على أبناء كردفان ودارفور التوقف عن القتال بالوكالة: الزج بالهشاء في الحروب جريمة: البُعد الاجتماعي-السياسي: من يكسب ومن يخسر؟ يُزجّ بأبناء كردفان ودارفور - المهمّشين أصلاً - في جحيم معارك يدفعون فيها أرواحهم ودماءهم

على أبناء كردفان ودارفور التوقف عن القتال بالوكالة

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا




على أبناء كردفان ودارفور التوقف عن القتال بالوكالة: الزج بالهشاء في الحروب جريمة: البُعد الاجتماعي-السياسي: من يكسب 
ومن يخسر؟  يُزجّ بأبناء كردفان ودارفور - المهمّشين أصلاً - في جحيم معارك يدفعون فيها أرواحهم ودماءهم


التاريخ: 24 يونيو 2026
الصنف: بيان موقف وتحليل سياسي-حقوقي
الباحث والمحرر: الباحث الكرتي / HA-ALKRTY


ديباجة

في زمنٍ تتحوّل فيه الأجساد الفقيرة إلى وقودٍ لحروب الأثرياء والنافذين، وتُستنزف فيه دماء المهمّشين في معارك لا تعنيهم ولا تبني لهم وطناً، يرفع مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا صوته صريحاً وجريئاً: كفى استخداماً للفقراء وقوداً في حرب النخب.

هذا البيان ليس خطاباً في الحياد، وليس نداءً للتخاذل؛ بل هو موقف مبدئي راسخ ينطلق من قناعة حقوقية وأخلاقية عميقة مفادها: أن المقاتل الذي يحمل السلاح لحساب طرفٍ لا يمثّله، في حرب لا تحقق له شيئاً، إنما هو ضحيةٌ قبل أن يكون جنديّاً.


أولاً: المشهد الراهن - تشريح الاستغلال

منذ اندلاع نزاع الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تحوّل أبناء كردفان ودارفور - وهم من أكثر المجتمعات السودانية هشاشةً اقتصادياً واجتماعياً، ومظلوميةً تاريخيةً متراكمة - إلى وقودٍ بشري في معركةٍ هي في جوهرها صراع نخبوي على السلطة والثروة لا على مصالحهم هم.

يُحشد أبناء هذه المناطق في صفوف القوات المسلحة أو التشكيلات الموالية للجيش، بذرائع متعددة: الانتماء القبلي، والمال، والضغط المجتمعي، والتعبئة الطائفية والعشائرية. غير أن الواقع يكشف مفارقةً صارخة لا يمكن القفز عليها:

فبينما يُزجّ بأبناء كردفان ودارفور - المهمّشين أصلاً - في جحيم معارك يدفعون فيها أرواحهم ودماءهم ثمناً، تنأى قبائل وجماعات شمال السودان المحسوبة على المؤسسة العسكرية وقياداتها التاريخية بنفسها عن هذه الحرب، ولا تُقدّم أبناءها للمحرقة ذاتها.

هذه المعادلة البشعة ليست محض مصادفة؛ إنها بنيةٌ ممنهجة من الاستغلال الهيكلي الذي يُعيد إنتاج اللامساواة ويُعمّق الجرح السوداني.


ثانياً: التحليل الحقوقي - الزج بالهشاء في الحروب جريمة

1. البُعد القانوني الدولي

يُرسي البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف لعام 1977 المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية جملةً من الضمانات الصريحة؛ فهو يُحرّم التجنيد القسري والضغط على الأفراد للانتساب إلى أطراف النزاع، ولا سيما حين يجري ذلك بالإكراه الاقتصادي أو الضغط المجتمعي الذي يُفضي إلى تجنيد شبه إجباري.

وفي السياق ذاته، يُعرّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الإقحامَ الممنهج للمدنيين وشبه المدنيين في صراعاتٍ دون توافر الإرادة الحرة الحقيقية والمستنيرة بوصفه ضرباً من التجنيد القسري، وهو فعلٌ قد يرقى في سياقاته إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية متى ثبت أنه جزء من نمط ممنهج وواسع النطاق.

أما المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، فتُلزم أطراف النزاع بالامتناع عن توظيف الهشاشة الاقتصادية للمجتمعات ذريعةً لتجنيدها في العمليات العسكرية.

2. البُعد الأخلاقي والحقوقي

يتجاوز الأمرُ النصوصَ القانونية إلى مبدأٍ حقوقي جوهري: إن الفقر ليس عقداً للموت. والفرد الذي يلتحق بصفوف أي طرف مدفوعاً باليأس الاقتصادي، أو خضوعاً لإكراه اجتماعي وعشائري، لا يمكن وصفه بالمقاتل الطوعي بالمعنى الكامل.

كما أن التفاوت الفاضح في أعباء الحرب - إذ يُقاتل أبناء المناطق المهمشة بينما تُحجم النخب وقبائل الوسط عن تقديم أبنائها — هو شكلٌ من أشكال التمييز البنيوي الذي يرسّخ عبودية الحروب التاريخية.

3. البُعد الاجتماعي-السياسي: من يكسب ومن يخسر؟

أيّ عقلٍ تحليلي نزيه يطرح هذا السؤال الجوهري: ماذا سيربح أبناء كردفان ودارفور إن انتصر الجيش؟

التاريخ السوداني يُجيب ببساطة مُرّة: لا شيء. فالنظام الذي يدافع عنه هؤلاء المقاتلون هو النظام ذاته الذي أنتج تهميشهم التاريخي، وأذاق مناطقهم الجفاف السياسي والتنموي عقوداً متتالية. إن انتصار الجيش لن يُعيد توزيع الثروة، ولن يُصلح معادلة الحكم المختلّة، ولن يجلب التنمية لكردفان أو دارفور، ولن يُنصف ضحايا الحروب السابقة.

وعليه: مَن يُقاتل أبناء هذه المناطق فعلاً؟ وفي سبيل أي مشروع؟


ثالثاً: الأسئلة التي يطرحها المركز مباشرةً

يطرح مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا هذه الأسئلة دون مراوغة أو مداراة:

أولاً: لماذا يُقاتل أبناء جبال النوبة وكردفان وجنوب دارفور في صفوف من قصف مناطقهم بالطائرات وأذاق أجدادهم الحرب والتهجير في حقب سابقة؟

ثانياً: أين أبناء قبائل الشمال النيلي المحسوبة على المؤسسة العسكرية وقياداتها؟ وإن كانت الحرب عادلة ومشروعة في نظر هذه المؤسسة، فلماذا لا تُقدّم هي ذاتها أبناءها للمحرقة بالقدر ذاته؟

ثالثاً: هل يُدرك المقاتل الكردفاني والدارفوري أنه في اللحظة التي تنتهي فيها الحرب، سيعود إلى قريته الفقيرة دون أرض أو مال أو تعليم أو صحة؛ بينما سيظل صانعو الحرب في القصور والمناصب؟


رابعاً: نداء المركز - كلام واضح لا لبس فيه

يُوجّه مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا نداءه هذا إلى أبناء كردفان ودارفور، في القرى والأرياف والمخيمات والمدن، ممن يحملون السلاح أو يُفكّرون في حمله:

توقّفوا. تأمّلوا. اسألوا أنفسكم: من يجني ثمار دمائكم؟

لستم جنود النظام. أنتم أبناء مناطق تستحق السلام والتنمية والعدالة. دماؤكم ليست أرخص من دماء غيركم. وأرواحكم ليست وقوداً لحروب تُقررها نخب لا تعيش قرب النار التي توقدونها.

إن الحرب العادلة الوحيدة هي التي تُقاتل فيها دفاعاً عن أرضك وأهلك وكرامتك المنتهكة — لا دفاعاً عن سلطةٍ طالما أقصتك وهمّشتك وزجّت بك في الهامش.


خامساً: موقف المركز من المعادلة غير المتكافئة

يُسجّل المركز بوضوح تام ما يلي:

أولاً: يرفض المركز رفضاً قاطعاً كل خطابٍ يُحرّض على حمل السلاح ويستهدف بشكل غير متكافئ المجتمعات الهشّة والمهمّشة، دون أن تتحمّل النخب السياسية والعسكرية ذاتها العبء المتساوي من التضحية.

ثانياً: يُدين المركز ظاهرة استخدام الهوية القبلية والعشائرية ذريعةً للتجنيد، وهو ما يُحوّل الهوية الثقافية أداةً للاستغلال لا رافعةً للتحرر.

ثالثاً: يُطالب المركز بفتح تحقيق مستقل في آليات التجنيد التي يجري بموجبها حشد أبناء كردفان ودارفور في صفوف أطراف النزاع، والتثبّت من مدى توافر الإرادة الحرة في هذا التجنيد.

رابعاً: يدعو المركز المجتمع الدولي ومنظمات الرصد الحقوقي إلى توثيق هذا التفاوت البنيوي في أعباء الحرب بين المجتمعات السودانية المختلفة، باعتباره مؤشراً صارخاً على التمييز الهيكلي الذي يُغذّي الأزمة.


خاتمة: عن العدالة التي لا تنتظر النصر

السودان لن يُبنى على أجساد الفقراء. والسلام لن يأتي من معادلاتٍ يدفع فيها المهمّشون ثمن حروب لم يختاروها. والعدالة لن تتحقق ما دامت أعباء الحرب وغنائمها موزّعةً بصورة تُعيد إنتاج الاستغلال التاريخي.

يؤمن المركز إيماناً راسخاً بأن السلام الحقيقي لا يُبنى بالسلاح الذي يحمله الفقير لحساب الغني؛ بل يُبنى بالعدالة التي تُنصف المهمّش قبل أن تُحيّي المنتصر.


صدر عن: مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
الباحث والمحرر: الباحث الكرتي / HA-ALKRTY
23 يونيو 2026


يحتفظ المركز بحق تعميم هذا البيان على المنظمات الدولية والهيئات الأممية وشركاء المناصرة الحقوقية في أفريقيا والعالم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي