الشباب الأفريقي بين فخّي التهميش والتجنيد: مليون شاب أفريقي يعانون من البطالة أو التشغيل الناقص وفق تقديرات البنك الأفريقي: الشباب الأفريقي بوصفه فاعلاً في بناء السلام

 

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا


الباحث الكرتي | ناشط حقوقي وباحث أكاديمي




الشباب الأفريقي بوصفه فاعلاً في بناء السلام: نحو خطط محلية متكاملة للأمن المجتمعي

قراءة تحليلية نقدية مع استحضار السياق الأفريقي ومتطلبات التطبيق


الملخص التنفيذي

يُقدّم هذا التقرير قراءةً تحليليةً نقديةً معمّقةً لدليل إعداد الخطط المحلية للشباب والسلام والأمن الصادر في سياق أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، مع استحضار السياق الأفريقي الخاص بكل أبعاده التاريخية والاجتماعية والسياسية والحقوقية. ويُجادل التقرير بأن الإطار المنهجي والفلسفي الذي يقوم عليه الدليل — ولا سيما مبدأ انتقال الشباب من موضوعات حماية إلى فاعلين في بناء السلام - يمثّل أداةً استراتيجيةً ذات صلة مباشرة بالأزمات الأمنية والإنسانية التي تعصف بالقارة الأفريقية. كما يرسم التقرير خارطةً عمليةً للتبني والتطبيق، مُستحضرًا تجارب أفريقية بعينها تُثري النموذج وتُصوّب مساره نحو ملاءمة بيئية وثقافية وحقوقية أعمق.


أولاً: المقدمة - الشباب الأفريقي بين فخّي التهميش والتجنيد

لا تحتاج أزمة الشباب في أفريقيا إلى إثبات؛ فالقارة تحتضن أكثر من 60% من سكانها دون سن الخامسة والعشرين، وهو ما يجعلها الأكثر شبابًا في العالم، لكنه أيضًا يجعل إخفاقات السياسات العامة في إشراك هذه الكتلة الديموغرافية الهائلة ظاهرةً ذات تكاليف وجودية لا إدارية فحسب. ففي منطقة الساحل، يُجنَّد الشباب في ميليشيات مسلحة وجماعات إرهابية لا بسبب تطرفهم الأيديولوجي بالضرورة، بل بسبب غياب المعنى وانسداد الأفق وانهيار عقد التضامن الاجتماعي. وفي القرن الأفريقي، يتحوّل الشباب إلى موارد بشرية في خدمة النزاعات المسلحة بدلًا من أن يكونوا طاقةً محركةً لبناء مجتمعاتهم. وفي جنوب أفريقيا والسودان وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية، تُشكّل أزمة الهوية والإقصاء السياسي والبطالة الهيكلية ثالوثًا وقوده الشباب وضحاياه في آنٍ واحد.

في مقابل هذه الصورة القاتمة، ثمة حقيقة يُغفلها صانعو السياسات العامة باستمرار: الشباب الأفريقي ذاته هو من يقود أكثر حركات التغيير أثرًا وأعمقها جذورًا، من الربيع السوداني إلى حراك #EndSARS في نيجيريا، إلى المظاهرات المناخية في كينيا وأوغندا. هذا التناقض الصارخ بين إمكانات الشباب وإخفاق المنظومة في توظيفها هو الأرضية التي يقرأ منها هذا التقرير تجربة أمريكا اللاتينية، ليستحضر منها ما يصلح أداةً لإعادة صياغة العلاقة بين الشباب والدولة والمجتمع في أفريقيا.


ثانيًا: الإطار الفلسفي للدليل - قراءة نقدية من منظور أفريقي

2.1 الأمن المجتمعي لا الأمن الدولتي

يُؤسّس الدليل لمفهوم يتجاوز الفهم التقليدي للأمن القائم على حماية الدولة وصون حدودها، نحو مفهوم الأمن الإنساني المجتمعي الذي يُولي الأولوية لحماية الإنسان في حقوقه الأساسية: حقه في الحياة والكرامة والتعليم والصحة والمشاركة. هذا التحوّل المفاهيمي ليس ترفًا نظريًا في السياق الأفريقي؛ إنه اختيار سياسي ذو دلالة عميقة.

فمنذ الاستقلال، صاغت معظم حكومات القارة خطابها الأمني حول أولوية أمن النظام والدولة، وكثيرًا ما وُظّف هذا الخطاب ذريعةً لقمع المعارضة وتجريم الشباب المحتج، وإدارة النزاعات بالحديد بدلًا من الحوار. والانتقال إلى مفهوم الأمن المجتمعي كما يُقدّمه الدليل يعني في السياق الأفريقي ثورةً في الأولويات: من حماية الحكومة من الشعب، إلى حماية الشعب بما فيه الشباب من كل أشكال العنف، بما فيها عنف الدولة نفسها.

2.2 المشاركة الهادفة: ما وراء الرمزية والديكور

يُميّز الدليل تمييزًا جوهريًا بين المشاركة الرمزية التي تُحضر الشباب في الاجتماعات دون أن تمنحهم حق القرار، وبين المشاركة الهادفة التي تُخوّلهم صوتًا مؤثرًا في دورة السياسة العامة كاملةً: من التشخيص إلى التصميم إلى التنفيذ إلى المتابعة والمساءلة. هذا التمييز بالغ الأهمية في السياق الأفريقي حيث تنتشر ظاهرة ما يمكن تسميتها "الشبابية الزخرفية": لجان شبابية تُشكَّل للاستهلاك الإعلامي، وخطط تُصاغ في مكاتب التقنيين دون مشاركة من يُفترض أنها تخدمهم، ومؤتمرات تضم شبابًا مختارين انتقائيًا لا تمثيلًا حقيقيًا للتنوع والهامشية.

2.3 حدود النموذج وضرورة التكيّف الأفريقي

لا يخلو الدليل من ثغرات وقصور حين يُستحضر للسياق الأفريقي. فالنموذج اللاتيني يستند إلى بيئة مؤسسية تتمتع بمستوى معيّن من الاستقرار الحكومي المحلي، وحضور فاعل للمجتمع المدني، وقاعدة بيانات وإحصاءات يمكن الاستناد إليها. بينما تعيش مناطق واسعة من أفريقيا في ظل:

  • انهيار الدولة أو هشاشتها الشديدة: حيث لا يوجد شريك حكومي موثوق لبناء الخطة معه.
  • ضعف المجتمع المدني أو تجريمه: في دول يُقيّد فيها قانون المجتمع المدني نشاطَ المنظمات غير الحكومية.
  • شُح البيانات: ففي كثير من المناطق المتضررة لا توجد إحصاءات موثوقة عن العنف والجريمة والديموغرافيا.
  • التعقيد القبلي والعرقي: حيث تتقاطع هويات الشباب مع انتماءاتهم القبلية والإثنية والدينية بطرق تعقّد بناء التحالفات التشاركية.
  • الطابع الريفي: فبينما يُركّز الدليل على البيئة الحضرية إلى حدٍّ كبير، فإن نسبة كبيرة من شباب أفريقيا يعيشون في مناطق ريفية نائية.

هذه القيود لا تُبطل صلاحية النموذج بل تستدعي تكيّفًا نقديًا لا استيرادًا ميكانيكيًا.


ثالثًا: السياق الأفريقي - تشخيص موازٍ

3.1 أرقام لا يمكن التغاضي عنها

تُجسّد الأرقام عمق الأزمة التي يواجهها الشباب الأفريقي في سياق العنف والأمن:

  • 250 مليون شاب أفريقي يعانون من البطالة أو التشغيل الناقص وفق تقديرات البنك الأفريقي للتنمية.
  • تستضيف أفريقيا جنوب الصحراء أكثر من 70% من إجمالي الأطفال المجنّدين في النزاعات المسلحة عالميًا.
  • تشهد منطقة الساحل وحدها ما يزيد على أربعة آلاف حادثة أمنية سنويًا مرتبطة بالجماعات المسلحة، ويُشكّل الشباب الطيفَ الأوسع في صفوف هذه الجماعات.
  • البطالة في أوساط الشباب الأفريقي تتجاوز 60% في بعض دول الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء.

3.2 نماذج أفريقية رائدة تستحق الاستحضار

على الرغم من قسوة السياق، أنتجت القارة تجارب يمكن أن تكون مرجعًا داخليًا ومكمّلًا للنموذج اللاتيني:

تجربة رواندا في مصالحة ما بعد الإبادة: أسّست على مشاركة الشباب في محاكم غاشاشا المجتمعية، وأدمجت الشباب الناجين والجانين معًا في عمليات العدالة التصالحية، مما أنتج نموذجًا للمعالجة المجتمعية للصدمة الجمعية.

تجربة سيراليون في نزع السلاح وإعادة الإدماج: وإن كانت مثار نقد كثير، إلا أن عمليات إعادة إدماج الجنود الأطفال أسّست لمنهجية تشاركية جزئية.

تجربة كينيا في التحوّل الديمقراطي: حيث لعبت منظمات شبابية دورًا محوريًا في مراقبة الانتخابات والوساطة بين مجموعات بعد العنف الانتخابي.

حراك الربيع السوداني 2018-2019: الذي يُعدّ من أكثر نماذج القيادة الشبابية للتغيير السلمي نضجًا في تاريخ أفريقيا الحديث، بما أسّس له من هياكل تنسيقية أفقية وممارسات مساءلة داخلية.


رابعًا: كيف يستفيد الشباب الأفريقي من هذا الدليل - التحليل التطبيقي

4.1 المحور الأول: من الأمن الجنائي إلى الأمن الشامل

يُقدّم الدليل رؤيةً توسيعيةً للأمن تشمل التعليم والصحة والثقافة والبيئة والمشاركة الرقمية. وفي السياق الأفريقي، هذا التوسيع يعني بالتحديد:

في بيئة النزاع النشط كالسودان والكونغو والصومال: الأمن الشامل يتحوّل إلى ضرورة بقاء وليس ترفًا تنمويًا. فالمدارس المدمّرة والمرافق الصحية المنهوبة والمجتمعات المهجّرة لا تستطيع توليد أمن ما لم تتوفر حزمة خدمات إنسانية متكاملة تُعيد لحمة النسيج الاجتماعي.

في بيئة ما بعد النزاع كموزمبيق وليبيريا وأجزاء من مالي: يصبح الأمن الشامل مدخلًا لمنع الانتكاسة، لأن الانتكاسات لا تحدث حين تعود الأسلحة فقط، بل حين يعود الشباب إلى الفراغ نفسه الذي دفعهم إلى التسليح.

في بيئة السلم الهشّ كغانا وسنغال وتنزانيا: الأمن الشامل يعني الاستثمار الوقائي، وهو أرخص بكثير من تكاليف النزاع.

4.2 المحور الثاني: أجندة الشباب والسلام والأمن - الموارد القانونية الدولية

يستند الدليل إلى قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بأجندة الشباب والسلام والأمن. وللشباب الأفريقي في هذه القرارات رافعةً قانونيةً دوليةً ينبغي أن يُوظّفها بشكل أكثر استراتيجية:

  • القرار 2250 (2015) الصادر عن مجلس الأمن الذي يدعو لإشراك الشباب في عمليات السلام.
  • القرار 2419 (2018) الذي يؤكد دور الشباب في الوقاية من النزاعات.
  • القرار 2535 (2020) الذي يوسّع نطاق الالتزامات الدولية بدعم مشاركة الشباب.
  • الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل والشباب الذي يُلزم الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي بحماية حقوق الشباب ومشاركتهم.
  • أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي التي تضع الشباب في قلب مشروع التحوّل القاري.

استخدام هذه الأدوات القانونية الدولية والإقليمية في المناصرة المحلية وضغط المجتمع المدني يُعزّز مطالب الشباب بالمشاركة الحقيقية ويمنحها سندًا قانونيًا دوليًا ملزمًا.

4.3 المحور الثالث: المحاور الثمانية وتكيّفها مع السياق الأفريقي

يحدّد الدليل ثمانية محاور رئيسية لبناء الخطة المحلية. وفيما يلي تحليل كيفية توطين كل محور في السياق الأفريقي:

المحور الأول — تعزيز التماسك الاجتماعي: في أفريقيا، التماسك الاجتماعي لا يُبنى عبر برامج ترفيهية وثقافية فقط كما قد يُوحي النموذج اللاتيني، بل عبر معالجة جذرية للشقوق العميقة: الشقوق القبلية والإثنية والدينية، والمظالم التاريخية المتراكمة، وخطاب الكراهية السياسي الممنهج. برامج تعزيز التماسك ينبغي أن تُدمج آليات العدالة التصالحية والتربية على حقوق الإنسان والحوار بين الهويات.

المحور الثاني - تقليل عوامل الخطر: عوامل الخطر في السياق الأفريقي أكثر تركيبًا مما في السياق اللاتيني، وتشمل: ضعف دولة القانون، والفساد المؤسسي، والعنف الموسمي المرتبط بالانتخابات، والصراعات على الموارد الطبيعية كالأرض والمياه والمراعي. البرامج الوقائية ينبغي أن تُعالج هذه المحددات البنيوية لا مجرد الأعراض السلوكية الفردية.

المحور الثالث - الوقاية من العنف بين الأجيال والعنف ضد الشابات: يستدعي السياق الأفريقي اهتمامًا خاصًا بـالعنف الجنسي المرتبط بالنزاع الذي تعانيه الشابات في مناطق الحروب، وتجنيد الأطفال والقاصرين، وظاهرة الزواج المبكر القسري التي تُخرج الفتيات من دائرة المشاركة. برامج الوقاية ينبغي أن تُدمج هذه الأبعاد الجنسانية النوعية للنزاعات الأفريقية.

المحور الرابع - البيئات الحضرية الآمنة: مع تسارع التحضّر الأفريقي الذي يُفرز مدنًا غير رسمية ومخيمات نزوح وضواحي هشّة، يصبح هذا المحور ذا أهمية استثنائية. تجارب نيروبي وأكرا ولاغوس وخرطوم في إدارة المناطق العشوائية وتوفير الأمن غير الرسمي تُقدّم دروسًا ثمينة وتحدياتٍ لا تُغفلها.

المحور الخامس - منظومة الأمن والعدالة من منظور شبابي: في السياق الأفريقي، يعني هذا المحور مواجهة ظاهرة الإفلات من العقاب المزمنة، وتجريم الشباب في منظومات عدالة مُحيزة، والعلاقة المأزومة بين قوات الأمن والمجتمعات المهمّشة. إصلاح منظومة الأمن والعدالة من منظور شبابي وحقوقي هو شرط سابق لا لاحق لأي برنامج أمن مجتمعي.

المحور السادس - الوقاية من الجريمة: في مناطق تسيطر عليها الميليشيات والجماعات المسلحة، الوقاية من الجريمة تتجاوز النمط التقليدي للجريمة الفردية نحو الجريمة المنظمة السياسية. برامج التحويل والإحالة والمسارات البديلة ينبغي أن تُصمَّم بحساسية لهذه البيئة الخاصة.

المحور السابع - بناء القدرات المؤسسية: يستلزم السياق الأفريقي تركيزًا خاصًا على بناء قدرات الحكومات المحلية التي كثيرًا ما تفتقر إلى الكفاءة التقنية والموارد المالية اللازمة لقيادة خطط من هذا النوع. التعاون مع الجامعات الأفريقية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني يُكمل الفجوات المؤسسية.

المحور الثامن - تعزيز المشاركة الاجتماعية: المشاركة الاجتماعية في السياق الأفريقي تعني تجاوز القنوات الرسمية التي كثيرًا ما تُسيطر عليها النخب، نحو الفضاءات غير الرسمية والرقمية والثقافية حيث يتحرك الشباب الأفريقي الحقيقي: الفن الشارعي، والموسيقى الاحتجاجية، والتنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والشبكات القبلية والمجتمعية.

4.4 المحور الرابع: المراحل العشر وإعادة ترتيب الأولويات للسياق الأفريقي

يقترح الدليل عشر مراحل عملية لإعداد الخطة. وحين تُستحضر في السياق الأفريقي، تستدعي إعادة ترتيب أولويات ومراحل إضافية:

مرحلة صفر — بناء الثقة قبل أي شيء: لا يذكرها الدليل صراحةً، لكنها في السياق الأفريقي شرط أساسي. في المجتمعات التي عاشت صدمات العنف وخيانة المؤسسات، بناء الثقة بين الشباب والحكومات المحلية والمجتمع المدني يستغرق وقتًا ويتطلب خطوات مبكرة ملموسة قبل الشروع في التخطيط.

مرحلة التشخيص التشاركي — تعزيز أبعاد الصدمة والذاكرة الجمعية: التشخيص في سياق أفريقي يعني أيضًا التعامل مع الصدمة المجتمعية الجمعية والذاكرة التاريخية للعنف، وهي معطيات لا يمكن إغفالها في التشخيص دون أن تُلوّن النتائج وتُعيق المشاركة.

مرحلة بناء الرؤية — الجمع بين الحداثة والموروث الثقافي: بناء الرؤية المشتركة في السياق الأفريقي ينبغي أن يستحضر قيم الحكمة الجماعية الأفريقية (Ubuntu: أنا موجود لأن نحن موجودون)، وآليات حل النزاعات التقليدية، وعمق الهوية الثقافية المحلية، دون أن يتعارض ذلك مع الأطر الحقوقية الدولية.


خامسًا: العوائق الهيكلية - ما يجب مواجهته صراحةً

لا يُفيد الحديث عن إمكانات التطبيق دون مواجهة صريحة للعوائق الهيكلية الحقيقية:

5.1 عائق الحوكمة والمركزية المفرطة

معظم دول أفريقيا تعاني من مركزية سياسية ومالية شديدة تُفقر الحكومات المحلية وتجعلها عاجزةً عن قيادة مبادرات محلية مستقلة. لا يمكن بناء خطط محلية فاعلة دون تحوّل حقيقي نحو اللامركزية وتمكين الحكم المحلي.

5.2 عائق التمويل

خطط من هذا النوع تستلزم تمويلًا مستدامًا ومتنوّع المصادر. الاعتماد الكامل على التمويل الخارجي — سواء من جهات دولية أو دول مانحة — يُشكّل تهديدًا حقيقيًا للاستدامة والاستقلالية. بناء نماذج تمويل محلية من خلال موازنات الحكومات المحلية والقطاع الخاص والمجتمعات أنفسها شرط لا يمكن تجاوزه.

5.3 عائق البيانات وضعف الإحصاء

البنية التحتية للبيانات في أفريقيا لا تزال هشّة، مما يُصعّب التشخيص الدقيق وقياس الأثر. الاستثمار في توليد البيانات المحلية بمشاركة الشباب أنفسهم — عبر المسوح الاجتماعية وآليات التتبع المجتمعي - يُمكن أن يُعالج هذه الثغرة جزئيًا.

5.4 عائق الاستقرار السياسي

الانقلابات العسكرية المتكررة في الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغيرها)، وعدم الاستقرار الحكومي في مناطق النزاع، يُهدّدان استمرارية الخطط المحلية. تصميم الخطط بحيث تتمحور حول المجتمع المدني والمجتمعات المحلية لا حول الحكومة فحسب يُعزّز متانتها في مواجهة التقلبات السياسية.


سادسًا: توصيات عملية للتبنّي والتطبيق

بناءً على هذا التحليل، يُقدّم مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا التوصيات التالية:

على مستوى صانعي السياسات الأفارقة: تبنّي مفهوم الأمن المجتمعي الشامل رسميًا في الأطر التشريعية الوطنية والمحلية، والانتقال من سياسات تجريم الشباب إلى سياسات تمكينه ومشاركته الحقيقية.

على مستوى الاتحاد الأفريقي والهيئات الإقليمية: إطلاق مبادرة قارية لتبنّي نموذج الخطط المحلية للشباب والسلام والأمن، مع توفير الدعم التقني والمالي لتجارب رائدة في كل منطقة من مناطق القارة الخمس.

على مستوى منظمات المجتمع المدني: بناء تحالفات شبابية مدنية تستند إلى الأطر الحقوقية الدولية لمطالبة حكوماتها بالمشاركة الهادفة، وتوظيف التجربة اللاتينية نموذجًا مرجعيًا في المناصرة.

على مستوى الشباب الأفريقي مباشرةً: بناء شبكات أفريقية للتعلّم المتبادل بين المبادرات الشبابية المحلية في مختلف أنحاء القارة، وتطوير نماذج الخطط المحلية من الداخل بدلًا من انتظار تفويض من فوق، مع توظيف الفضاء الرقمي مساحةً للتنسيق والمناصرة.

على مستوى الشركاء الدوليين: دعم مبادرات التعلّم بين دول الجنوب (South-South Learning) التي تُتيح للشباب الأفريقي التعلّم مباشرةً من تجارب أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، مع احترام السياق المحلي وتجنّب الوصفات الجاهزة.


سابعًا: الخاتمة - من نموذج إلى فلسفة

لن يكون الشباب الأفريقي موضوعًا للحلول التي يصنعها غيرهم. هذه ليست إشارة إلى مقاومة التعلّم من التجارب الأخرى، بل هي مطالبة بأن يكون التعلّم نقديًا واستيعابيًا وتحويليًا. ما يُقدّمه الدليل اللاتيني ليس وصفةً يمكن استيرادها ونسخها؛ إنه دعوة إلى فلسفة في التعامل مع الشباب: فلسفة ترى فيهم فاعلين وقادة لا ضحايا ومشكلات، وترى في السلام عملية يومية تشاركية لا حالةً تصنعها الحكومات وتمنحها شعوبها.

إن الشباب الأفريقي يمتلك من الطاقة والإبداع والقدرة على الصمود ما يجعل هذه الفلسفة ليست حلمًا بعيد المنال، بل مسارًا ممكنًا وضروريًا. ما تحتاجه القارة ليس نسخًا من نماذج الآخرين، بل إطارات تُرشد الشباب الأفريقي إلى صناعة نموذجهم الخاص — نموذج تتجذّر فيه قيم Ubuntu الجماعية، وتتوافق فيه أدوات القانون الدولي لحقوق الإنسان مع عمق الهوية والثقافة الأفريقية.


قائمة المراجع والمصادر

  1. United Nations Security Council, Resolution 2250 on Youth, Peace and Security, S/RES/2250, 2015.
  2. United Nations Security Council, Resolution 2419 on Youth, Peace and Security, S/RES/2419, 2018.
  3. United Nations Security Council, Resolution 2535 on Youth, Peace and Security, S/RES/2535, 2020.
  4. African Union, Agenda 2063: The Africa We Want, African Union Commission, Addis Ababa, 2013.
  5. African Charter on the Rights and Welfare of the Child, OAU Doc. CAB/LEG/24.9/49, 1990.
  6. United Nations Development Programme (UNDP), Human Development Report: Perspectives on Human Development, UNDP, 1994.
  7. African Development Bank, Jobs for Youth in Africa: Strategy for Creating 25 Million Jobs and Equipping 50 Million Youth 2016-2025, African Development Bank Group, 2016.
  8. Small Arms Survey, Conflict, Community, and Security in Africa, Geneva, 2022.
  9. ACLED (Armed Conflict Location & Event Data Project), Annual Report: Africa, 2023.
  10. Human Rights Watch, Soldiers Who Rape, Commanders Who Condone: Sexual Violence and Military Reform in the Democratic Republic of Congo, HRW, 2009.
  11. Amnesty International, Africa Regional Report: Human Rights in the Sahel, 2023.
  12. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Africa Humanitarian Snapshot, 2023.
  13. Mamdani, Mahmood, Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism, Princeton University Press, 1996.
  14. Mbembe, Achille, On the Postcolony, University of California Press, 2001.
  15. Tutu, Desmond, No Future Without Forgiveness, Doubleday, 1999. (حول تجربة رواندا وجنوب أفريقيا في العدالة التصالحية)
  16. UNICEF, Children Recruited by Armed Forces or Armed Groups, UNICEF, 2022.
  17. International Crisis Group, The Sahel: A Crisis of Governance, Crisis Group Africa Report, 2023.
  18. African Youth Charter, African Union, 2006.
  19. United Nations Population Fund (UNFPA), State of World Population: Africa Youth Report, 2023.
  20. دليل إعداد الخطط المحلية للشباب والسلام والأمن، المصدر الأصلي المُحلَّل في هذا التقرير، أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، 2023.

صدر عن مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا إعداد: الباحث الكرتي، ناشط حقوقي وباحث أكاديمي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي