الأنهار العابرة للحدود حول العالم واستراتيجية الدبلوماسية الوقائية ومنع النزاعات المدمرة- نهر النيل نموذجاً: الأنهار العابرة للحدود في أفريقيا - خريطة بؤر التوتر: القانون الدولي للمياه- الإطار المرجعي

 


مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا

Centre for Truth and Knowledge for Human Rights — Africa


الأنهار العابرة للحدود حول العالم واستراتيجية الدبلوماسية الوقائية ومنع النزاعات المدمرة- نهر النيل نموذجاً



تأليف: HA-ALKRTY - باحث حقوقي وأكاديمي المرجع: CTK-AF/2026/WR-04 التاريخ: يونيو 2026


مقدمة

في عالمٍ تتشابك فيه مصالح الدول وتتقاطع حدودها الجغرافية فوق شرايين الحياة المائية، تُمثّل الأنهار العابرة للحدود إحدى أعقد معضلات الحوكمة الدولية في القرن الحادي والعشرين. فهي لا تحمل الماء وحده، بل تحمل معها ثقل التاريخ، وتوترات الهوية، وأبعاد الأمن القومي، ومتطلبات التنمية الاقتصادية، في تشابكٍ يجعلها بؤراً محتملة للنزاعات بين الدول المتشاطئة. ومع تصاعد وتيرة التغير المناخي وتراجع الموارد المائية العذبة عالمياً، بات التنافس على حصص المياه يُهدّد بتحويل الأحواض المائية المشتركة إلى ساحات مواجهة دبلوماسية أو عسكرية.

غير أن هذا المشهد القاتم لا يخلو من إمكانيات واعدة؛ إذ تُشكّل الأنهار العابرة للحدود - حين تُدار بحكمة وعدالة — منصاتٍ طبيعية للتعاون الإقليمي، وبناء الثقة، وترسيخ اتفاقيات الأمن المشترك. ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الوقائية بوصفها أداةً استراتيجية لا غنى عنها في حوض أيّ نهر دولي، إذ تسعى إلى استبدال منطق التنافس الصفري بمنطق التكاملية المشتركة، وإلى تحويل المياه من مصدر توتر إلى رابطة تضامن.

يتخذ هذا البحث من نهر النيل نموذجاً تحليلياً مركزياً، لما يمثّله هذا النهر من حالة استثنائية في الجغرافيا السياسية العالمية: فهو الأطول عالمياً، والمتدفق عبر أحد عشر دولة، وقد ظل لعقود رهينةً معادلاتٍ استعمارية جائرة تحكّمت في توزيع مياهه، وأفضت إلى توترات متراكمة بلغت ذروتها مع قيام إثيوبيا ببناء سد النهضة الإثيوبي الكبير. ويُجري البحث مقاربات مقارنة مع أحواض نهرية دولية أخرى حول العالم وفي أفريقيا، لاستخلاص دروس عملية وتوصيات سياساتية موجّهة لمنظومة الدبلوماسية الوقائية.


أولاً: الأنهار العابرة للحدود - الظاهرة وأبعادها

1.1 الحجم والانتشار العالمي

تُشير بيانات برنامج أوريغون لإدارة النزاعات المائية إلى وجود ما يزيد على 286 حوضاً نهرياً عابراً للحدود حول العالم، تغطي نحو 47% من مساحة اليابسة الكوكبية، وتضمّ داخلها ما يتراوح بين 148 و153 دولة ذات سيادة. وتعيش فيها ما يقارب 40% من سكان المعمورة، فضلاً عن أنها تستوعب ما يقارب 60% من إجمالي جريان المياه العذبة السطحية.

1.2 أبرز الأنهار العابرة للحدود حول العالم

أ) الدانوب — أوروبا يُعدّ نهر الدانوب أكثر الأنهار الدولية اكتظاظاً من حيث الدول المشتركة في حوضه، إذ يعبر أراضي 18 دولة أوروبية، ويمتد لما يزيد على 2,860 كيلومتراً. وقد أسهم في بناء هيكل تعاوني متقدم تجسّد في اتفاقية بخارست (1998) ولجنة حماية نهر الدانوب الدولية (ICPDR)، التي تُعدّ اليوم نموذجاً مرجعياً للحوكمة المائية التعاونية.

ب) الأمازون — أمريكا الجنوبية يُشكّل الأمازون وروافده منظومة مائية تمتد عبر 9 دول، وتضمّ الحوض المائي الأكثر ثراءً في التنوع الأحيائي على وجه الأرض. وقد أنشأت دول حوضه عام 1978 معاهدة التعاون الأمازوني (ACTO)، غير أن الضغوط المرتبطة بإزالة الغابات وتغيّر المناخ باتت تُهدّد التوازن الهيدرولوجي للحوض.

ج) ميكونغ — جنوب شرق آسيا يتدفق ميكونغ من المرتفعات الصينية التبتية عبر 6 دول (الصين، ميانمار، تايلاند، لاوس، كمبوديا، فيتنام)، ويُغذّي نحو 70 مليون شخص. وتُشكّل سيطرة الصين على روافده العلوية عبر بناء السدود المتتالية محور توترات متصاعدة مع دول المصب، وهو ما أضحى نموذجاً مُحذِّراً من خطر هيمنة دولة المنبع.

د) سيرداريا وأموداريا — آسيا الوسطى تُعدّ هاتان الرافدتان اللتان تصبّان في بحر آرال من أكثر حالات الفشل المائي الإقليمي دراماتيكيةً في التاريخ المعاصر؛ فقد أفضت سياسات الري السوفييتية غير المنضبطة إلى تجفيف بحر آرال بنسبة تتجاوز 90% من حجمه الأصلي، محوّلةً إياه إلى كارثة بيئية وإنسانية لم تُسوَّ تداعياتها حتى اليوم.

هـ) ميكونغ، ميكونغ، إيندوس — جنوب آسيا يجري نهر السند (إيندوس) عبر الصين والهند وباكستان في ظل معادلة جيوسياسية شديدة الهشاشة؛ وقد أسهمت معاهدة مياه السند (1960) التي رعتها البنك الدولي في تهدئة النزاع الهندي-الباكستاني لعقود، غير أنها باتت تواجه ضغوطاً متزايدة في ضوء التوترات المستمرة بين البلدين.


1.3 الأنهار العابرة للحدود في أفريقيا - خريطة بؤر التوتر

تزخر القارة الأفريقية بعدد من أكثر الأحواض النهرية الدولية تعقيداً وإثارةً للتنازع، نظراً لما تتسم به من تشابك بين الإرث الاستعماري، وهشاشة مؤسسات الدولة، وضغوط التنمية، وتراجع الموارد المائية في السياقات المناخية.

أ) حوض نهر النيل الأطول في العالم (6,695 كم)، يمر عبر 11 دولة: بوروندي، رواندا، تنزانيا، أوغندا، الكونغو الديمقراطية، كينيا، إثيوبيا، إريتريا، السودان، جنوب السودان، ومصر. ويُمثّل نموذج التوتر الأكثر اشتعالاً في القارة في مرحلتنا الراهنة.

ب) حوض نهر الكونغو (زائير) ثاني أكبر أحواض التصريف في العالم من حيث الإيراد المائي، يعبر أراضي 13 دولة في وسط أفريقيا، ويمتلك إمكانات هيدروكهربائية هائلة لم تُستثمر بعد بالكامل. ورغم أن ديناميكياته السياسية لم تبلغ مستوى الأزمة المفتوحة كحال النيل، إلا أن التنافس على مشاريع السدود الكبرى يُبشّر بتوترات مستقبلية.

ج) حوض نهر الزمبيزي يجري الزمبيزي عبر 8 دول أفريقية (زامبيا، أنغولا، زيمبابوي، موزمبيق، تنزانيا، ناميبيا، بوتسوانا، ملاوي)، ويستضيف بنيات تحتية هيدروكهربائية مشتركة كسد كاريبا وسد كابورا باسا. وقد أنشأت دول الحوض السلطة الدولية لحوض الزمبيزي (ZAMCOM) عام 2004 لإدارة الموارد المشتركة، وإن ظلت آليات التنفيذ قاصرة.

د) حوض بحيرة تشاد يُعدّ انكماش بحيرة تشاد — التي فقدت نحو 90% من مساحتها منذ ستينيات القرن الماضي — من أخطر الكوارث البيئية الأفريقية ذات الأبعاد الأمنية والإنسانية. وتتشارك في الحوض أربع دول (تشاد، النيجر، نيجيريا، والكاميرون)، وقد ارتبط الانكماش ارتباطاً وثيقاً بنشوء وتمدّد جماعة بوكو حرام في المنطقة، في نموذج كاشف عن الصلة العضوية بين الأزمات المائية والأمن الإنساني.

هـ) نهر أورانج-سنكو — جنوب أفريقيا يمتد هذا النهر عبر جنوب أفريقيا وليسوتو وناميبيا وبوتسوانا، ويُديره إطار تعاوني نسبياً عبر لجنة نهر أورانج-سنكو (ORASECOM). ويُمثّل الاتفاق المبرم بين جنوب أفريقيا وليسوتو للمياه (LHWP) نموذجاً يُمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى، رغم التفاوت الجوهري في موازين القوى بين الطرفين.

و) نهر أوكافانغو يُمثّل حوض أوكافانغو — بين أنغولا وناميبيا وبوتسوانا — حالة نادرة وفريدة من نوعها، إذ أسهمت الاعتبارات البيئية وحفظ التنوع الأحيائي (دلتا أوكافانغو المدرجة في قائمة التراث العالمي) في توجيه السياسات المائية نحو التعاون بدلاً من التنافس.


ثانياً: إشكاليات الحوكمة المائية الدولية

2.1 القانون الدولي للمياه- الإطار المرجعي

يستند القانون الدولي للمياه العابرة للحدود إلى جملة من الوثائق التأسيسية، في مقدمتها:

  • اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية (1997): التي رسّخت مبدأي الاستخدام العادل والمنصف (Equitable and Reasonable Utilization) وعدم التسبب بضرر جسيم (No Harm Rule)، غير أنها لم تدخل حيّز التنفيذ إلا في عام 2014، ولا تزال محلّ تحفّظ من دول عدة.
  • مبادئ هلسنكي (1966): الصادرة عن الرابطة الدولية للقانون، والتي أرست مبادئ الاستخدام المعقول وضرورة التشاور بين الدول المتشاطئة.
  • مبادئ برلين (2004): التي وسّعت الإطار القانوني ليشمل الاعتبارات البيئية وأبعاد التنمية المستدامة.
  • قواعد ILC المتعلقة بالمياه الجوفية العابرة للحدود (2008).

2.2 مناطق الخلاف المتكررة

تتمحور النزاعات المائية عادةً حول ثلاث محاور متشابكة: أولاً، التعارض بين مبدأ السيادة الإقليمية المطلقة (الذي تتمسك به دول المنبع كإثيوبيا) ومبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة (الذي تستند إليه دول المصب كمصر والسودان). وثانياً، مسألة التوزيع العادل للعائد الاقتصادي من المشاريع الهيدروكهربائية ومشاريع الري المشتركة. وثالثاً، تحديد المسؤولية القانونية عن الأضرار البيئية العابرة للحدود، في ظل غياب آليات إلزامية للرقابة والإنفاذ.


ثالثاً: نهر النيل - التشريح العميق لأزمة مائية مزمنة

3.1 الموروث الاستعماري وجذور الأزمة

لا يمكن فهم النزاع على مياه النيل دون الرجوع إلى الطبقات التاريخية التي أرستها القوى الاستعمارية. ففي عام 1929، أبرمت بريطانيا وإيطاليا وبلجيكا اتفاقيةً تمنح مصر حق النقض (الفيتو) على أي مشاريع مائية في المنبع، وتُخصّص لها 48 مليار متر مكعب سنوياً. ثم جاءت اتفاقية 1959 بين مصر والسودان لتُعيد اقتسام المياه بينهما بإجمالي 84 مليار متر مكعب، دون أن تُشرك سائر دول الحوض في التفاوض.

هذا الإقصاء الجماعي لدول منابع النيل — ولا سيما إثيوبيا التي تُسهم بنحو 85% من إيراد النيل الأزرق - كان القنبلة الموقوتة التي انفجرت مع الإعلان عن مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) عام 2011.

3.2 سد النهضة - من التوتر إلى حافة المواجهة

يُمثّل سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) أكبر مشاريع البنية التحتية الكهرومائية في أفريقيا، بسعة تخزينية تبلغ 74 مليار متر مكعب وقدرة توليد مخططة تصل إلى 6,450 ميغاواط. وقد أشعل هذا المشروع جدلاً حاداً انتقل من القاعات الدبلوماسية إلى خطاب تصعيدي اقترب أكثر من مرة من حافة المواجهة المسلحة:

  • الموقف المصري: يرى أن ملء السد يُهدد حصة مصر المائية المقدّرة بـ55.5 مليار متر مكعب سنوياً، ويُمثّل تحدياً وجودياً لدولة تعتمد على النيل بنسبة 97% من مواردها المائية. وقد ذهبت القاهرة بالأزمة إلى مجلس الأمن الدولي عام 2020، مطالبةً بإلزام إثيوبيا بالتفاوض في إطار مُلزِم.
  • الموقف الإثيوبي: يؤكد الحق السيادي الكامل في تطوير مواردها الطبيعية من أجل التنمية الاقتصادية، ويرفض أي اتفاقية تُكرّس ما يصفه بـ"الهيمنة التاريخية غير المشروعة" على مياه النيل.
  • الموقف السوداني: تموضع معقّد ومتذبذب بين القطبين، إذ تستفيد الخرطوم من الكهرباء الإثيوبية وتأثيرات التنظيم على فيضانات النيل الأزرق، غير أنها تشترك مع مصر في بعض المخاوف المائية الاستراتيجية.

3.3 اتفاقية إطار عنتيبي (CFA) — اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل

وقّعت دول منابع النيل (إثيوبيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، كينيا، بوروندي) على اتفاقية عنتيبي لعام 2010 التي تُعيد التوزيع العادل للمياه ولا تعترف بالحصص الاستعمارية التاريخية. وقد رفضت مصر والسودان الانضمام إليها، فيما دخلت حيز التنفيذ عام 2024 بعد مصادقة ست دول. وتُمثّل هذه الاتفاقية منعطفاً تاريخياً في إعادة تشكيل موازين القوى القانونية في الحوض.


رابعاً: الدبلوماسية الوقائية — النظرية والتطبيق في الأحواض المائية الدولية

4.1 المفهوم والأطر النظرية

يُعرِّف الأمين العام للأمم المتحدة الدبلوماسية الوقائية بأنها "الإجراءات الرامية إلى منع نشوء النزاعات بين الأطراف أو تصعيدها أو امتدادها". وفي السياق المائي، تتضمن ثلاثة مستويات تدخّل متكاملة:

المستوى الهيكلي: يشمل إنشاء هيئات إدارة مشتركة دائمة، وأطر تقاسم المعلومات والبيانات الهيدرولوجية، وإرساء آليات الإنذار المبكر لرصد حالات الشح أو التغيّر المناخي.

المستوى الوظيفي: يتضمن التفاوض على اتفاقيات تقاسم الأعباء والمنافع، وإدارة المنشآت المشتركة، والتحكيم الإلزامي للنزاعات الفنية.

المستوى التحويلي (Transformative): يستهدف تغيير الإدراك المتبادل للمياه من موارد متنافَس عليها إلى أصول مشتركة ذات إدارة تكاملية، بما يُرسّخ ثقافة التعاون على المدى البعيد.

4.2 دروس مستفادة من تجارب دولية ناجحة

درس إيندوس — الهند وباكستان: على الرغم من عداء متجذّر يمتد عقوداً، ظلّت معاهدة مياه السند (1960) سارية خلال ثلاث حروب بين البلدين، وهو ما يُثبت أن الاتفاقيات المائية يمكن أن تكون أكثر متانةً من التحالفات السياسية. ويعزو المحللون ذلك إلى الطابع التقني المحدّد للاتفاقية، والى دور الوساطة الدولية (البنك الدولي)، وإلى الانفصال المقصود بين مسارات المياه والمسارات السياسية الأشمل.

درس الدانوب — أوروبا: تُبيّن تجربة لجنة حماية نهر الدانوب الدولية أن التعاون في الشؤون البيئية يُمكن أن يشكّل بوابةً لبناء ثقة أوسع بين الدول، وأن إدراج المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في الحوكمة يُعزّز الاستدامة السياسية للاتفاقيات.

درس ميكونغ — جنوب شرق آسيا: يُجسّد نموذجاً تحذيرياً مقابلاً؛ ذلك أن هيمنة دولة المنبع (الصين) على مياه النهر عبر السدود، وعدم انضمامها للجنة نهر ميكونغ (MRC)، حوّل الحوض إلى مصدر توتر بنيوي لا تستطيع المؤسسات الإقليمية معالجته دون إشراك صيني فعلي.


خامساً: الأزمات المائية الأفريقية - من البيئي إلى الأمني

5.1 نموذج بحيرة تشاد - التسلسل من الأزمة البيئية إلى الأزمة الأمنية

تُعدّ بحيرة تشاد دراسة حالة بالغة الدلالة على الصلة العضوية بين تدهور الموارد المائية والأمن الإنساني. فبين عامَي 1963 و2010، انكمشت مساحة البحيرة من 25,000 كيلومتر مربع إلى ما دون 2,000 كيلومتر مربع، في حدث جغرافي هو الأسرع في التاريخ المعاصر. وقد أفضى ذلك إلى:

  • نزوح أكثر من 2.4 مليون شخص (2020)، وفقاً لأرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
  • انهيار اقتصادات الصيد والزراعة التي كانت تُعيل أكثر من 30 مليون شخص على امتداد رقعة جغرافية تمتد في أربع دول.
  • تغذية بيئة الفقر والتهميش التي أجّجت تجنيد جماعة بوكو حرام وعمليات الاتجار بالبشر في المنطقة.

5.2 نموذج نهر الكونغو — الإمكانيات الضخمة والمخاطر الكامنة

يستوعب حوض الكونغو نحو 52% من المياه السطحية في أفريقيا، ويمتلك مشروع إنغا الكبير المقترح في الكونغو الديمقراطية إمكانات توليد كهربائي تبلغ 40,000 ميغاواط، أي ما يكفي لتغطية 40% من احتياجات القارة الأفريقية من الكهرباء. غير أن هذه الإمكانات الهائلة مكبّلة بتوترات سياسية بين دول الحوض، وبضعف آليات التمويل والحوكمة المشتركة، ما يحوّلها إلى فرصة مهدورة بدلاً من أن تكون محرّكاً للتكامل الإقليمي.


سادساً: توصيات سياساتية — نحو دبلوماسية مائية وقائية فعّالة

على مستوى الدول المتشاطئة:

أولاً: مراجعة الاتفاقيات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية وإعادة التفاوض عليها في إطار متعدد الأطراف يُشرك جميع دول الحوض على قدم المساواة، مع التوقف عن التمسك بنصوص أُبرمت في غياب الأطراف الأكثر تأثراً.

ثانياً: إنشاء لجان تقنية مشتركة دائمة معنية بمشاركة البيانات الهيدرولوجية في الوقت الفعلي، وهو ما يُقلّص الفجوة المعلوماتية التي تُغذّي كثيراً من التصعيد غير الضروري.

ثالثاً: اعتماد مبدأ "التكاملية المائية" بديلاً عن منطق التنافس الصفري، من خلال الربط بين مشاريع التنمية المشتركة (الري، الكهرباء، إدارة الفيضانات) بحيث تتقاسم كل الدول عائداً ملموساً من الموارد المائية.

على مستوى الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية:

أولاً: تفعيل الإطار الاستراتيجي للمياه في أفريقيا (AMCOW) وتحويله إلى هيئة قرار فعلية لا مجرد منتدى تشاوري، مع إعطائه صلاحيات التحكيم الإلزامي في النزاعات المائية بين الدول الأعضاء.

ثانياً: إدراج بُعد الأمن المائي ضمن هياكل تحليل النزاعات المبكرة لدى الاتحاد الأفريقي، وربطه بآليات الدبلوماسية الوقائية على مستوى القارة.

ثالثاً: التفاوض على ميثاق أفريقي للحوكمة المائية يُرسّخ الحقوق المائية كحق إنساني أصيل، ويُحدّد معايير عادلة للاستخدام والتطوير على مستوى القارة.

على المستوى الدولي:

أولاً: مطالبة مجلس الأمن الدولي بمعالجة النزاعات المائية ضمن أجندة الأمن الدولي الأشمل، لا الاكتفاء بالإحالة إلى إطار القانون الدولي الاختياري الذي تتهرب منه الدول ذات النفوذ.

ثانياً: تفعيل دور المحكمة الدولية لحقوق البحار (ITLOS) وبروتوكولات التحكيم المنصوص عليها في اتفاقية قانون المجاري المائية الدولية (1997) لإلزامية الفصل في النزاعات المائية.

ثالثاً: توجيه آليات التمويل المناخي الدولي (صندوق المناخ الأخضر، الصناديق التكيّفية) نحو تمويل مشاريع التعاون المائي العابر للحدود في أفريقيا، بحيث يصبح التعاون أكثر جدوى اقتصادياً من التنافس.


خاتمة

تُؤكّد الشواهد المقارنة التي استعرضها هذا البحث أن النزاعات المائية ليست قدراً محتوماً، بل هي في معظمها نتاج قصور في الرؤية السياسية، وضعف في المؤسسات التعاونية، وإرثٍ استعماري لم يُطوَ بعد. وتُثبت التجارب الناجحة — من الدانوب إلى نهر السند إلى بعض مبادرات أحواض جنوب أفريقيا — أن الدبلوماسية الوقائية المُصمَّمة بعناية وتشاركية يمكن أن تُحوّل الأنهار العابرة للحدود من خطوط تصدّع إلى خيوط تعاون.

أما نهر النيل، فيقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما إعادة تأسيس حوكمته على قواعد العدالة والإنصاف والمشاركة الحقيقية لجميع دول الحوض، وإما الانزلاق نحو حالة من التوتر المزمن التي ستُعمّق التبعية، وتُغذّي الهشاشة، وتُحوّل النعمة المائية إلى لعنة جيوسياسية. وهذا الاختيار ليس اختيار دولة بعينها؛ بل هو اختيار جماعي تقع مسؤوليته على عاتق دول الحوض مجتمعةً، وعلى عاتق المنظومة الدولية المعنية بصون السلم والأمن الإنسانيَّين.


المراجع والمصادر

  • United Nations. (1997). Convention on the Law of the Non-Navigational Uses of International Watercourses. UN General Assembly Resolution A/RES/51/229.
  • Nile Basin Initiative. (2020). State of the River Nile Basin Report. Entebbe: NBI Secretariat.
  • Wolf, A. T., Stahl, K., & Macomber, M. F. (2003). Conflict and Cooperation within International River Basins. Environment and Natural Resources Journal, 58(2), 29-40.
  • de Waal, A. (2019). The Real Politics of the Horn of Africa. Cambridge: Polity Press.
  • UNEP. (2016). Transboundary River Basins: Status and Trends. Nairobi: UNEP.
  • International Crisis Group. (2021). A New Approach to Averting an Ethiopia-Egypt Water War. Africa Report N°305. Brussels: ICG.
  • African Ministers' Council on Water (AMCOW). (2018). Status Report on the Implementation of Integrated Water Resources Management in Africa. Abuja: AMCOW Secretariat.
  • Swain, A. (2011). Challenges for Water Sharing in the Nile Basin. Hydrolic Science Journal, 56(4), 687-702.
  • Whittington, D., Waterbury, J., & Jeuland, M. (2014). The Grand Ethiopian Renaissance Dam and Prospects for Cooperation on the Eastern Nile. Water Policy, 16(4), 595-608.
  • Lake Chad Basin Commission (LCBC). (2022). Lake Chad: A Disappearing Wonder and Climate-Security Nexus. N'Djamena: LCBC.
  • African Union Commission. (2014). African Water Vision 2025. Addis Ababa: AUC.
  • Gleick, P. (ed.). (2014). The World's Water: The Biennial Report on Freshwater Resources (Vol. 8). Washington DC: Island Press.

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا جميع حقوق النشر محفوظة © 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي