مباحثات القدس بين إسرائيل وجنوب السودان: تقييم آفاق التعاون الأفريقي-الإسرائيلي في المجالات التقنية والزراعية والأمنية، في ضوء الالتزامات القانونية الدولية

 مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا تقرير حقوقي وجيوسياسي الباحث: HA-ALKRTY (الباحث الكرتي) الرقم المرجعي: TKHR-AF/2026/06-073 التاريخ: 30 يونيو 2026

الموضوع: مباحثات القدس بين إسرائيل وجنوب السودان: تقييم آفاق التعاون الأفريقي-الإسرائيلي في المجالات التقنية والزراعية والأمنية، في ضوء الالتزامات القانونية الدولية




الملخص التنفيذي

تتناول هذه الورقة المسار المتصاعد للعلاقات الثنائية بين دولة جنوب السودان ودولة إسرائيل، والذي بلغ ذروته الرمزية بإعلان جوبا اعتزامها جعل القدس مقراً لسفارتها، في سياق مباحثات أوسع تشمل أبعاداً تقنية وزراعية وأمنية يمكن أن تشكل، إذا أُديرت ضمن أطر قانونية ومؤسسية سليمة، نموذجاً للتعاون الأفريقي-الإسرائيلي القائم على نقل المعرفة والتكنولوجيا. غير أن المركز يرى من واجبه المنهجي عدم فصل هذا المسار التقني عن سياقه الأوسع، إذ تتقاطع هذه المباحثات زمنياً مع تقارير موثقة من وكالات أنباء دولية (رويترز، تلغراف، أسوشيتد برس) بشأن مناقشات تتعلق بإمكانية استقبال جنوب السودان لفلسطينيين من قطاع غزة ضمن ترتيبات نفتها الخارجية الجوبية رسمياً ثم تناقضت معها روايات لاحقة. هذا التقاطع يفرض على أي تحليل حقوقي رصين معالجة المسارين معاً: مسار التعاون التنموي المشروع من جهة، ومسار المخاطر القانونية المرتبطة باحتمال استخدام العلاقة الثنائية كأداة لتسهيل نقل سكاني قسري يندرج تحت طائلة القانون الجنائي الدولي، من جهة أخرى.


أولاً: السياق التاريخي والسياسي

ترجع جذور العلاقة الإسرائيلية الجنوب-سودانية إلى عقود من الدعم الاستخباراتي والعسكري السري الذي قدمته إسرائيل للحركات الانفصالية الجنوبية منذ ستينيات القرن الماضي، ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع لبناء تحالفات مع دول الأطراف المحيطة بالعالم العربي. اعترفت إسرائيل بدولة جنوب السودان في 10 يوليو 2011، عقب يوم واحد من إعلان الاستقلال، وتطورت العلاقة منذ ذلك الحين عبر زيارات متبادلة، من بينها زيارة نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي إلى جوبا، حيث تم بحث آفاق التعاون في مجالي الزراعة والعلوم والتكنولوجيا، إلى جانب دعوة رسمية لرئيس جنوب السودان لزيارة إسرائيل.

أما الإعلان الأخير حول نقل مقر السفارة إلى القدس فيمثل خطوة ذات دلالة سياسية ودبلوماسية متقدمة، تتجاوز الاعتراف الدبلوماسي العادي إلى الانحياز الصريح في قضية وضع القدس، وهي قضية لا تزال خاضعة لقرارات أممية (مثل قرار مجلس الأمن 478 لعام 1980) تعتبر أي إجراءات أحادية بشأن وضع المدينة باطلة وغير قانونية.

ثانياً: الأبعاد التقنية والعلمية للتعاون الأفريقي-الإسرائيلي

من الناحية الموضوعية، يمكن لمراكز البحث الحقوقية أن تقر بأن إسرائيل تمتلك خبرات متقدمة في عدة مجالات ذات قيمة تنموية حقيقية لدول أفريقية تعاني من فجوات هيكلية، أبرزها:

1. الزراعة وإدارة المياه: تقنيات الري بالتنقيط، والزراعة في البيئات شبه القاحلة، وتحلية المياه، وهي مجالات تمس بشكل مباشر احتياجات جنوب السودان كدولة تعاني من ضعف البنية التحتية الزراعية رغم وفرة مواردها المائية النسبية.

2. التكنولوجيا والاتصالات: برامج نقل المعرفة في الزراعة الرقمية والطاقة الشمسية، والتي قدمتها إسرائيل تاريخياً لعدد من الدول الأفريقية ضمن وكالة "ماشاف" للتعاون الدولي.

3. التعاون الأمني والاستخباراتي: وهو البعد الأكثر حساسية من منظور حقوق الإنسان، إذ إن الدعم الأمني والعسكري الإسرائيلي لجنوب السودان له تاريخ موثق يتصل ببناء الجيش الجنوب-سوداني نفسه، ما يستدعي تساؤلات جدية حول آليات الرقابة على استخدام هذا الدعم، لا سيما في ظل الانقسامات الداخلية المسلحة التي شهدتها جوبا سابقاً، وضعف آليات المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل القوات النظامية وغير النظامية على حد سواء.

من زاوية مؤسسية، يرى المركز أن أي تعاون تقني-علمي بين الدول الأفريقية وإسرائيل ينبغي أن يُقيَّم وفق معيار مزدوج: مدى إسهامه الفعلي في التنمية المستدامة وتمكين المجتمعات المحلية من جهة، ومدى خضوعه لآليات شفافية ومساءلة تحول دون توظيفه في تعزيز هياكل قمعية أو في تمرير ترتيبات تنتهك القانون الدولي الإنساني، من جهة أخرى.

ثالثاً: الإشكالية القانونية الحرجة - مخاطر توظيف العلاقة الثنائية في مسار النزوح القسري

لا يمكن لتقرير حقوقي مؤسسي أن يتجاهل المعطيات الموثقة الصادرة عن مصادر إخبارية موثوقة (رويترز، صحيفة التلغراف، أسوشيتد برس) والتي أشارت إلى مباحثات بين مسؤولين إسرائيليين ووزير خارجية جنوب السودان حول إمكانية استقبال جوبا فلسطينيين من قطاع غزة، في سياق سياسة "الهجرة الطوعية" التي روج لها مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون. وقد نفت الخارجية الجنوب-سودانية هذه التقارير رسمياً، فيما أكدت مصادر أخرى استمرار المباحثات.

من المنظور القانوني الدولي، فإن أي ترتيب يفضي إلى نقل قسري أو شبه قسري لسكان مدنيين من أرضهم، حتى وإن جرى تغليفه بمصطلح "الهجرة الطوعية"، يثير إشكاليات جوهرية تتصل بالمواد التالية:

  • المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة.
  • المادة 7(1)(د) من نظام روما الأساسي، التي تُجرّم "إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان" كجريمة ضد الإنسانية متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي.
  • مبدأ عدم الإعادة القسرية وحرية الاختيار الحقيقي، إذ يشترط القانون الدولي لاعتبار أي نزوح "طوعياً" انتفاء عناصر الإكراه المباشر وغير المباشر، بما يشمل الإكراه الناتج عن ظروف حصار أو دمار شامل للبنية التحتية أو انعدام البدائل الفعلية، وهي ظروف موثقة في قطاع غزة.

استناداً إلى ذلك، يرى المركز أن أي تعاون تقني أو زراعي أو أمني بين جوبا وتل أبيب، مهما كانت قيمته التنموية الظاهرية، يجب أن يُفصل بوضوح، تعاقدياً وسياسياً وإعلامياً، عن أي ترتيبات تتصل بإعادة توطين سكان فلسطينيين خارج إرادتهم الحرة، حتى لا يتحول التعاون التنموي المشروع إلى غطاء وظيفي لتسهيل ممارسة قد ترقى إلى جريمة دولية.

رابعاً: التحالف الأفريقي-الإسرائيلي كمشروع استراتيجي - تقييم نقدي متوازن

يطرح بعض الفاعلين، بما يشمل أوساطاً داخل جنوب السودان وعدداً من الدوائر الإسرائيلية، فكرة "تحالف أفريقي-إسرائيلي" أوسع نطاقاً، يقوم على الاستفادة الأفريقية من الخبرة التكنولوجية والزراعية الإسرائيلية مقابل تعميق الحضور الدبلوماسي والاستراتيجي الإسرائيلي في القارة. من منظور تحليلي محايد، لهذا الطرح وجهان:

من جهة، يمكن أن يشكل هذا التعاون أداة حقيقية لتجاوز فجوات تنموية مزمنة في الزراعة والمياه والطاقة، شريطة أن يُبنى على شراكة متكافئة لا تبعية، وأن تخضع مشاريعه لتقييمات الأثر البيئي والاجتماعي المعتادة.

ومن جهة أخرى، فإن السياق الإقليمي الراهن، حيث تشهد دول الجوار (السودان تحديداً) انهياراً إنسانياً متسارعاً، وحيث تتقاطع المصالح الإسرائيلية تاريخياً مع ديناميكيات التقسيم والإضعاف الإقليمي كما توثقه مصادر إسرائيلية ذاتها بشأن الدور التاريخي لجهاز الموساد في دعم انفصال الجنوب، يفرض حذراً تحليلياً من تأطير هذا التحالف بوصفه مشروعاً تنموياً محايداً دون مساءلة أبعاده الجيوستراتيجية الأوسع، بما في ذلك أثره المحتمل على توازنات الأمن الإقليمي في حوض النيل والبحر الأحمر.

يلتزم المركز بموقف مؤسسي محايد حيال الأطراف السياسية المعنية، ولا يتبنى موقفاً مسبقاً مؤيداً أو معارضاً لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الدول الأفريقية وإسرائيل في حد ذاتها، باعتبار ذلك حقاً سيادياً لكل دولة، لكنه يشدد على أن ممارسة هذا الحق يجب أن تظل، في جميع الأحوال، متسقة مع التزامات هذه الدول بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

خامساً: التوصيات

على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن: متابعة التقارير المتعلقة بمباحثات النقل السكاني المحتمل من غزة إلى جنوب السودان عبر آليات تقصي الحقائق ذات الصلة، وطلب توضيحات رسمية من الأطراف المعنية حول طبيعة هذه المباحثات ومدى توافقها مع المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.

على مستوى الاتحاد الأفريقي: وضع إطار استرشادي للدول الأعضاء بشأن معايير الشفافية الواجب توفرها في اتفاقيات التعاون التقني والأمني مع الأطراف الخارجية، بما يضمن عدم توظيف هذا التعاون في ترتيبات تمس بالتزامات الدول الأفريقية تجاه القانون الدولي الإنساني.

على مستوى حكومة جنوب السودان: الفصل الصريح والمعلن بين برامج التعاون التنموي (الزراعة، المياه، التكنولوجيا) وأي مباحثات متصلة بإعادة التوطين السكاني، وتوضيح موقفها الرسمي بشأن التقارير المتضاربة حول هذا الملف أمام الرأي العام وأمام الهيئات الأممية المعنية.

على مستوى المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الأفريقية: رصد ومتابعة تطورات هذا الملف بشكل مستقل، وتوثيق أي مؤشرات على وجود ترتيبات نقل سكاني فعلية، تمهيداً لإحالتها عند الاقتضاء إلى آليات المساءلة الدولية المختصة.


قائمة المراجع (مبدئية)

  • اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، المادة 49.
  • نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 7.
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 (1980) بشأن وضع القدس.
  • تقارير وكالة رويترز وصحيفة التلغراف البريطانية وأسوشيتد برس حول المباحثات الإسرائيلية-الجنوب سودانية (أغسطس 2025 - يونيو 2026).
  • الجزيرة نت، "رويترز: جنوب السودان يناقش مع إسرائيل تهجير فلسطينيين إلى أراضيه"، 15 أغسطس 2025.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي