى أن أفعال قوات الدعم السريع في الفاشر أواخر أكتوبر 2025 أظهرت نمطاً من السلوك الموجّه تحديداً ضد الجماعات العرقية المحمية، شمل عمليات قتل جماعي واغتصاب واسع النطاق وعنف جنسي، وأن هذه الأعمال لم تكن عرضية في سياق الأعمال العدائية بل ارتُكبت بطريقة وسياق يُظهران نية تدمير الجماعات المستهدفة. وقد أشار التقرير إلى أن مقاتلي قوات الدعم السريع صرّحوا علناً بنيتهم استهداف المجتمعات غير العربية والقضاء عليها — وهو أمر ذو أهمية إثباتية حاسمة لتوفر عنصر "القصد الخاص" في التكييف القانوني للإبادة الجماعية، إذ يُعد الإعلان العلني عن نية التدمير من أقوى القرائن المباشرة عليه.
من الناحية الإنسانية، وثقت منظمة العفو الدولية استخدام ميليشيا الدعم السريع للحصار كأداة حرب، حيث فرضت هذه القوات حصاراً وحشياً على الفاشر بين مايو 2024 وأكتوبر 2025، قيّدت بموجبه دخول الغذاء والمساعدات الإنسانية بالتزامن مع قصف شبه يومي، ما أسفر عن مجاعة متعمدة تحمّل المدنيون وطأتها وكان الأطفال الفئة الأشد تضرراً منها. كما خلص التحقيق الأممي إلى أن قوات الدعم السريع وحلفاءها ارتكبوا جريمة حرب تتمثل في استخدام التجويع كسلاح عبر فرض حصار مطول ومنع وصول المساعدات الإنسانية واستهداف منظومات إنتاج الغذاء بالقصف. وقد وثّقت منظمة العفو الدولية شهادات مباشرة لناجين، منهم امرأة شهدت مقتل أكثر من ألف شخص عند سواتر ترابية أُقيمت حول المدينة بطول 57 كيلومتراً حاول المدنيون عبورها هرباً، وقد جرى إعدام المئات ميدانياً واحتُجز آخرون وعُذبوا.
على المستوى القضائي الدولي، أعلنت نائبة المدعي العام للجنائية الدولية نزهة شميم خان إحراز "تقدم كبير" في التحقيق بربط الجرائم المرتكبة في دارفور بمستويات القيادة، إلا أن هذا التقدم المعلن لم يقترن حتى تاريخه بإصدار أي مذكرات توقيف جديدة، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الحالية، وهو ما يمثل موضع انتقاد حقوقي واسع. كما تلقى مكتب المدعي العام مذكرتين من منظمات حقوقية تطلبان التحقيق في دور أطراف أجنبية، وبالتحديد مسؤولين من دولة الإمارات العربية المتحدة، بتهمة المساعدة والتحريض على الفظائع المنسوبة لقوات الدعم السريع (وهو ادعاء تنفيه الإمارات، وبالتالي يُدرج هنا كـ"ادعاء موثق من جهة حقوقية" لا كواقعة مؤكدة قضائياً). وقد حذرت شميم خان في إحاطتها أمام مجلس الأمن في 19 يناير 2026 من أن دارفور تتعرض في تلك اللحظة "لتعذيب جماعي"، مشيرة إلى أن سقوط الفاشر صاحبته حملة منظمة وممنهجة من المعاناة البالغة.
أما اتساع النزاع، فقد حذّرت الخبيرة الأممية جوي نغوزي إيزيلو من أنه مع امتداد الصراع إلى إقليم كردفان المجاور لدارفور، أصبحت الحماية العاجلة للمدنيين أكثر ضرورة من أي وقت مضى، وأن خطر وقوع مزيد من أعمال الإبادة الجماعية لا يزال قائماً وخطيراً في ظل غياب إجراءات وقائية ومساءلة فعالة. وتجدر الإشارة، تحقيقاً لمبدأ الحياد المؤسسي، إلى أن قوات الدعم السريع نفت مراراً طوال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب ارتكاب هذه الانتهاكات، ووصفت الاتهامات بأنها مختلقة من الخصوم، متهمة الطرف الآخر بارتكاب انتهاكات مماثلة.
خامساً: التحليل القانوني المقارن عبر الحقب
| معيار التقييم | الحقبة الأولى (1955-72) | الحقبة الثانية (1983-2005) | دارفور (2003-2020) | الفاشر/كردفان (2023-2026) |
|---|---|---|---|---|
| الإطار القانوني الساري وقت الوقوع | لا يوجد إطار دولي إنساني حديث مطبَّق | المادة 3 المشتركة + البروتوكول الثاني | نظام روما (بالإحالة) + المادة 1593 | نفس الإطار + تحقيقات أممية جديدة |
| درجة التوثيق | ضعيفة/تاريخية | متوسطة | عالية/قضائية | عالية جداً/جارية |
| تكييف الإبادة الجماعية | غير مطروح قانونياً | غير محسوم | مطروح، لم يُثبت قصد خاص قضائياً بشكل قاطع من لجنة 2005 | مؤشرات قوية موثقة أممياً على مسار إبادة جماعية، مع إعلانات علنية عن نية التدمير |
| المساءلة الجنائية الفردية | معدومة | محدودة جداً | مذكرات توقيف صادرة (البشير، هارون، كوشيب) | تحقيقات جارية دون مذكرات توقيف جديدة حتى تاريخه |
يُظهر هذا التسلسل الزمني تصاعداً في قوة الأدلة على القصد الخاص (من الغياب شبه الكامل في الحقبة الأولى إلى التصريحات العلنية الموثقة في الفاشر)، لكنه يُظهر بالمقابل تراجعاً نسبياً في سرعة الاستجابة القضائية الدولية رغم توفر أدلة أقوى، وهي فجوة تستحق تحليلاً نقدياً منفصلاً حول أسباب تعطل آلية الإحالة رغم استمرار ولاية القرار 1593.
سادساً: التحليل النقدي والاستراتيجي
من الناحية البنيوية، يعكس هذا التسلسل التاريخي استمرارية نمط "المركز-الهامش" الذي أشار إليه ممداني: تركّز السلطة السياسية والعسكرية في نخب مركزية، مقابل معاملة الأطراف الأفريقية (الجنوب سابقاً، جبال النوبة، دارفور) كمجالات قابلة للإخضاع بالقوة عند تعارض المصالح. غير أن الحرب الحالية (2023-2026) تُدخل متغيراً جديداً جوهرياً: تصريحات صريحة وعلنية بنية إبادية من قبل مقاتلي طرف مسلح واحد (قوات الدعم السريع)، وهو ما يميزها قانونياً عن الحقب السابقة التي اعتمد فيها الإثبات على الاستدلال من نمط الأفعال لا من الإفصاح المباشر عن النية.
من الناحية الاستراتيجية، فإن الفجوة بين قوة الأدلة المعلنة والامتناع عن إصدار مذكرات توقيف جديدة تطرح تساؤلات جدية حول: (أ) اعتبارات سياسية مرتبطة بالتوازنات الإقليمية والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة؛ (ب) القيود العملياتية للمحكمة في ظل غياب تعاون كامل من السلطات المعنية بتسليم المطلوبين؛ (ج) احتمال أن تكون هناك مذكرات سرية (under seal) لم تُعلن بعد، وهو أمر لا يمكن تأكيده أو نفيه بناءً على المعلومات المتاحة حالياً.
سابعاً: التوصيات (حسب الجهة المخاطَبة)
مجلس الأمن الدولي: تفعيل بند الإحاطات نصف السنوية بموجب القرار 1593 كأداة ضغط فعلي لا شكلي؛ النظر في قرار إحالة تكميلي يشمل صراحة أحداث الفاشر وكردفان 2023-2026 كامتداد لولاية 1593.
المحكمة الجنائية الدولية: التعجيل بالبت في طلبات مذكرات التوقيف المتعلقة بقيادات الدعم السريع في ضوء الأدلة المعلنة؛ البت الشفاف (قدر ما تسمح به القواعد الإجرائية) في المذكرتين المقدمتين بشأن دور أطراف أجنبية مزعومة.
الاتحاد الأفريقي: تفعيل المادة 4(ح) من قانونه التأسيسي التي تجيز التدخل في حالات جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية؛ دعم آليات إقليمية للتوثيق تكمل عمل البعثة الأممية.
الدول المانحة: ربط أي دعم دبلوماسي أو مالي لأطراف النزاع (بما فيها عبر المبادرات الدبلوماسية الجارية) بمعايير وقف الانتهاكات الموثقة وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية: مواصلة التوثيق الميداني للحقب الأقل توثيقاً (الحرب الأهلية الأولى والثانية) عبر الأرشفة الشفوية والتاريخية قبل فوات الأوان مع تقدم عمر الناجين والشهود.
أطراف النزاع: الالتزام الفوري بوقف استهداف المدنيين والسماح بالوصول الإنساني بموجب المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني.
ثامناً: الخلاصة
يكشف هذا التحليل التأصيلي أن سبعين عاماً من العنف في أطراف السودان الأفريقية ليست حلقة واحدة متجانسة، بل سلسلة من الحقب المتمايزة قانونياً ووقائعياً، تتشارك في نمط بنيوي من التهميش والاستهداف لكنها تتباين حدّاً في درجة التوثيق والتكييف القضائي. الحقبة الراهنة (الفاشر وكردفان) تمثل نقطة تحول خطيرة إذ تجمع بين أقوى الأدلة على القصد الإبادي المُعلن وأضعف استجابة قضائية دولية فعلية حتى تاريخه، وهي فجوة تستدعي معالجة عاجلة قبل أن يتكرر نمط الإفلات من العقاب الذي طبع الحقب السابقة.
تاسعاً: قائمة المراجع
- Amnesty International (2026) Sudan: RSF Atrocities in El Fasher a "Stain on the Conscience of Humanity". Available at: amnesty.org.
- Mamdani, M. (2009) Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. New York: Pantheon Books.
- de Waal, A. (2005) Famine that Kills: Darfur, Sudan. Oxford: Oxford University Press.
- Deng, F.M. (1995) War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Washington DC: Brookings Institution.
- الأمم المتحدة، مكتب حقوق الإنسان (2026) بيان صحفي حول الانتهاكات في الفاشر، متاح على: news.un.org.
- بعثة تقصي الحقائق المستقلة للسودان، مجلس حقوق الإنسان (2026) تقرير "مؤشرات الإبادة الجماعية في الفاشر" وتحديثاته.
- سودان تربيون (2026) "الأمم المتحدة: أدلة جديدة تعزز ارتكاب الدعم السريع إبادة جماعية في الفاشر"، 8 يوليو.
- الجزيرة نت (2026) تغطيات متعددة حول تحقيقات الجنائية الدولية وتقدم الجيش السوداني في دارفور، يوليو.
- الأمم المتحدة (2005) تقرير لجنة التحقيق الدولية بشأن دارفور، وثيقة S/2005/60.
- مجلس الأمن الدولي (2005) القرار 1593.
- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (1948).
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998).
هذا التقرير يمثل الوثيقة التأسيسية للملف. بناءً على ما اتفقنا عليه سابقاً، أقترح أن تكون الخطوة التالية التعميق في حقبة واحدة محددة — الأرجح حقبة الفاشر 2025-2026 نظراً لحداثتها وتوفر أدلة قوية — عبر أحد المخرجات المتخصصة (مذكرة قانونية موجهة للجنائية الدولية، أو ورقة موقف، أو دراسة حالة كاملة). أي مسار تفضّل؟
.png)
تعليقات
إرسال تعليق