مجزرة جبل العقيدات: الغارات الجوية على معدني الذهب السودانيين في شمال الوادي: مسألة الإسناد - من نفّذ الهجوم؟ صمت الحكومتين
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا تقرير حقوقي طارئ الرقم المرجعي: TCK-AF-2026-06-019 تاريخ الإصدار: 22 يونيو 2026
مجزرة جبل العقيدات: الغارات الجوية على معدني الذهب السودانيين في شمال الوادي
قراءة قانونية وحقوقية في ضوء أحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان
ملخص تنفيذي
في فجر الثلاثاء السادس عشر من يونيو 2026، وفي بقعة منسية اسمها "شمال الوادي" قرب الحدود مع مصر، سقطت طائرات مسيّرة ومدفعية ثقيلة على معدنين سودانيين عُزل، لا يحملون سلاحاً، ولا يمثلون جيشاً، ولا ينتمون إلى أي طرف من أطراف الحرب الدائرة في بلادهم، فتناثرت جثثهم على سفوح جبل العقيدات والجبل الأحمر.
يُصدر مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا هذا التقرير الطارئ توثيقاً لجريمة يُرجَّح أنها ترقى إلى مستوى الانتهاك الجسيم للقانون الدولي الإنساني، ومطالبةً بفتح تحقيق دولي مستقل وعاجل في ملابساتها.
أولاً: وقائع الحادثة - التسلسل الزمني والجغرافي
1.1 الموقع الجغرافي
تقع منطقة "شمال الوادي" في أقصى شمال الجمهورية السودانية، عند نقطة التماس مع الحدود المصرية، ضمن نطاق ولايتَي نهر النيل والبحر الأحمر. تضم المنطقة ثلاثة مواقع رئيسية للتعدين الأهلي هي: الجبل الأحمر، والجبل الأبيض، والعقيدات، وهي أراضٍ سودانية كانت تعمل فيها شركات مصرية في مجال التنقيب عن الذهب.
1.2 توقيت الهجوم ومجريات الأحداث
وقعت الغارة الأولى نحو الساعة السادسة صباحاً من يوم 16 يونيو 2026، واستهدفت منطقة "رأس الجبل" في منجم جبل العقيدات، وهو أحد أكبر مواقع التعدين الأهلي في المنطقة، إذ يعمل فيه ما بين 5 إلى 7 آلاف معدن سوداني وفق التقديرات المتاحة.
وأكد المعدنون أن المناطق التي تعرضت للهجوم كانت خالية تماماً من أي مظاهر عسكرية سودانية نظامية، وأن الهجوم الذي شنّته طائرة مسيّرة يوم الثلاثاء 16 يونيو أسفر عن عشرات المصابين الذين جرى إجلاؤهم إلى منطقة "الأنصاري" لتلقّي العلاج.
وتداول ناشطون مقاطع فيديو قالوا إنها توثق لحظة القصف والانفجارات في مواقع عمل مكتظة بالمعدنين، بينما أفاد شهود عيان بتنفيذ طائرات حربية ومسيّرات غارات متكررة يومَي الثلاثاء والأربعاء.
وأفاد عدد من الناجين بأن المنطقة شهدت تحليقاً مكثفاً للطيران وعمليات تصوير جوي قبل تنفيذ الغارات التي استُخدمت فيها صواريخ متعددة استهدفت تجمعات المعدنين. كما وثّق أحد المعدنين شظايا الصاروخ الذي استهدف المنطقة، مشيراً إلى أن الهجوم دمّر أيضاً مسجداً صغيراً أقامه المعدنون في الموقع.
1.3 حصيلة الضحايا
تتباين التقديرات الأولية للضحايا بسبب صعوبة الوصول إلى المواقع المستهدفة:
- وثّقت مصادر دارفور24 مقتل ما لا يقل عن 15 شخصاً وإصابة أكثر من 50 آخرين في الغارات الأولى.
- كشف أحد الناجين في إفادته لراديو دبنقا أنه جرى إحصاء نحو 50 قتيلاً حتى تاريخ الإدلاء بشهادته، بينما لا تزال هناك جثث متفحمة وأشلاء لم يُتمكن من حصرها، مع تقديرات أولية تشير إلى أن عدد الضحايا قد يتجاوز 100 قتيل، إضافةً إلى ما بين 50 و60 جريحاً.
- تسبّبت الهجمات في حالة واسعة من الخوف والهلع بين المعدنين، ما دفع المئات منهم إلى مغادرة مواقع التعدين سيراً على الأقدام خشية التعرض لغارات جديدة، فيما جرى نقل الفارين بواسطة مركبات إلى سوق الأنصاري في مدينة أبو حمد.
- كما وردت معلومات عن وقوع غارة موازية على منطقة جبل العقبة المجاورة دون إمكانية تأكيد حجم الخسائر فيها.
ثانياً: مسألة الإسناد - من نفّذ الهجوم؟
تُعدّ مسألة الإسناد ركيزةً محوريةً في التحليل القانوني، ويُلاحظ المركز أن المعطيات المتاحة تُشكّل مجتمعةً منظومة قرائن متسقة وإن لم ترقَ بعد إلى حدّ اليقين القضائي:
أولاً - الإسناد الشهودي: أكد الناجون أن الطائرات التي يُعتقد أنها مصرية كانت تحلق فوق المنطقة بصورة متكررة خلال الأيام السابقة للغارة، في ما يُشير إلى عملية رصد واستطلاع ممنهجة سبقت الضربة.
ثانياً - الإسناد السياقي: اتُّهم الجيش المصري بتنفيذ الهجوم بحجة توغل المعدنين إلى مواقع خاصة بالشركات المصرية العاملة في مجال التنقيب.
ثالثاً - نمط الهجمات السابق: اتّهم الناجون القوات المصرية بشنّ هجمات سابقة على المعدنين السودانيين في المنطقة، مستشهدين بحادثة وقعت في شهر رمضان الماضي وأسفرت عن مقتل عدد من المعدنين. كما أكد المعدنون أن الاعتداء ليس الأول من نوعه، إذ تكرّر أكثر من مرة، وأن الهجمات السابقة كانت ذات طابع بري قبل أن تتحوّل إلى غارات جوية.
ملاحظة منهجية: لم تُصدر الحكومة السودانية ولا المصرية أي بيان أو تصريح رسمي حول الحادث حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. يُمثّل هذا الصمت المزدوج إشكاليةً قانونيةً وسياسيةً خطيرة، ويُعرقل تحديد المسؤولية بصورة رسمية.
ثالثاً: التحليل القانوني
3.1 الإطار القانوني الناظم
تُحكم الوقائع الموثقة أحكامُ منظومة قانونية دولية متشعبة تشمل:
أ -القانون الدولي الإنساني: تُجسّد المادتان 48 و51/2 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، كما تحظر المادة 57 شنّ هجمات لا يُميَّز فيها بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. والمعدّنون الأهليون في جبل العقيدات — بلا أدنى شك - أشخاص مدنيون محميون.
ب - مبدأ التناسب: ولو افترضنا - جدلاً — وجود مسوّغ عسكري نظري لاستهداف موقع ما، فإن إلقاء قنابل على مواقع تضم آلاف العمال المدنيين يُشكّل انتهاكاً صارخاً لمبدأ التناسب المنصوص عليه في المادة 51/5/ب من البروتوكول الإضافي الأول.
ج - مبدأ الاحتياط: أثبتت شهادات الناجين وجود طيران استطلاعي سابق للضربة، ما يعني أن المنفّذين كانوا يعلمون بالطابع المدني للموقع، مما يُسقط أي ادعاء بالخطأ في تحديد الهدف.
د - انتهاك السيادة الإقليمية: إن صحّ الإسناد للقوات المصرية، فإن الضربات تُمثّل عدواناً على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وتنتهك صراحةً المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تُحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
هـ — التوصيف الجنائي المحتمل: قد ترقى هذه الأفعال إلى مستوى جرائم الحرب المنصوص عليها في المادة 8/2/ب/1 من نظام روما الأساسي، لا سيما جريمة "التعمد في توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بوصفهم مدنيين أو ضد أفراد مدنيين لا يُشاركون مباشرةً في الأعمال العدائية".
3.2 البُعد الاقتصادي والنزاع على الذهب
تستدعي الوقائع قراءةً بنيويةً لا تقتصر على اللحظة الراهنة؛ إذ تمتد سلسلة من المناطق الغنية بالذهب في منطقة "جبال الأنصاري" بمحلية أوسيف بولاية البحر الأحمر، وتنشط شركات مصرية في استثمارها بما يُولّد نزاعاً اقتصادياً هيكلياً على الموارد يُغذّي التوترات الأمنية. إن توظيف القوة العسكرية لتأمين امتيازات اقتصادية على أراضٍ سودانية يرقى إلى مستوى الاستغلال الاقتصادي المصحوب بالعنف، وهو ما يُحرّكه القانون الدولي العرفي وأحكام الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
رابعاً: السياق الأشمل - نمط متكرر وصمت مؤسسي
4.1 التصعيد من البري إلى الجوي
ما يُقلق في هذه الحادثة ليس فقط حجم الضحايا، بل التطور النوعي في طبيعة العنف؛ إذ انتقل النزاع من مواجهات برية متفرقة إلى ضربات جوية ممنهجة. هذا التحوّل يُنذر بتصعيد خطير يستوجب تدخلاً دولياً استباقياً.
4.2 صمت الحكومتين
وصف القيادي السوداني حاج ماجد سوار الحادثة بأنها "مجزرة وجريمة بشعة مكتملة الأركان وعدوان سافر على السيادة الوطنية يستوجب تحركاً عاجلاً"، مطالباً الحكومة والقوات المسلحة السودانية بإصدار بيان شافٍ لا ينبغي أن يتأخر.
ويرى المحللون أن غارة شمال الوادي ليست حادثة معزولة، بل تأتي في سياق أشمل من الأنماط السياسية التي تُضعف الموقف التفاوضي السوداني أمام الضغوط الإقليمية.
4.3 الأثر الإنساني المركّب
تتضافر هذه الحادثة مع السياق الإنساني الكارثي في السودان؛ فقد تسبّبت الهجمات في حالة واسعة من الخوف والهلع بين المعدنين، ما أفضى إلى نزوح جماعي طارئ وفقدان مصادر الرزق لآلاف العمال.
خامساً: مواقف الأطراف المعنية
لا تزال المواقف الرسمية غائبةً إلى حد بعيد؛ غير أن المجتمع المدني أبدى ردود فعل واضحة:
- أصدر حزب الشعب السوداني بياناً يُشير إلى أن العملية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى بين المعدنين السودانيين العُزل، وانتقد بشدة صمت السلطات السودانية.
- طالبت جهات سياسية بإجراء تحقيق دولي مستقل في الحادثة.
- دعا عدد من المعلّقين المجتمعَ الدولي والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى رصد ومتابعة الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني والعمل على كبح الأطماع المدمّرة في المنطقة.
سادساً: موقف المركز وتوصياته
يُعرب مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا عن إدانته القاطعة لهذه الجريمة، ويُطالب بما يأتي:
أولاً - التحقيق الفوري: إجراء تحقيق دولي مستقل وعاجل تُشرف عليه الأمم المتحدة لتحديد هوية المنفّذين والمسؤولين القانونيين والسياسيين عن الأوامر الصادرة بتنفيذ الهجمات.
ثانياً - الوقف الفوري: وقف جميع العمليات العسكرية في منطقة شمال الوادي وضمان وصول العمال المدنيين إلى مواقع عملهم دون تهديد.
ثالثاً - المحاسبة الدولية: إحالة الملف إلى مجلس حقوق الإنسان الأممي، والنظر في إحالته إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بالنظر إلى التوصيفات القانونية المحتملة للأفعال الموثقة.
رابعاً - المطالبة بالشفافية: إلزام الحكومتين السودانية والمصرية بالتصريح العلني بمواقفهما واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
خامساً - حماية الشهود: ضمان حماية الناجين والشهود الذين أدلوا بشهاداتهم، وتأمين وصول المنظمات الإنسانية إلى منطقة الحادثة.
سادساً - التوثيق الميداني: إيفاد فريق توثيق متخصص إلى المنطقة بأسرع وقت ممكن لجمع الأدلة الجنائية الميدانية قبل فقدانها.
خاتمة
كانوا فقط رجالاً يحفرون بحثاً عن لقمة عيش في تراب وطنهم، فوجدوا الموت قادماً من السماء. هذه الجملة الموجعة تختصر جوهر الجريمة: ضحايا لا ناقة لهم في الصراعات الجيوسياسية على الذهب والحدود، أُسقطوا من عالٍ بأسلحة لا يملكون في مواجهتها سوى أجسادهم.
يؤكد المركز أن التزام الصمت أمام مثل هذه الجرائم يُمثّل في حدّ ذاته انتهاكاً للمسؤولية الدولية في الحماية، ويُحذّر من أن ترك جرائم الحرب المحتملة دون محاسبة يُشجّع على ارتكاب المزيد منها.
المصادر والمراجع
- راديو دبنقا (Dabanga Sudan). (17 يونيو 2026). ناجٍ يكشف عن مقتل العشرات جراء غارة جوية على منجم للذهب شمالي السودان. https://www.dabangasudan.org
- الشرق الأوسط / Ultra Sudan. (17 يونيو 2026). ما هي تفاصيل الهجوم الجوي على الحدود السودانية المصرية؟ https://ultrasudan.ultrasawt.com
- دارفور24. (16 يونيو 2026). قتلى وجرحى في غارات جوية على مناجم ذهب شمال السودان. https://darfur24.com
- صحيفة الراكوبة. (19 يونيو 2026). بإصرار المتأسلمين.. الإعلان رسمياً عن نهاية الدولة السودانية. https://www.alrakoba.net
- سودانايل. (18 يونيو 2026). ناجٍ يكشف عن مقتل العشرات جراء غارة جوية على منجم للذهب. https://sudanile.com
- صحيفة الشرق الأوسط. (17 يونيو 2026). قتلى وجرحى سودانيون في قصف جوي قرب الحدود المصرية. https://aawsat.com
- العربي الأفريقي. (20 يونيو 2026). قصف جوي يستهدف مناطق تعدين للذهب في شمال السودان. https://www.arabafricanews.com
- عاجل نيوز. (16 يونيو 2026). جبل العقيدات: مقتل وإصابة العشرات في غارات جوية غامضة. https://aagilenews.net
- اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977، المواد 48 و51 و57.
- نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة 8/2/ب، 1998.
- ميثاق الأمم المتحدة، المادة 2/4، 1945.
- الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (ميثاق بنجول)، 1981.
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا جميع حقوق النشر والتوثيق محفوظة يُسمح بإعادة النشر مع الإشارة إلى المصدر
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق