الاضطهاد الممنهج على أسس إثنية ودينية وسياسية: أفريقيا - قارة اللاجئين وقارة الصمود: اليوم العالمي للاجئين: حين يصبح الفرار من الجحيم قدراً إنسانياً
اليوم العالمي للاجئين: حين يصبح الفرار من الجحيم قدراً إنسانياً
مقال تحليلي مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا الباحث: HA-ALKRTY / الكرتي
مقدمة: يوم يُضيء على جرح لا يُشفى
في كل دقيقة تمر من عمر هذا العالم، يُضطر عشرون شخصاً إلى ترك كل شيء خلفهم — بيوتهم، ذكرياتهم، جذورهم — هرباً من حرب أو اضطهاد أو رعب لا يُطاق. ليس هذا رقماً إحصائياً بارداً، بل هو بكاء طفلة فقدت أباها على حاجز تفتيش، وهو أمٌّ تحمل رضيعها وتعبر الحدود في ظلام الليل، وهو شاب يتطلع إلى أفق لا تُسرق منه حريته.
في العشرين من يونيو من كل عام، يُحيي العالم اليوم العالمي للاجئين، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 55/76 عام 2000، ليكون فرصة سنوية لاستعادة الضمير الإنساني أمام أكبر أزمة نزوح جماعي في التاريخ المعاصر. غير أن هذا اليوم لا يكتسب قيمته من احتفالات الدبلوماسيين وخطب المنابر الأممية بقدر ما يكتسبها من الملايين الذين لا يُحيونه، لأنهم مشغولون بالبقاء على قيد الحياة.
يتناول هذا المقال الصادر عن مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا أسبابَ اللجوء البنيوية والآنية، مع تسليط الضوء على القارة الأفريقية التي تضمّ أكبر تجمعات اللاجئين والنازحين في العالم، إلى جانب بؤر الصراع الكبرى حول العالم التي تُنتج موجات لجوء لا تنقطع.
أولاً: البنية التحتية للفرار - أسباب اللجوء
اللجوء ليس خياراً؛ إنه الخيار الأخير حين تُسقط كلُّ الخيارات الأخرى. وفهم أسبابه يعني فهم الإخفاقات المنهجية للدول والمجتمع الدولي معاً.
١. النزاعات المسلحة والحروب الأهلية
تظل النزاعات المسلحة المحرك الأول لموجات اللجوء الجماعي. حين تنهار الدولة أو تتحول إلى أداة بطش بحق مواطنيها، يغدو الفرار فريضة بقاء. تُشير مفوضية الأمم المتحدة للاجئين (UNHCR) إلى أن نحو 43% من اللاجئين حول العالم نزحوا بسبب نزاعات مسلحة داخلية أو دولية. وما يُميّز الحروب المعاصرة عن سابقاتها هو الاستهداف المتعمد للمدنيين بوصفهم تكتيكاً حربياً — من تدمير المستشفيات والأسواق، إلى محاصرة المدن وتجويع السكان، وهو ما يُشكّل في جوهره انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الإضافيين.
٢.
حين تتحول الدولة إلى ماكينة اضطهاد تستهدف جماعات بعينها بسبب هويتها العرقية أو دينها أو انتمائها السياسي، يكون اللجوء الملاذ الوحيد. المادة الأولى من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 تُعرّف اللاجئ بوصفه شخصاً يخشى "اضطهاداً موثوقاً" لأسباب بعينها — وهو تعريف يستوعب اليوم ملايين يعيشون في دول تمارس عليهم إبادة إثنية صامتة أو صريحة.
٣. الإفلات من العقاب وانهيار سيادة القانون
في غياب المحاسبة، يصبح الجلاد آمناً والضحية مهددة. مجتمعات بأكملها تفر حين تدرك أن لا أحد سيحمي أبناءها من ميليشيا مسلحة أو جهاز أمني متوحش. الإفلات من العقاب ليس مجرد خلل قانوني؛ إنه رسالة واضحة مفادها أن حياة هذه الجماعة لا قيمة لها.
٤. تغيّر المناخ وانعدام الأمن الغذائي
يتصاعد دور العوامل البيئية في دفع المجتمعات نحو النزوح. الجفاف المتطاول، وتراجع الغطاء النباتي، والنزاعات على موارد المياه والمراعي — كلها عوامل تُفاقم هشاشة المجتمعات وتحوّلها إلى وقود لصراعات مسلحة تنتهي بالتهجير القسري. وقد رصدت تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الارتباط الوثيق بين تدهور الموارد الطبيعية وتصاعد النزاعات في منطقة الساحل الأفريقي وحوض بحيرة تشاد.
ثانياً: أفريقيا - قارة اللاجئين وقارة الصمود
تحمل أفريقيا وحدها ما يتجاوز ثلث إجمالي اللاجئين والنازحين في العالم، بينما تستضيف دولها ذات الاقتصادات الهشة نسباً كبيرة منهم. هذا التناقض المأساوي — أن تكون الدول الأفقر هي الأكثر كرماً في الاستضافة — يكشف هشاشة المنظومة الدولية لحماية اللاجئين.
أ. السودان: أكبر أزمة نزوح في العالم
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، باتت البلاد تُشكّل أضخم أزمة نزوح في العالم. يزيد عدد المهجّرين داخلياً على أحد عشر مليون شخص، فيما لجأ ما يتجاوز مليوني سوداني إلى دول مجاورة في مقدمتها تشاد ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان. ما يجري في دارفور، ولا سيما في مدينة الفاشر ومخيم زمزم، يرتقي في توصيفه القانوني إلى مستوى جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وفق تقارير لجان الأمم المتحدة ومنظمات رصد الأزمات. مخيم زمزم الذي يأوي أكثر من نصف مليون نازح بات محاصراً تحت القصف، يعاني من شُح تدفق المساعدات، ومن أسوأ موجات المجاعة الموثقة في هذا القرن.
ب. جمهورية الكونغو الديمقراطية: نزوح بلا نهاية
تستمر جمهورية الكونغو الديمقراطية في تسجيل واحدة من أطول أزمات النزوح وأكثرها تعقيداً في التاريخ المعاصر. يصل عدد النازحين داخلياً إلى ما يتجاوز سبعة ملايين شخص، فيما تتشابك عشرات المجموعات المسلحة في شرق البلاد، مستغلةً ثراء المنطقة بالموارد الطبيعية ذريعةً للتوحش. النساء والأطفال يدفعون أثمن الأثمان في هذه الحرب، في ظل انتشار موثّق للعنف الجنسي بوصفه سلاح حرب منهجياً.
ج. الصومال: ثلاثة عقود من اللجوء المتكرر
منذ انهيار الدولة الصومالية مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تعرف هذه البلاد استقراراً حقيقياً. تقاطع الجفاف والصراع المسلح وتمدد حركة الشباب أنتج جيلاً صوملياً كاملاً لا يعرف الاستقرار. مخيم داداب في كينيا — الذي أُسِّس عام 1991 ليكون "مؤقتاً" — بات اليوم من أكبر مخيمات اللاجئين في العالم وأطولها عمراً، تكريساً لحالة "اللجوء الدائم" التي تُعبّر عن إخفاق جماعي ذريع.
د. إثيوبيا: تيغراي ونزاعات متشعبة
كشف النزاع في إقليم تيغراي (2020-2022) عن عمق الهشاشة الإثيوبية. وثّقت تقارير أممية ومنظمة هيومن رايتس ووتش جرائم فظيعة ارتكبتها أطراف متعددة، أسفرت عن نزوح ملايين الإثيوبيين. ورغم انتهاء المعارك الرئيسية، لم تتحقق عودة دائمة، إذ تظل جذور النزاع السياسية والإثنية دون معالجة حقيقية.
هـ. منطقة الساحل: حلقات نار
تشهد منطقة الساحل الأفريقي — المتضمنة مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وأجزاء من نيجيريا — تصاعداً متواصلاً في النشاط الجهادي المسلح والاضطرابات السياسية الناجمة عن الانقلابات العسكرية المتعاقبة. النازحون في هذه المنطقة يواجهون معادلة مأساوية: الفرار من جماعات مسلحة إلى مناطق تتشح بالخوف ذاته.
ثالثاً: بؤر الجحيم حول العالم
١. اليمن: الكارثة المنسية
تُصنَّف اليمن باستمرار ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً. عقد من الحرب المتواصلة حوّل هذا البلد الذي كان يعيش هشاشة هيكلية أصلاً إلى مسرح للمجاعة والوباء والنزوح الجماعي. ما يثير المرارة أن الغرب يُموّل أطراف النزاع ويُنقذ اقتصاده من صفقات الأسلحة في الوقت الذي تتضور فيه الملايين جوعاً.
٢. سوريا: لجوء الحضارة
منذ عام 2011، فرّ ما يزيد على خمسة ملايين سوري خارج بلادهم، فيما يظل ملايين آخرون نازحين داخلياً. لجوء السوريين لم يكن مجرد فرار فردي؛ كان نزيفاً حضارياً لمجتمع أقدم من أغلب الدول التي تغلق أبوابها اليوم في وجه أبنائه.
٣. ميانمار: جريمة لا تتوقف
استمرت حملات الاضطهاد بحق الروهينغا في إنتاج موجات متعاقبة من اللاجئين، لا سيما منذ موجة 2017 التي أسفرت عن نزوح أكثر من سبعمئة ألف شخص إلى بنغلاديش. وعلى الرغم من صدور قرارات دولية واضحة، يظل الإفلات من العقاب سيد الموقف.
٤. أوكرانيا: اللاجئ الذي يحظى بالاهتمام
الحرب الروسية على أوكرانيا أنتجت واحدة من أسرع موجات النزوح في التاريخ الأوروبي الحديث. ما أثار حفيظة المراقبين هو الفجوة الصارخة في التعامل الإعلامي والسياسي بين اللاجئ الأوكراني ونظيره السوري أو الأفريقي أو الأفغاني — وهو تمييز يكشف عن نفاق إنساني فاضح يجب أن يكون موضع محاسبة.
رابعاً: المنظومة الدولية لحماية اللاجئين - إنجازات وإخفاقات
أسهمت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) منذ تأسيسها عام 1950 في توفير الحماية والمساعدة لعشرات الملايين. تُعدّ USA for UNHCR إحدى أهم الروابط التي تُجنّد الدعم الأمريكي لصالح هذه المهمة الإنسانية، إذ تُركّز على توفير المساعدات الفورية، ودعم التعليم، وتيسير برامج إعادة التوطين — وهي المسارات الثلاثة التي تُمثّل الحلول الدائمة للأزمة.
غير أن الواقع يكشف عن هوّة شاسعة بين ما تحتاجه هذه المفوضية وما تحصل عليه من تمويل. بل إن الخطاب السياسي الصاعد في كثير من الدول الغربية يتحرك في اتجاه مناقض لمبادئ اتفاقية 1951، من خلال تجريم طالبي اللجوء وتصويرهم تهديداً أمنياً بدلاً من النظر إليهم بوصفهم ضحايا.
على صعيد الحلول الدائمة الثلاثة التي تُقرّها المنظومة الأممية — العودة الطوعية، والاندماج المحلي، وإعادة التوطين — تظل نسب التنفيذ الفعلي هزيلة بالنسبة إلى حجم المشكلة. لا تتجاوز نسبة اللاجئين الذين تُتاح لهم فرصة إعادة التوطين عادةً 1% من المجموع الكلي سنوياً.
خامساً: الصمود - حين يكون البقاء فعل مقاومة
وسط هذا كله، لا بد أن يُلتفت إلى ما يؤكده اليوم العالمي للاجئين في جوهره: اللاجئ ليس مجرد رقم أو ضحية سلبية. إنه إنسان يحمل ذاكرة وحلماً ومهارة ومستقبلاً. المخيمات التي قُصد بها أن تكون مؤقتة أنتجت أطباء وشعراء ومعلمين ورياضيين. الصمود الإنساني أمام الفجيعة ليس مجرد إلهام — بل هو حجة دامغة على أن الاستثمار في اللاجئين استثمار في الإنسانية جمعاء.
خاتمة: العدالة شرط للسلام
لن ينتهي تدفق اللجوء ما لم تُعالَج أسبابه الجذرية: النزاعات المسلحة بدلاً من إطالة أمدها، والاضطهاد بمحاسبة مرتكبيه بدلاً من التغاضي عنهم، والإفلات من العقاب بتفعيل آليات المساءلة الدولية.
اليوم العالمي للاجئين فرصة لاستعادة البوصلة الأخلاقية، لكنه يبقى بلا قيمة حقيقية إن لم يُفضِ إلى سياسات تُغيّر الواقع. نحن في مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا نرى في كل لاجئ شاهداً حياً على إخفاق جماعي، ونرى في العدالة والمساءلة والوقاية من النزاعات الطريقَ الوحيدة لعالم تُصبح فيه هذه الذكرى السنوية بلا سبب يستدعيها.
مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا الباحث: HA-ALKRTY / الكرتي يونيو 2026
المصادر والمراجع
- UNHCR. (2024). Global Trends: Forced Displacement in 2023. Geneva: United Nations High Commissioner for Refugees.
- United Nations General Assembly. (2000). Resolution 55/76: Office of the United Nations High Commissioner for Refugees. A/RES/55/76.
- UN Convention Relating to the Status of Refugees (1951) and Protocol (1967).
- Human Rights Watch. (2024). World Report 2024. New York: HRW.
- Amnesty International. (2024). The State of the World's Human Rights. London: Amnesty International.
- ACLED. (2024). Conflict Data for Africa and the Middle East. acleddata.com.
- UNEP. (2022). Climate Security and Conflict in the Sahel. Nairobi: United Nations Environment Programme.
- Geneva Conventions (1949) and Additional Protocols (1977).
- Rome Statute of the International Criminal Court (1998), Articles 7 & 8.
- de Waal, A. (2019). Mass Starvation: The History and Future of Famine. Cambridge: Polity Press.
- Global Centre for the Responsibility to Protect. (2024). R2P Monitor: Atrocity Situations Worldwide. gcr2p.org.
- OCHA. (2024). Sudan Humanitarian Update. New York: UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق