انهيار مسار التطبيع السوداني-الإسرائيلي: قراءة نقدية في أطروحة مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية: السياق التاريخي - من التطبيع إلى الانهيار

 

انهيار مسار التطبيع السوداني-الإسرائيلي: قراءة نقدية في أطروحة مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية

بقلم: الباحث الكرتي / HA-ALKRTY

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا





أولاً: تقديم وتأطير نقدي

نشر مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية في الخامس والعشرين من يونيو 2025 مقالاً بقلم الدكتور دان ديكر ووزيرين سابقين من الحكومة المدنية السودانية، يُقدِّم أطروحةً مفادها أن انهيار مسار التطبيع السوداني-الإسرائيلي ليس إخفاقاً لاتفاقيات أبراهام، بل هو نتاجٌ لاستيلاء جماعة الإخوان المسلمين على مفاصل الدولة السودانية. ويذهب المقال إلى أن الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 قد أجهض التحول الديمقراطي، وأعاد تمكين الإخوان، وعمّق التحالف السوداني-الإيراني بما ينطوي عليه من أبعاد أمنية تمس إسرائيل والبحر الأحمر.

تتناول هذه الورقة النقدية الأطروحةَ المذكورة بالتحليل الأكاديمي الرصين، مستعينةً بأدوات التحليل السياسي والتاريخي وحقوق الإنسان، من منظور أفريقي مستقل لا يتبنى مرجعيات الأطراف الإقليمية المتنافسة.


ثانياً: السياق التاريخي - من التطبيع إلى الانهيار

2-1. مسار التطبيع: الخلفية والسياق

في أعقاب سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، انخرط المكوّن المدني في الحكومة الانتقالية السودانية ضمن مفاوضات أمريكية الوساطة أُفضت إلى خارطة طريق للتطبيع مع إسرائيل، وذلك في سياق أشمل لما بات يُعرف بـ"اتفاقيات أبراهام" التي شهدت توقيع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان تفاهمات مع إسرائيل بين عامَي 2020 و2021. وقد تجلّى الموقف السوداني في القرار التاريخي الصادر في أكتوبر 2020 بإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية، مقابل التزامات للتطبيع مع إسرائيل، في صفقة ربطت بين المسار الأمني-المالي والمسار الدبلوماسي بصورة إشكالية.

غير أن الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021 أسدل الستار على هذا المسار. وجاء اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ليُعيد تشكيل المشهد السوداني بصورة جذرية، متجاوزاً الإطار التحليلي الذي تقدمه أطروحة مركز القدس.


ثالثاً: تشريح الأطروحة - نقاط القوة والإشكاليات

3-1. نقاط القوة في الأطروحة

لا يخلو المقال من ملاحظات تحليلية صحيحة في بعض جوانبها:

أ. التشخيص الصحيح لمحدودية الانقلاب: يُصيب المقال حين يُشير إلى أن انقلاب أكتوبر 2021 أجهض المسار الديمقراطي. وهو تشخيص موثّق ومتسق مع مواقف المجتمع الدولي وهيئات حقوق الإنسان، وإن كان المقال يُعالجه من زاوية مصلحية ضيقة ترتبط بمستقبل التطبيع لا بحقوق الشعب السوداني بالدرجة الأولى.

ب. الإشارة إلى محور إيران-السودان: الحديث عن تعمّق العلاقات الإيرانية-السودانية في ظل بعض الأجندات العسكرية ليس مجرد اختراع تحليلي، إذ ثمة مؤشرات موثقة على تفاعلات تاريخية ممتدة بين البلدين، وإن تفاوتت في طبيعتها ومضمونها.

3-2. الإشكاليات التحليلية الجوهرية

تعتري الأطروحةَ إشكالياتٌ منهجية وتحليلية عميقة تستدعي المواجهة النقدية:

أ. الاختزال التفسيري: "الإخوان" كمفتاح وحيد

يعتمد المقال على نموذج تفسيري أُحادي البُعد يُرجع أزمة التطبيع السوداني في مجملها إلى الإخوان المسلمين، متجاهلاً عواملَ بنيوية أكثر تركيباً:

  • أولاً: معارضة التطبيع مع إسرائيل ليست حكراً على الإخوان في السودان، بل هي موقف شعبي واسع تشترك فيه قطاعات من المجتمع المدني والقوى السياسية اليسارية والوسطية والقومية وحتى الليبرالية، وتغذّيه القضية الفلسطينية التي تظل مرجعاً أخلاقياً وسياسياً حيّاً.

  • ثانياً: الانقلاب العسكري في 2021 لم يكن انقلاباً "إخوانياً" بالمعنى المباشر، بل كان بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو ما يُعقِّد الصورة التي يرسمها المقال ويجعلها مُبسِّطة إلى حد الإخلال.

  • ثالثاً: اندلاع الحرب في أبريل 2023 يكشف أن الأزمة السودانية ليست أزمة "إخوانية" بامتياز، بل أزمة صراع على السلطة والثروة بين عسكريين فاقمَت التدخلات الإقليمية والدولية تعقيداتِها.

ب. توظيف الشخصيات السودانية: إشكالية التمثيل والاستدعاء

إن إشراك وزيرَين سابقَين من الحكومة المدنية السودانية في كتابة المقال يُضفي عليه طابع الشرعية "السودانية"، غير أن ذلك يستوجب تدقيقاً نقدياً:

  • تمثيل هذين الوزيرَين لا يعكس بالضرورة التوجه العام للمجتمع المدني السوداني.
  • السياق الذي يُقدَّم فيه صوتهما — مركز إسرائيلي بهوية أمنية ـ يجعل المخرج التحليلي محكوماً سلفاً بأجندة المؤسسة المضيفة.
  • التجارب الشخصية لمسؤولين سابقين لا تُشكّل مرجعاً موضوعياً كافياً للتحليل البنيوي.

ج. غياب البُعد الإنساني

الأكثر إشكالية في الأطروحة هو غياب شبه تام لحقوق الإنسان السوداني كمرجعية مستقلة. فالمقال يُناقش مستقبل التطبيع وأمن إسرائيل والبحر الأحمر بينما يدور في السودان نزاعٌ مسلح وصفته هيئات أممية بأنه من أشد الأزمات الإنسانية حدةً في العالم. هذا الغياب ليس مجرد نقص توثيقي، بل هو إشكالية أخلاقية ومنهجية تطعن في مصداقية الإطار التحليلي برمته.


رابعاً: تحليل الخطاب - بنية الأطروحة ومآلاتها

4-1. الإطار الخطابي: "القصة المقطوعة"

يُنهي المقال بجملة لافتة: "قصة السودان واتفاقيات أبراهام ليست قصة إخفاق، بل قصة انقطاع." هذه الصياغة تحمل دلالات خطابية عميقة:

  • التأطير الإيجابي الدفاعي: تحويل الفشل الدبلوماسي إلى حالة طارئة عابرة.
  • إعادة إنتاج الأمل: خلق سردية "الاستمرارية الممكنة" لإبقاء مسار التطبيع حياً في الوجدان السياسي رغم الواقع المعاكس.
  • التضمين التوقعي: القول بأن ما انقطع يمكن استئنافه متى زال ما اعتُبر سبباً للانقطاع.

4-2. الشروط المطروحة: من يفرض على من؟

يضع المقال شروطاً لاستئناف مسار التطبيع: إنهاء الحرب، استعادة الحكم المدني، تفكيك شبكات الإخوان، وتعطيل محور إيران-السودان. والمفارقة أن هذه الشروط - بصياغتها هذه - لا تُعبّر عن احترام إرادة الشعب السوداني، بل تُقدّم أجندةً أمنية-إسرائيلية مُلبَّسةً في ثياب إصلاحية. فضلاً عن أن إشراط التطبيع بـ"تفكيك شبكات الإخوان" يُوحي بأن مستقبل السودان السياسي يجب أن يكون رهينة توافقه مع المصالح الإسرائيلية.


خامساً: السودان والأمن الإقليمي - قراءة مستقلة

5-1. البحر الأحمر: تعدد الفاعلين وتشابك المصالح

صحيحٌ أن المنطقة الاستراتيجية للبحر الأحمر باتت محوراً للمنافسة الإقليمية والدولية المتصاعدة. غير أن حصر هذه المعادلة في إطار ثنائي (السودان-إيران في مواجهة إسرائيل) يُبسّط مشهداً بالغ التعقيد يضم فاعلين متعددين: الإمارات وقطر وتركيا والسعودية ومصر وإريتريا وإثيوبيا وروسيا وأمريكا — كلٌّ منهم يسعى لتعزيز نفوذه في هذا الممر الاستراتيجي.

5-2. الصراع السوداني: تحليل بنيوي بديل

إن الأزمة السودانية في جوهرها ليست أزمة هوية أيديولوجية (إسلاموية في مواجهة ليبرالية) بقدر ما هي أزمة مركّبة تنسج بين عدة عوامل:

  • اقتصاد الحرب: شبكات الذهب والموارد الطبيعية ومصالح المجموعات شبه العسكرية.
  • أزمة الدولة: هشاشة مؤسسات ما بعد البشير وعجز الانتقال السياسي.
  • التدخل الإقليمي: توظيف الأطراف الإقليمية للصراع بما يخدم مصالحها.
  • الإرث الاستعماري: الحدود والتوزيع الجغرافي للموارد والهويات المتداخلة.

سادساً: موقف مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا

ينطلق المركز في قراءته من مرجعيات ثلاث:

أولاً: حقوق الإنسان السوداني أولاً

أي نقاش عن مستقبل السودان السياسي — بما في ذلك علاقاته الدولية — يجب أن يضع في مركزه حماية المدنيين وإيقاف الحرب ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. قبل الحديث عن التطبيع، ثمة ملايين المُهجَّرين وآلاف القتلى ومجتمعات ممزقة تستحق الأولوية المطلقة.

ثانياً: السيادة الشعبية

مستقبل علاقة السودان بإسرائيل أو غيرها قرار يخص الشعب السوداني وتعبيراته الديمقراطية الحرة، لا المعادلات الأمنية الإقليمية أو اشتراطات المؤسسات الأجنبية.

ثالثاً: رفض التوظيف الخارجي للأزمة السودانية

تُلاحظ المركز أن الأزمة السودانية تتعرض لتوظيفات متعددة — إيرانية وإسرائيلية وإماراتية وغيرها — وأن كل هذه التوظيفات تُقدّم مصالحها بمعطف الإصلاح والديمقراطية. ويرفض المركز هذه المقاربات جميعها ويدعو إلى أفريقية الحل السوداني بمرجعية الاتحاد الأفريقي والمجتمع المدني السوداني.


سابعاً: خلاصة وتوصيات

7-1. خلاصة التقييم

أطروحة مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية وثيقةٌ ذات قيمة في رصد الخطاب الإسرائيلي تجاه السودان، غير أنها تفتقر إلى:

  • الموضوعية التحليلية بسبب ارتباطها بأجندة مؤسسية واضحة.
  • الشمولية التفسيرية بسبب اختزالها الأزمة السودانية في متغير واحد.
  • المرجعية الحقوقية بسبب تغييبها مصالح الإنسان السوداني.
  • الدقة التاريخية بسبب تبسيطها للتعقيد البنيوي للأزمة.

7-2. توصيات بحثية وحقوقية

على مستوى البحث والتحليل:

  • دراسة العلاقة السودانية-الإسرائيلية في سياقها التاريخي الكامل، بعيداً عن الاختزال الأيديولوجي.
  • إيلاء الاعتبار الكافي لتعدد الفاعلين في الأزمة السودانية وتجنب النماذج التفسيرية الأحادية.
  • إدماج البُعد الحقوقي الإنساني كمرجعية مستقلة لا كهامش في أي تحليل للملف السوداني.

على مستوى السياسات:

  • أي مسار لإعادة تأهيل العلاقات الدولية للسودان يجب أن يشترط وقف الحرب ومحاسبة مرتكبي الجرائم وتأمين العودة الطوعية للمُهجَّرين.
  • على المجتمع الدولي التمييز بين الحلول التي تخدم الشعب السوداني وتلك التي تخدم أجندات إقليمية ودولية متنافسة.
  • دعم دور الاتحاد الأفريقي كإطار مرجعي أساسي في البحث عن حل للأزمة السودانية.

صدر عن: مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا إعداد: الباحث الكرتي / HA-ALKRTY تاريخ الإصدار: يونيو 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي