السودان في الحسابات الأمريكية: من الاحتواء إلى التورط: المشروع الأمريكي لنزع الشرعية عن حكومة بورتسودان: موضوع المشروع التشريعي - البنية والمضمون

 



المشروع الأمريكي لنزع الشرعية عن حكومة بورتسودان

دراسة في التشريع والقانون الدولي وأثره على الأفارقة السود في السودان

The American Project to Delegitimize the Port Sudan Government: Legislative Architecture, Legal Analysis, and Impact on Black Africans


مقدمة

في مشهد دولي يتسم بالتحولات المتسارعة وإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي، انبثق من أروقة الكونغرس الأمريكي تشريع غير مسبوق يُعيد تعريف أدوات الضغط الدولي على النزاعات المسلحة. فبعد عقود من الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية والبيانات الدبلوماسية، تجرأت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي على الاقتراب من خط أحمر لم تتجاوزه واشنطن إلا في حالات استثنائية نادرة عبر تاريخها الدبلوماسي الحديث: الطعن في شرعية تمثيل دولة ذات سيادة داخل الأمم المتحدة عبر تفعيل القاعدة التاسعة والعشرين من نظامها الداخلي.

لم يكن هذا التشريع وليد اللحظة، بل هو حصيلة تراكم طويل من الإخفاقات الدولية في التعامل مع الأزمة السودانية؛ إخفاقات بدأت منذ جرائم دارفور في مطلع الألفية الثالثة، ومرّت بصمت العالم أمام المجازر المتعاقبة في جبال النوبة والنيل الأزرق، ولم تنتهِ عند الحرب الشاملة التي اندلعت في أبريل 2023 وحوّلت السودان إلى أكبر أزمة تهجير في العالم. وفي قلب هذه المعادلة المأساوية يقع الأفارقة السود — مجتمعات دارفور والجزيرة وجبال النوبة والفونج وغيرها - الذين ظلوا دومًا الحلقة الأضعف في معادلة القوى السودانية، والأكثر تضررًا من كل جولة جديدة من العنف.

تسعى هذه الدراسة إلى تشريح هذا التشريع الأمريكي بعيون أكاديمية ناقدة: قراءةً في جذوره التاريخية، وبنيته القانونية، وأدواته الإجرائية، ودلالاته السياسية، وأثره المحتمل على مصير الأفارقة السود في السودان. وهي دراسة تُدرك منذ البداية أن الضغط الدبلوماسي والتشريعي - مهما بلغت حدّته - لا يُحوَّل إلى عدالة حقيقية إلا حين يكون بوصلته الأولى والأخيرة إنهاءُ معاناة الضحايا لا إدارة التوازنات الجيوسياسية.


أولاً: الخلفية التاريخية - كيف وصلنا إلى هذا التشريع؟

1.1 السودان في الحسابات الأمريكية: من الاحتواء إلى التورط

لم تكن العلاقة الأمريكية-السودانية علاقةً قائمة على الاهتمام الإنساني بمصير شعوب السودان المتعددة. كانت في جوهرها علاقة أمنية واستراتيجية تتشكّل وفق متطلبات الحرب الباردة أولًا، ثم متطلبات الحرب على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فمنذ أن صنّف الرئيس رونالد ريغان السودانَ دولةً راعيةً للإرهاب في عام 1993 - إثر إيواء نظام البشير لأسامة بن لادن - ظلّ السودان في خانة "المشكلة الأمنية" لا في خانة "الأولوية الإنسانية". وقد أفضى ذلك إلى عقوبات اقتصادية شاملة استمرت من عام 1997 حتى 2017، طالت المدنيين قبل أن تطال النخب العسكرية.

ما يُفسّر هذا التوجه الاستراتيجي هو تقاطع ثلاثة محاور في الحسابات الأمريكية: ملف مكافحة الإرهاب، ومراقبة التمدد الإيراني في القرن الأفريقي، والتحكم في موارد النفط في ظل منافسة صينية متنامية. أما حقوق الأفارقة السود في دارفور وجبال النوبة والجنوب، فقد ظلت في معظم الأحيان ورقةً تفاوضية تُحرَّك حين تقتضي المصلحة وتُهمَّش حين تتعارض معها.

1.2 لحظة دارفور: التوصيف دون الفعل (2003–2009)

أعادت جريمة دارفور رسمَ الخريطة الأخلاقية للضغط الأمريكي على السودان، حين أقدم وزير الخارجية كولن باول في سبتمبر 2004 على خطوة تاريخية بتوصيف ما يجري بوصفه إبادةً جماعية أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ — وهو التوصيف الذي تحاشت إدارات أمريكية متعاقبة استخدامه في أزمات إنسانية مشابهة. أعقب ذلك صدور قانون المساءلة في دارفور (Darfur Accountability Act) عن الكونغرس، وإعلانات عن عقوبات مستهدفة.

بيد أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذا التوصيف التاريخي لم يُترجَم إلى ردع فعلي. فقد استمرت العمليات العسكرية ضد الأفارقة السود، واستمر حميدتي وعناصره في ارتكاب جرائمهم دون محاسبة قانونية وازنة. وخلص الباحث أليكس دو فال في دراسته المعمّقة إلى أن "الغرب يُجيد الاعتراف بالإبادة ويُحسن تأجيل التدخل لإيقافها" (de Waal, 2007). وقد دفع الأفارقة السود ثمن هذه الفجوة — كالعادة — بأرواحهم وتهجيرهم.

1.3 انقلاب 2021 وتحوّل المسار الأمريكي

مثّلت ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام البشير فرصةً لإعادة بناء العلاقة الأمريكية-السودانية على أسس ديمقراطية. وقد دعمت واشنطن المرحلة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، ورُفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أكتوبر 2020 بعد مفاوضات مضنية. لكن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان — الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة — أعاد تشكيل الموقف الأمريكي جذريًا؛ إذ وجدت واشنطن أن الرهانات التي بنتها على المرحلة الانتقالية قد انهارت، وأن الحليف الذي وثّقت فيه قد انقلب على المسار الديمقراطي الذي ضغطت لأجله.

1.4 حرب أبريل 2023: المعضلة الأمريكية

حين انفجرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخرطوم صباح الخامس عشر من أبريل 2023، وجدت واشنطن نفسها في موقف بالغ الحرج. فكلا الطرفين كانت لواشنطن معه صلات: الجيش بوصفه المؤسسة الرسمية للدولة السودانية، وقوات الدعم السريع بوصفها القوة التي أدّت أدوارًا في ملفات إقليمية محددة. وقد أفضى ذلك في المرحلة الأولى إلى موقف أمريكي يُشجب الطرفين بالتساوي، ويدعو إلى محادثات في منبر جدة — دون توصيف واضح لمسؤولية الجرائم الجماعية المرتكبة بحق الأفارقة السود في الجزيرة ودارفور والخرطوم (USIP, 2024).

هذا الغموض هو ما جعل المسار التشريعي في الكونغرس مساحةً بديلة للتعبير عن موقف أكثر حدةً وصراحةً - وهو ما تجلّى في مشروع القانون موضوع هذه الدراسة.


ثانيًا: موضوع المشروع التشريعي - البنية والمضمون

2.1 الإطار التشريعي والسياق المؤسسي

يتموضع التشريع موضوع الدراسة ضمن سلسلة من المبادرات التشريعية الكونغرسية المتعلقة بالسودان، تشمل قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني (U.S. Engagement in Sudanese Peace Act) وقانون السلام في السودان (PEACE in Sudan Act). والتشريع الجديد الذي ناقشته لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب يُمثّل التصعيد الأكثر جرأةً في هذه السلسلة، إذ يتجاوز العقوبات الاقتصادية التقليدية نحو استهداف الشرعية الدولية ذاتها.

2.2 البنود الجوهرية للتشريع

تتوزع بنود التشريع على أربعة محاور رئيسية متشابكة ومتكاملة:

المحور الأول — نزع الشرعية الأممي: دعوة الإدارة الأمريكية إلى تفعيل القاعدة التاسعة والعشرين من النظام الداخلي للجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يُتيح الطعن في أوراق اعتماد الوفد السوداني الممثل لحكومة بورتسودان، وتجميد مقعده إلى حين قيام حكومة مدنية أو منتخبة ديمقراطيًا.

المحور الثاني — منظومة العقوبات الموسّعة: فرض عقوبات مُستهدفة على قيادات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع معًا، مع توسيع نطاقها ليشمل أفرادًا من الشبكات الأسرية لهذه القيادات ومن الداعمين الاقتصاديين لاستمرار الحرب.

المحور الثالث — مراجعة التصنيف الإرهابي: إلزام الإدارة الأمريكية بإجراء مراجعة خلال تسعين يومًا للنظر في تصنيف أطراف النزاع ضمن قوائم الإرهاب العالمي المصنَّف بشكل خاص (Specially Designated Global Terrorist — SDGT).

المحور الرابع — ربط الاعتراف بالانتقال الديمقراطي: اشتراط قيام حكومة مدنية منتخبة شرطًا مسبقًا لاستمرار الاعتراف الأمريكي بشرعية تمثيل السودان على المستوى الدولي.

2.3 الغموض في صياغة البنود: التناقض بين المصادر

أثار التشريع جدلًا حول مضمونه النهائي. فبينما أكدت تقارير سكاي نيوز عربية وموقع الراكوبة وإرم نيوز أن بند نزع الشرعية وتفعيل القاعدة 29 لا يزال ضمن النسخة التي أقرتها اللجنة، ذهبت مصادر سودانية نقلتها قناة الجزيرة إلى أن هذا البند قد حُذف قبيل الاعتماد النهائي. هذا التناقض ليس استثنائيًا؛ فالتشريعات الأمريكية تمر عادةً بسلسلة من التعديلات المرحلية بين اللجان المتخصصة والهيئة التشريعية العامة. لكن الأهم أكاديميًا ليس ما بقي أو حُذف في النسخة النهائية، بل أن مجرد صياغة هذا البند ومناقشته يُمثّل تحولًا نوعيًا في الخطاب التشريعي الأمريكي تجاه السودان.


ثالثًا: التحليل العميق

3.1 القاعدة 29 - تشريح أداة نادرة الاستخدام

القاعدة التاسعة والعشرون من النظام الداخلي للجمعية العامة للأمم المتحدة أداةٌ قانونية نادرة الاستخدام، لكنها بالغة الأثر حين تُفعَّل. تُتيح هذه القاعدة لأي دولة عضو الطعن في أوراق اعتماد وفد دولة أخرى، أي التشكيك رسميًا في شرعية من يُدّعى أنه يمثل تلك الدولة في منظومة الأمم المتحدة.

الفارق الجوهري الذي يُميّز هذه الأداة عن سائر أدوات الضغط هو أنها لا تستهدف موارد الدولة ولا اقتصادها، بل تستهدف وجودها القانوني في المنظومة الدولية متعددة الأطراف. وتعمل عبر ثلاث مراحل متتالية: تقديم دولة عضو طعنًا رسميًا، ثم دراسة لجنة التحقق من الأوراق المؤلفة من تسع دول لهذا الطعن، فالتصويت في الجمعية العامة بأغلبية بسيطة لحسمه.

سبق توظيف هذه القاعدة في سياقات تاريخية بالغة الدلالة: فُعّلت ضد جنوب أفريقيا في أوج نظام الأبارتايد خلال السبعينيات، حين رأى المجتمع الدولي أن حكومة الفصل العنصري لا تمثل غالبية شعبها بل تمارس عليه اضطهادًا منظمًا. كما وُظّفت ضد كمبوديا إثر الاجتياح الفيتنامي عام 1979. وفي كلتا الحالتين، كانت الرسالة السياسية تتجاوز الإجراء القانوني: إعلان المجتمع الدولي أن الجهة الراهنة ليست ممثلًا شرعيًا لشعبها.

في السياق السوداني، يحمل توظيف هذه الأداة دلالةً مضاعفة. فالطعن لا يستهدف الدولة السودانية كيانًا سياديًا، بل يستهدف طبيعة الجهة التي تدّعي تمثيلها — وهو توصيف يتقاطع مع المطالب التاريخية للأفارقة السود الذين ظلوا يُطالبون بحكومة تُعبّر فعلًا عن إرادتهم لا عن مصالح نخبة عسكرية في الشمال النيلي.

3.2 التأثير على الأطراف المتحاربة - تحليل استراتيجي

على حكومة بورتسودان:
يُشكّل الطعن في الشرعية الدولية سلاحًا هيكليًا يتجاوز العقوبة الاقتصادية. فحين يُناقش الكونغرس الأمريكي ربطَ تمثيل السودان في الأمم المتحدة بقيام حكومة مدنية، فإنه يُرسل رسالة صريحة: واشنطن ترى في البرهان سلطةَ أمر واقع مؤقتة لا شريكًا تاريخيًا شرعيًا. ويُترجَم هذا عمليًا إلى إضعاف موقف بورتسودان في أي مفاوضات انتقالية، وتضييق هامش مناورتها الدبلوماسية على المستوى الإقليمي والدولي. ويواجه البرهان معادلة صعبة: إما التشدد الداخلي تعويضًا عن الشرعية الخارجية المتآكلة، وهو خيار يتضرر منه الأفارقة السود مباشرةً، وإما الانفتاح على تسوية سياسية مدنية، وهو مسار مُكلف للنخب العسكرية لكنه الوحيد الكفيل بإعادة الشرعية الدولية.

على قوات الدعم السريع:
الاستهداف المزدوج للتشريع — طرفَي النزاع معًا — يمنع تأطيره بوصفه انحيازًا، لكنه يضغط على الدعم السريع من زاوية مختلفة: شبكات التمويل والتسليح الخارجية. فتصنيف كيانات مرتبطة بالدعم السريع ضمن قوائم SDGT يُحوّل الدعم الإماراتي وسواه إلى تكلفة قانونية حقيقية على المانحين الإقليميين، ويُضيّق الخناق على الشريان الذي يُغذي الدعم السريع ميدانيًا.

على مسار الحرب ذاتها:
يُضيف التشريع طبقةً جديدة من الضغط الدولي دون أن يُشكّل ضمانةً تلقائية لوقف إطلاق النار. ويظل السيناريو الأكثر تفاؤلًا — قبول الأطراف بترتيبات انتقالية مدنية تحت ثقل الضغط المتراكم — رهينًا بتضافر هذا الضغط مع جهد دبلوماسي إقليمي متناسق غائب حتى اللحظة. في المقابل، تظل مخاطر التصعيد الداخلي قائمةً: فالضغط الخارجي يمكن توظيفه خطابيًا لتعزيز النزعة القومية وتصوير التشريع بوصفه تدخلًا في الشأن الداخلي، مما قد يُطيل أمد الحرب على حساب الأفارقة السود.

3.3 الكونغرس والبيت الأبيض: قطبان في منظومة واحدة

يكشف هذا التشريع عن توتر بنيوي عميق في منظومة صنع القرار الأمريكي تجاه السودان. فالكونغرس - بميله نحو التشريع الصريح والمحاسبة الهيكلية — يُعبّر عن رؤية ترى أن الضغط يجب أن يستهدف البنية السياسية لا أن يكتفي بإدارة الأزمة. أما البيت الأبيض، فيُفضّل الحفاظ على المرونة الدبلوماسية، ويتحفّظ على الخطوات التي قد تُفهم بوصفها تدخلًا يُهدد علاقاته مع الحلفاء الإقليميين كالإمارات ومصر.

هذا التوتر ليس خللًا في المنظومة بل هو في الغالب استراتيجية ضمنية تُتيح لواشنطن اللعب بورقتين: التهديد التشريعي والمرونة التنفيذية. وهو ما يُنتج "غموضًا استراتيجيًا مُدارًا" — بحسب وصف دو فال — يُمنح واشنطن مرونة التموضع دون الالتزام الكامل بأي مسار. لكن هذه المرونة تأتي بثمن: إضعاف المصداقية الأخلاقية للموقف الأمريكي في أعين المجتمعات التي تستغيث بالمساءلة الدولية.

3.4 التشريع في ميزان القانون الدولي الإنساني

لا يمكن تقييم هذا التشريع دون قراءته في إطار الالتزامات الأمريكية بموجب القانون الدولي الإنساني. فالولايات المتحدة المُصادِقة على اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكوليها الإضافيين تحمل التزامًا قانونيًا بالضغط لإيقاف الانتهاكات الجسيمة، وليس فقط الاكتفاء بإدانتها. وتُثير مبدأ "مسؤولية الحماية" (R2P) الذي تبنّته الأمم المتحدة عام 2005 تساؤلات ملحّة: حين تُرتكب جرائم حرب موثقة ضد الأفارقة السود في الجزيرة ودارفور، وحين تُشير تقارير مختبر يل والمحكمة الجنائية الدولية إلى انتهاكات واسعة، هل يكفي التشريع وحده لإيفاء هذا الالتزام الأخلاقي والقانوني؟

الجواب الأكاديمي الأمين: لا. التشريع ضروري لكنه غير كافٍ. فمسؤولية الحماية تستلزم تدابير فاعلة على أرض الواقع، لا مجرد ضغط إجرائي أممي يظل رهين موازين القوى في الجمعية العامة حيث تمتلك روسيا والصين نفوذًا واسعًا.

3.5 أثر التشريع على الأفارقة السود: قراءة نقدية

هنا يكمن السؤال الأكثر إلحاحًا وأشدها حساسيةً: كيف يؤثر هذا التشريع الأمريكي — إن تُرجم إلى فعل - على حياة الأفارقة السود في السودان؟

ثمة جانب إيجابي محتمل: فضغط الشرعية الدولية يمكن أن يُفضي إلى تسارع مسار الانتقال السياسي، وفتح الطريق أمام حكومة مدنية تُنهي حالة التهميش الممنهج للمجتمعات الأفريقية. كما أن تصنيف قيادات الأطراف المتحاربة على قوائم SDGT يُضيّق مصادر تمويل الحرب التي تدفع ثمنها الأفارقة السود يوميًا.

لكن ثمة جانبًا سلبيًا محتملًا لا يمكن تجاهله: العقوبات الاقتصادية الواسعة — حين لا تُستهدَف بدقة — تضرب الاقتصاد المدني أولًا، وتُقاسي منها الشريحة الأكثر هشاشةً: المجتمعات المهمّشة في الأطراف، أي الأفارقة السود أنفسهم. وقد وثّقت التجربة العراقية في التسعينيات هذا النمط بوضوح صارخ حين تحوّلت العقوبات الدولية إلى كارثة إنسانية طالت الفقراء دون أن تُزعزع النظام (Gordon, 2010).

فضلًا عن ذلك، يظل خطر الانتقائية قائمًا: فحين يستهدف الضغط الأمريكي الجيش السوداني دون أن يطال بالقدر ذاته شبكات دعم الدعم السريع الإماراتية، يُصبح التشريع أداةً في معادلة جيوسياسية أكثر من كونه حمايةً فعلية للأفارقة السود.


خاتمة: نحو سياسة دولية تضع الضحايا في مركز الثقل

لم يكن مشروع القانون الأمريكي المتعلق بنزع الشرعية عن حكومة بورتسودان حدثًا عابرًا في المشهد السياسي الدولي. كان — في حدّه الأدنى — إعلانًا عن تحوّل نوعي في منطق التعامل مع النزاعات المسلحة: انتقالًا من العقوبة الاقتصادية إلى استهداف الأساس القانوني للشرعية الدولية، ومن الضغط على السلوك إلى التشكيك في طبيعة المتحاربين وحقهم في تمثيل شعوبهم.

بيد أن التاريخ يُلزمنا بعدم الاستسلام للتفاؤل المتسرع. فالسياسة الأمريكية تجاه السودان حافلة بلحظات الوعد المخذول: من توصيف الإبادة في دارفور إلى الصمت الذي أعقبه، ومن دعم المرحلة الانتقالية إلى التخلي عنها. وما لم يُترجَم هذا التشريع إلى إجراءات تنفيذية فاعلة، وما لم يكن مصحوبًا بضغط متوازٍ على الشبكات الداعمة للطرفين المتحاربين، فإنه سيبقى في نهاية المطاف رسالةً سياسيةً أكثر من كونه آليةً للحماية الفعلية.

والأفارقة السود في السودان — في الجزيرة ودارفور وجبال النوبة والفونج - لا يحتاجون إلى مزيد من البيانات الرنانة ومشاريع القوانين المتعثرة. يحتاجون إلى وقف حقيقي لإطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، ومحاسبة موثقة لمرتكبي الجرائم، وضمانات سياسية لحكومة تُعبّر فعلًا عن تنوع السودان وعن إرادة شعوبه المهمّشة. وهذه المطالب لا تُنجزها مشاريع قوانين في واشنطن وحدها - بل تستدعي إرادةً دولية حقيقية تضع الضحايا في مركز ثقلها لا في هوامش حساباتها.


المصادر والمراجع

أولاً: المراجع الأكاديمية

de Waal, A. (2007). Darfur and the Failure of the Responsibility to Protect. International Affairs, 83(6), 1039–1054.

de Waal, A. (2015). The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Polity Press.

Flint, J., & de Waal, A. (2008). Darfur: A New History of a Long War (Revised ed.). Zed Books.

Gordon, J. (2010). Invisible War: The United States and the Iraq Sanctions. Harvard University Press.

Johnson, D. H. (2016). The Root Causes of Sudan's Civil Wars: Peace or Truce (Updated ed.). James Currey.

Mamdani, M. (2009). Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. Pantheon Books.

Prunier, G. (2005). Darfur: The Ambiguous Genocide. Cornell University Press.

ثانيًا: الوثائق والتقارير الدولية

United Nations General Assembly. (1947/Rev.19). Rules of Procedure of the General Assembly — Rule 29. Document A/520/Rev.19.

Yale Humanitarian Research Lab. (2023–2024). Sudan Situation Reports (Sequential Series). Yale School of Public Health.

Amnesty International. (2024). Sudan: Crimes Against Humanity and War Crimes in El Gezira State. AI Index: AFR 54/7000/2024.

UNHCR. (2024). Sudan Emergency — Global Displacement Update. United Nations High Commissioner for Refugees.

United States Institute of Peace (USIP). (2024). The Sudan War: Causes, Consequences, and Pathways to Peace.

International Committee of the Red Cross (ICRC). (2023). IHL and State Responsibility: Obligations Under the Geneva Conventions.

ثالثًا: المصادر التشريعية والسياسية

U.S. House Committee on Foreign Affairs. (2024). Sudan Legislation: Discussion Draft — Sudan Accountability and Peace Act. 118th Congress.

U.S. Department of State. (2023–2024). Sudan: Press Statements and Sanctions Notices. Office of the Spokesperson.

Office of Foreign Assets Control (OFAC). (2024). SDGT Designation Framework. U.S. Department of the Treasury.

رابعًا: المصادر الصحفية والتحقيقية

Lighthouse Reports & CNN Investigative Unit. (2023–2024). Arms Flows to the RSF: Evidence of UAE Supply Networks in Sudan's War.

Center for Strategic and International Studies (CSIS). (2024). Sudan's War and the International Response.

Middle East Eye. (2024). US Congress Sudan Bill: Full Analysis.

Reuters. (2024). US House Foreign Affairs Committee Advances Sudan Legislation.

Sky News Arabia. (2024). مشروع القانون الأمريكي بشأن السودان — تفاصيل البنود.

Al Jazeera Arabic. (2024). مصادر: حذف بند نزع الشرعية من مشروع القانون الأمريكي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي