أسواق دقلو" واقتصاد النهب الممنهج: الاقتصاد الخفي في منطقة النزاع: خمس حقائق صادمة تُعيد تشكيل السودان: حين يغدو التطبيق أقوى من البنك

 

الاقتصاد الخفي في منطقة النزاع: خمس حقائق صادمة تُعيد تشكيل السودان




الباحث الحقوقي HA-ALKRTY مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا


أولاً: مقدمة - البنية التحتية الخفية للبقاء

ماذا يحدث لمجتمع حديث حين تتلاشى الأعمدة المؤسسية للدولة - البنك المركزي، وشبكة الطاقة الوطنية، ووزارة الداخلية — في لحظة واحدة؟ منذ اندلاع الصراع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وجد نحو خمسين مليون إنسان أنفسهم أمام فراغ مؤسسي هائل، مُرغَمين على ابتكار قواعد بقاء جديدة في ظل غياب شبه تام للدولة.

في الخرطوم، حيث دُمِّرت القاعدة الصناعية وانسحبت الحكومة الرسمية إلى بورتسودان، لم تنهار الدولة فحسب، بل حلَّت محلها بنية موازية لا مركزية تقوم على الاقتصادات غير الرسمية والتكيف الرقمي. فالنزاع الراهن ليس صراعاً عسكرياً بين قائدَين متنافسَين، بل هو إعادة هيكلة جذرية للواقع الاجتماعي والاقتصادي لخمسة وأربعين مليون إنسان: أربعة عشر مليوناً نازح، وخمسة وعشرون مليوناً يواجهون الجوع الحاد.

لم تعد الدولة هي المزوِّد الرئيسي لخدمات البقاء؛ فقد حلَّت محلها قوة الإشارة الرقمية وبراغماتية الأسواق غير الرسمية. هذه الورقة التحليلية - المستندة إلى بيانات ميدانية صادرة عن معهد كلينغنداال، ومعهد ريفت فالي، وتقرير مؤشر التحول BTI 2026 - ترصد خمس حقائق صادمة في اقتصاد الحرب السوداني، حيث تحوَّل الاتصال إلى سلاح، وباتت البضائع المنهوبة أساساً للتبادل التجاري، وغدت المسالك الصحراوية القديمة شرايين التجارة الوطنية الجديدة.


ثانياً: حين يغدو التطبيق أقوى من البنك

في بيئة يُعدُّ فيها النقد المادي نعمةً نادرة، وحيث نُهبت فروع البنوك أو خرجت عن الخدمة، تحوَّل الهاتف الذكي إلى أداة البقاء الأولى. فتطبيقات الخدمات المصرفية الرقمية — وفي مقدمتها تطبيق "بنكك" التابع لبنك الخرطوم، إلى جانب تطبيق "فوري" لبنك فيصل الإسلامي — لم تعد كمالياتٍ حضرية، بل باتت شرايين حياة لا غنى عنها. فمن خلالها، يُحوِّل المغتربون السودانيون في الخارج تحويلاتٍ مالية منقذةً للأرواح، تُمكِّن الأسر من شراء الغذاء والوقود حتى في أكثر المناطق عزلةً تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

غير أن هذا الاتكاء الرقمي يفرض "ضريبة حرب" باهظة. ففي مناطق النزاع، نشأ نظام ازدواجي للأسعار: تكلف المدفوعات الرقمية عادةً ما بين ستة وثمانية بالمئة فوق سعر النقد. وتبلغ تكلفة تحويل الرصيد الرقمي إلى نقد ما بين سبعة وعشرة بالمئة، بعد أن كانت قد بلغت ذروتها عند خمسة عشر بالمئة في مطلع عام 2024.

وقد وثَّق معهد كلينغنداال هذه الظاهرة بجلاء، مؤكداً أن الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أضحى أداةً للبقاء لا عوض عنها، تُتيح للسكان تجنُّب مناطق الاشتباك، وتأمين الغذاء والدواء، وإجراء التحويلات المالية.

ويجعل هذا الاعتماد السكانَ في مواجهة خطر بالغ: حين تُقدِم القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع على تعطيل شبكة الاتصالات — كما جرى خلال انقطاع التيار الواسع في فبراير 2024 - يتجمَّد الاقتصاد فعلياً. فالأسرة التي لا تملك إلا رصيداً رقمياً تجد نفسها معدمةً بلا أي رصيد نقدي حين تختفي الإشارة.


ثالثاً: "أسواق دقلو" واقتصاد النهب الممنهج

مع انزياح خطوط المواجهة عبر أحياء الخرطوم وولاية الجزيرة، برزت ظاهرة اقتصادية مقلقة: "أسواق دقلو". هذه الأسواق - المنسوبة إلى قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) - هي المنفذ الرئيسي لتصريف ما يُعرَف بـ"الشفشفة"، أي البضائع المنهوبة. وهي ليست أسواقاً عشوائية، بل تُشكِّل المحرِّك الاقتصادي الأساسي للقاعدة القبلية لقوات الدعم السريع، لا سيما الشباب من قبيلتَي الرزيقات والمسيرية.

بضائع هذه الأسواق هي صورة طبق الأصل للمنازل والمنشآت التجارية التي خلَّفها سكان العاصمة: إلكترونيات راقية، وثلاجات، وأدوات منزلية، وسيارات فارهة مسروقة. والبائعون في الغالب من الذكور الشباب بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين، فيما يُشكِّل المشترون في معظمهم مواطنين عاديين ونازحين يبحثون عن بديل رخيص لما فقدوه.

المفارقة الأخلاقية صارخة: هذه الأسواق، رغم قيامها على السرقة الممنهجة، باتت في الوقت ذاته ضرورةً للبقاء بالنسبة لكثير من النازحين. وفي مدن كالضعين — أكبر مراكز هذه الأسواق — أفرز تدفق البضائع المنهوبة من "المركز" إلى "الهامش" طبقةً جديدة من التجار انتقلت من الرعي وزراعة الكفاف إلى اقتصاد تجزئة تغذيه الحرب.


رابعاً: اقتصاد نقاط التفتيش وضريبة الثلاثمئة بالمئة على الحركة

تحوَّلت طرق السودان إلى مصادر إيرادات مربحة للأطراف المسلحة. فـ"اقتصاد نقاط التفتيش" يتحكم في سعر كل سلعة، إذ تفرض القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والمليشيات القبلية جبايات باهظة، مُحوِّلةً نقل الغذاء إلى آلية رئيسية لتمويل الحرب.

تضخُّم تكاليف النقل بلغ حدوداً مذهلة؛ فقد ارتفعت تكلفة نقل البضائع بين نيالا وأم درمان بنسبة ثلاثمئة بالمئة منذ اندلاع النزاع. وتتضح الصورة جلياً حين نتأمل ما يتكبَّده شاحنة شحن واحدة من حاصلات زراعية في مسيرها:

  • رسوم الطريق السريع: نحو مليونَي ونصف مليون جنيه سوداني تُدفع للرسوم السريعة أو زعماء القبائل أو الشفشفة.
  • فدية البضائع والمركبات: بين ثلاثة وخمسة ملايين جنيه سوداني للشاحنة الواحدة.
  • رسوم الحراسة المسلحة الخاصة: مليونا جنيه مقابل مرافقة أمنية مدفوعة.
  • الرسوم الرسمية: ألف وثمانمئة وعشرة جنيهات عن كل قنطار لصالح الهيئة القومية للغابات.
  • الرسوم الدينية والبيروقراطية: ألف وثمانمئة جنيه عن كل قنطار تُدفع لديوان الزكاة.

وتُحمَّل هذه التكاليف في نهاية المطاف على كاهل المستهلك النهائي، الذي فقدت قدرته الشرائية أصلاً جراء الانهيار المتسارع للجنيه السوداني.


خامساً: ستارلينك والشرائح الإلكترونية - المراهنة التقنية في زمن الحرب

رداً على توظيف القوات المسلحة السودانية شبكةَ الاتصالات الوطنية سلاحاً حربياً عبر قطعها لعزل المناطق الخارجة عن سيطرتها، لجأ المدنيون وقوات الدعم السريع إلى بدائل تقنية متقدمة. ففي المناطق التي تعطَّلت فيها شبكة الاتصالات التقليدية، غدت محطات ستارلينك الفضائية جسراً لا غنى عنه مع العالم الخارجي.

وهنا تتجلى مفارقة تقنية لافتة: بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان منذ أمد بعيد، لا يمكن تفعيل ستارلينك رسمياً في البلاد، مما يضطر إلى تهريب الأجهزة من دول الجوار. وفي مناطق دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، جرى توظيف هذه التقنية لصالح المسلحين؛ إذ تستأثر عناصر قوات الدعم السريع بمحطات ستارلينك وتبيع للمدنيين خدمة الإنترنت بأسعار استغلالية، فقط كي يتمكنوا من الوصول إلى تطبيقاتهم المصرفية.

وبالقرب من الحدود، تلجأ القبائل المحلية والمدنيون إلى تقنية الشرائح الإلكترونية — مقاربةً مماثلة لما رصدناه في قطاع غزة - لاصطياد إشارات أبراج الاتصال في الدول المجاورة على نطاق يمتد بين أربعين وخمسين كيلومتراً. وتُثبت هذه البدائل أن "الأرض المرتفعة" في الحرب الحديثة هي القدرة على الإبقاء على الاتصال الرقمي.


سادساً: إعادة رسم خارطة التجارة السودانية

أفضى تدمير الخرطوم — التي كانت تحتضن أربعة وأربعين بالمئة من فروع البنوك الوطنية — إلى إعادة توجيه جذرية لجغرافية تجارة السودان. انهار "المركز"، وراح "الهامش" يتطلع إلى الخارج. فقد برزت الدبة — مدينة نيلية في الولاية الشمالية — بوصفها المحور التجاري الحيوي الجديد، وارثةً عن الخرطوم دورها الرابط بين كردفان ودارفور ومصر.

وقد أحيت الضرورة مسالك التجارة التاريخية من جديد. فطريق "درب الأربعين" عاد إلى الحياة، لكنه لم يعد يتجه صوب العاصمة، بل بات يُصدِّر الثروة الحيوانية نحو الخليج ومصر عبر ليبيا والصحراء الغربية. والتجارة تتشظى بعيداً عن الاقتصاد الوطني باتجاه دول الجوار: تشاد، وجنوب السودان، وأوغندا.

وهذا التحول يمثِّل تهديداً وجودياً للدولة السودانية الموحَّدة. فحين تصبح الأسواق الإقليمية أكثر اندماجاً مع اقتصادات الجيران منها مع بعضها البعض، تتآكل الحوافز الاقتصادية لإعادة التوحيد الوطني. وفي كثير من الأقاليم، بات الاقتصاد "الوطني" ذكرى، فيما غدت شبكات التهريب العابرة للحدود الواقعَ الراسخ.


سابعاً: خاتمة - صمود "غرف الطوارئ"

بينما أخفقت الدولة الرسمية، أفرز المجتمع المدني بديلاً عضوياً: غرف الطوارئ. هذه التجمعات الشبابية ذات الطابع التطوعي اللاأيديولوجي باتت المزوِّد الفعلي للغذاء والمأوى والرعاية الطبية، مستندةً إلى التضامن المجتمعي والتنسيق الرقمي لتُشكِّل الطبقة الأصلب في البنية التحتية الخفية للسودان.

والسؤال المُلِحُّ الذي يطرحه مرحلة ما بعد الحرب: هل يمكن دمج هذا الاقتصاد اللامركزي المرتكز على الرقمنة في بنية دولة رسمية معادة التأسيس؟ لقد تحوَّل السودان تحولاً لا رجعة فيه. فالبنية التحتية — من كابلات الإنترنت إلى مسالك التجارة — وُظِّفت سلاحاً، وتحوَّلت أدوات الاتصال إلى أدوات للسيطرة والإخضاع.

والخلاصة الأكثر إيلاماً: الشعب السوداني يُبدي صموداً استثنائياً، لكنه مُرغَم على دفع "ضريبة حرب" بنسبة ثلاثمئة بالمئة على حقه الأصيل في البقاء.


مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي