المناطق البحرية التي تُرسيها الاتفاقية: قانون البحار والمضايق والتجارة الدولية: الإطار القانوني الشامل: مضيق هرمز - أهم مضيق نفطي في العالم: الوضع القانوني لمضيق هرمز

 



مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - السودان إعداد: الباحث / HA-ALKRTY


أولاً: الإطار القانوني الدولي - اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)

١. نشأة الاتفاقية وأهميتها التأسيسية

اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) هي اتفاقية دولية نتجت عن مؤتمر الأمم المتحدة الثالث لقانون البحار الذي انعقد بين عامَي 1973 و1982، وقد حددت الاتفاقية حقوق ومسؤوليات الدول فيما يتعلق باستخدامها لمحيطات العالم، ووضعت مبادئ توجيهية للأعمال التجارية والبيئة وإدارة الموارد الطبيعية البحرية، وحلّت محل المعاهدة الرباعية لسنة 1958 بشأن أعالي البحار.

أُبرمت الاتفاقية في العاشر من ديسمبر 1982 في مونتيغو باي بجامايكا، عقب مفاوضات مطوّلة، قبل أن تدخل حيّز النفاذ في السادس عشر من نوفمبر 1994. وتُشكّل هذه الاتفاقية ما يُعادل "دستور البحار" الدولي، إذ تُرسي الأطر القانونية التي تحكم الملاحة في المضايق والممرات المائية الدولية بما فيها تلك التي تحمل أهمية قصوى للتجارة العالمية.

٢. المناطق البحرية التي تُرسيها الاتفاقية

تُحدد الاتفاقية هرمية واضحة للمناطق البحرية تتدرج من المياه الداخلية الواقعة داخل خط الأساس وتخضع لسيادة كاملة، مروراً بالبحر الإقليمي الممتد إلى اثني عشر ميلاً بحرياً وتسري فيه السيادة مع حق المرور البريء، وصولاً إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة الممتدة إلى مئتي ميل حيث تتمتع الدولة بحقوق اقتصادية دون سيادة كاملة، ثم الجرف القاري الذي يمتد حتى ثلاثمئة وخمسين ميلاً وتختص به الدولة باستغلال الموارد الطبيعية، فأعالي البحار التي تسود فيها حرية الملاحة المطلقة. وتُمنح الدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر ومنه دون فرض ضرائب على حركة المرور عبر دول العبور.


ثانياً: أنظمة العبور في المضايق الدولية

١. نظام المرور العابر (Transit Passage)

يُعدّ هذا النظام الأكثر أهمية في منظومة قانون البحار ويطبَّق على المضايق الطبيعية التي تصل مناطق بحرية مفتوحة ببعضها. يضمن نظام المرور العابر وفق المادة 37 من الاتفاقية حرية الملاحة والتحليق بصورة مستمرة وغير معاقة لجميع السفن والطائرات، في إطار قواعد محددة توازن بين الاستخدام الدولي للمضيق وحقوق الدول المشاطئة. وتُعدّ المادة 41 أساساً لتنظيم الممرات البحرية ونُظُم فصل حركة السفن بما يحقق سلامة الملاحة، في حين تُخوّل المادة 42 الدول الساحلية اعتماد قوانين وأنظمة تتعلق بسلامة الملاحة وحماية البيئة وتنظيم حركة المرور، شريطة ألّا تؤدي عملياً إلى تعطيل أو إعاقة حق العبور.

٢. نظام المرور البريء (Innocent Passage)

يُطبَّق هذا النظام على المضايق التي تصل منطقة بحرية بالبحر الإقليمي لدولة ما، ويمنح صلاحيات أوسع للدول الساحلية في التنظيم، غير أنه يحظر التوقف أو الإضرار بأمن الدولة الساحلية ويُلزم بالمرور السريع المتواصل.

٣. الفارق الجوهري بين المضايق الطبيعية والقنوات الاصطناعية

يُعدّ هذا الفارق من أهم الفوارق في قانون البحار الدولي وأكثرها أثراً على حقوق الدول وواجباتها. تمر القنوات عبر أراضٍ تتمتع فيها الدول المعنية بسيادة كاملة، ولا تخضع إلا للمعاهدات المبرمة، وبالتالي يحق لها فرض رسوم المرور. في حين أن المضايق الطبيعية كهرمز وملقا وجبل طارق تخضع لحق المرور العابر المطلق الذي لا يجيز فرض أي رسوم عبور من حيث المبدأ.


ثالثاً: مضيق هرمز - أهم مضيق نفطي في العالم

١. الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية

تنبع أهمية مضيق هرمز من كونه الممر البحري الوحيد للخليج العربي إلى المياه المفتوحة والعالم، إذ يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته بما يعادل أكثر من عشرين مليون برميل يومياً، إضافةً إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وذلك وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عام 2024 والربع الأول من 2025. وبلغ متوسط حركة السفن في المضيق نحو 144 سفينة يومياً بحلول منتصف يونيو 2025.

٢. الوضع القانوني لمضيق هرمز

يخضع المضيق لقواعد القانون الدولي للبحار، وتحديداً نظام "المرور العابر" وفق اتفاقية 1982، مما يضمن حرية الملاحة للسفن. ويمنع هذا المعيار القانوني أي دولة ساحلية من إيقاف السفن التي تمر في المضيق أو فرض ضرائب عليها أو ترخيصها أو الموافقة عليها بشكل انتقائي.

٣. الموقف الإيراني والتوترات القانونية

وقّعت إيران على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها لم تصادق عليها، مما يفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة حول مدى إلزامية هذه الأحكام في حقها. ومع ذلك هددت إيران مراراً وتكراراً بإغلاق المضيق، مطالبةً السفن التجارية بالتنسيق معها وفارضةً قيوداً على العبور، وتشكّل هذه الإجراءات تحدياً مباشراً للمبدأ الدولي الراسخ الذي ينص على عدم سيطرة أي دولة بمفردها على أي مضيق دولي.

وبالنظر إلى جغرافية مضيق هرمز وانعدام البدائل للتجارة البحرية، يتضح جلياً أن استيفاء جميع شروط إغلاق الممرات الملاحية الدولية أمرٌ بالغ الصعوبة، حيث لا تملك إيران في هذه الظروف إلا إغلاق ممر مائي دولي يضمن حق العبور، لا سيما للتجارة البحرية المدنية، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقانون الدولي العرفي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل سيؤدي إلى نقص حاد في إمدادات النفط والغاز وانهيار أسواق الطاقة العالمية، وقد يدفع سعر برميل النفط إلى مئة دولار أو أكثر في غضون أيام، كما سيدفع تكاليف التأمين البحري إلى الارتفاع بنسب هائلة.


رابعاً: قناة السويس - الممر الاصطناعي والنظام القانوني الخاص

١. الإطار القانوني التأسيسي

القنوات عبارة عن طرق مائية اصطناعية تُحفر في إقليم دولة أو أكثر لوصل بحرين تسهيلاً لحركة الملاحة الدولية، وتخضع هذه القنوات لسيادة الدولة أو الدول التي توجد بها القناة، ما لم يوجد اتفاق دولي يُقرر لها نظاماً قانونياً معيناً. وتستند قناة السويس إلى اتفاقية القسطنطينية لعام 1888 التي تضمن مبدأ حرية الملاحة وفق شروط محددة، وتخضع لنظام قانوني خاص يُجيز فرض رسوم عبور نظراً لطبيعتها كممر مائي صناعي.

٢. إشكالية السفن الحربية

ذهب البعض إلى أنه لا يجوز منع السفن الحربية التي تقوم بعدوان غير مشروع ضد دولة أخرى من العبور، وعِلّة ذلك أن القناة مفتوحة على الدوام لكل السفن المدنية والحربية وقت السلم ووقت الحرب وفقاً لصريح النص الذي تتضمنه اتفاقية القسطنطينية. وذهب البعض الآخر إلى عدم السماح للسفن الحربية التابعة للدولة المعتدية بعبور القناة، إذ إن القانون الدولي حالياً يُقرر منع تقديم أي مساعدة للدولة المعتدية.

٣. التطورات المالية والسياسية الراهنة

تُعدّ قناة السويس أكثر الممرات المائية ربحيةً، إذ حققت رقماً قياسياً بلغ 10.3 مليار دولار أمريكي من رسوم العبور في عام 2023، قبل أن يُعيق الصراع في الشرق الأوسط حركة الملاحة في المنطقة ويُحوّل معظم الشحنات حول رأس الرجاء الصالح. وسجّل نشاط الشحن انكماشاً بنسبة 70% تقريباً في السنة المالية 2024–2025، قبل أن تُعلن هيئة قناة السويس في مايو 2025 تخفيض الرسوم بنسبة 15% لمدة تسعين يوماً على السفن التي لا تقل حمولتها الصافية عن 130 ألف طن متري.


خامساً: قناة بنما - النموذج الأمريكي اللاتيني

تخضع قناة بنما لمعاهدة تورييخوس-كارتر لعام 1977 التي أعادت السيادة الكاملة على القناة إلى بنما بحلول عام 1999، وتُلزم بنما بضمان استمرار الملاحة الدولية وتنظيم الرسوم بصورة عادلة وغير تمييزية. وتُسدَّد رسوم عبور سفن الحاويات سعة اثني عشر ألف حاوية في قناة بنما ما يصل إلى 1.1 مليون دولار. وفي أوقات الأزمات، دفعت شركات نفط ما يزيد على ثلاثة ملايين دولار بالإضافة إلى رسوم العبور، لتسريع مرورها في ظل ارتفاع أسعار النفط.


سادساً: نماذج المضايق الدولية حول العالم

١. مضيق ملقا - شريان آسيا التجاري

مضيق ملقا الذي تمر عبره نحو 40% من التجارة العالمية تُشرف عليه إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وتربطها اتفاقية ثلاثية موقعة عام 1971 تؤكد مجانية المرور وتقصر الرسوم على الخدمات الملاحية بعد توافق الأطراف الثلاثة. ويُمثّل هذا النموذج مثالاً يُحتذى به للحوكمة المشتركة، إذ وازن بين سيادة الدول المتشاطئة وحرية الملاحة الدولية دون نزاعات مستمرة.

٢. مضيق البوسفور - النموذج التركي واتفاقية مونترو

مضيق البوسفور التركي يخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936 التي منحت أنقرة حق تنظيم الملاحة مع كفالة حرية مرور السفن التجارية في أوقات السلم. وتمنح هذه الاتفاقية تركيا صلاحية تقييد مرور السفن الحربية للدول غير البحر الأسود في أوقات الحرب، وهو ما طُبّق فعلياً إثر الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين أغلقت تركيا المضيق أمام السفن الحربية مستندةً إلى صلاحياتها القانونية المقررة بموجب الاتفاقية.

٣. مضيق باب المندب - نقطة الاختناق اليمنية

يُصنَّف مضيق باب المندب في الأدبيات الجيوسياسية ضمن ما يُعرف بـ"نقاط الاختناق البحرية"، وهي الممرات الضيقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية والطاقة، وتكمن أهمية هذه النقاط في أن ضيقها الجغرافي يجعلها عرضةً للتأثير المباشر في تدفق الملاحة الدولية، بحيث يمكن لأي اضطراب أمني أو عسكري فيها أن ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي. وتتعلق أهميته الاستراتيجية بمدى قدرة الدول المتشاطئة على إنشاء نظام أمني مستدام حول المضيق، ومدى احترام قواعد القانون الدولي وقانون البحار أو تحوّله إلى منطقة صراع وفرض نفوذ وتهديد للمصالح المتبادلة. وتنظّم اليمن حركة الملاحة في المضيق الكبير وفقاً لأحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المعقودة بهذا الشأن.

٤. مضيق جبل طارق - نقطة تقاطع القارات

يخضع مضيق جبل طارق لاتفاقيات خاصة، وإن ظل في ذات الوقت خاضعاً للقواعد العامة التي تضمن حرية الملاحة الدولية. تُشرف عليه المملكة المتحدة وإسبانيا من الجهة الأوروبية والمملكة المغربية من الجهة الأفريقية، وتسري عليه أحكام اتفاقية UNCLOS مع الاعتراف التاريخي بحق المرور العابر لجميع الأطراف بلا قيود.


سابعاً: الإشكاليات القانونية الراهنة والتطورات المعاصرة

١. أزمة التطبيق وغياب آلية الإنفاذ

عدد المضايق البحرية الرئيسية في العالم يصل إلى نحو 33 مضيقاً، وفرض رسوم على أي منها قد يفتح الباب أمام إجراءات مماثلة في مضايق أخرى، مما يُمثّل تهديداً مباشراً لحركة التجارة العالمية. وتبقى الهوّة بين النص القانوني وآليات الإنفاذ ثغرةً هيكلية عميقة في المنظومة الدولية، يستغلها الفاعلون الإقليميون لفرض وقائع ميدانية تتجاوز الالتزامات القانونية المقررة.

٢. حدود السيادة أمام المصلحة الجماعية الدولية

إذا تمكنت دولة واحدة من فرض إرادتها بشكل أحادي لتحديد الجهات المسموح لها بالمرور وشروط وثمن ذلك، فستصبح كل نقطة عبور استراتيجية عرضةً للخطر، وترتفع تكاليف التأمين وأسعار الطاقة وتتأثر سلاسل التوريد العالمية سلباً تحت ضغط انعدام الاستقرار المفتعل.

٣. نحو نماذج حوكمة بديلة

ثمة مطالب جدية بصياغة اتفاقية إقليمية خاصة بمضيق هرمز على غرار نموذج ملقا، تُنظّم الملاحة وتُحدد آلية تحصيل رسوم الخدمات وتوزيعها بشفافية بين إيران وعُمان والإمارات، إلى جانب مطلب بإلحاق إيران والولايات المتحدة باتفاقية قانون البحار لتثبيت مرجعية قانونية واحدة تحكم أهم مضيق نفطي في العالم.


خلاصة تحليلية

يكشف الاستعراض القانوني المقارن للمضايق والممرات المائية الدولية عن ثلاثة محاور جوهرية لا يمكن إغفالها في أي قراءة معمّقة لهذا الملف.

أولها أن القانون الدولي يُرسي تمييزاً حاسماً بين المضايق الطبيعية التي تخضع لحق المرور العابر المطلق بموجب اتفاقية UNCLOS، والقنوات الاصطناعية التي تخضع لاتفاقيات خاصة تُجيز فرض الرسوم لكونها تقع داخل السيادة الإقليمية الكاملة للدولة المعنية.

وثانيها أن الفجوة بين النص القانوني وآليات الإنفاذ تظل ثغرةً هيكليةً في المنظومة الدولية، يستغلها الفاعلون الإقليميون لفرض وقائع ميدانية تتجاوز الالتزامات القانونية المقررة، وهو ما يتجلى بوضوح في السلوك الإيراني تجاه مضيق هرمز وفي التهديدات التي تطال باب المندب.

وثالثها أن حرية الملاحة في المضايق الدولية ليست امتيازاً تمنحه دولة ساحلية وتسلبه متى شاءت، بل هي حق راسخ في القانون الدولي العرفي والتعاهدي على حدٍّ سواء، والمساس به اعتداء صريح على السلم والأمن الاقتصادي الدوليين يستوجب المحاسبة وفق الآليات الدولية المقررة.


مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - السودان إعداد: الباحث HA-ALKRTY

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي