الملكة أروى بنت أحمد الصليحي - السيدة الحرة:أعظم ملكة في تاريخ اليمن والإسلام: امرأة صمدت وسط الفواجع: عدالتها وإنسانيتها - الحاكمة التي أحبّها الناس
استناداً إلى المصادر المتاحة، سيرة شاملة ومعمّقة عن الملكة أروى بنت أحمد الصليحي:
الملكة أروى بنت أحمد الصليحي - السيدة الحرة
أعظم ملكة في تاريخ اليمن والإسلام
أولاً: النشأة والتكوين
وُلدت أروى عام 442 هـ (حوالي 1050م) في منطقة حِراز الواقعة بجبال اليمن الغربية، لأسرة ذات جذور في القبائل اليمانية العريقة. وبعد وفاة والدها في صراع قبلي وهي لا تزال طفلة، انتقلت مع والدتها إلى قصر علي بن محمد الصليحي في صنعاء، حيث كفلتها زوجته أسماء بنت شهاب — المرأة ذات الثقافة الرفيعة والمكانة الكبيرة في الدولة.
تلقّت أروى تعليماً دينياً وأدبياً راقياً، حيث أتقنت اللغة العربية والفقه الإسماعيلي والبلاغة والتفسير، مما مهّد لها طريق القيادة في وقت لم يكن مألوفاً أن تتولى المرأة هذا النوع من الأدوار.
ثانياً: طريقها إلى الحكم
في عام 458 هـ (1065م)، زُوِّجت أروى لولي العهد المكرم أحمد بن علي الصليحي، واستقرّت معه في مدينة جبلة التي تحوّلت لاحقاً إلى عاصمة للدولة.
تولّت أروى الحكم رسمياً بعد وفاة زوجها المكرم أحمد بن علي الصليحي الذي كان يعاني من مرض شديد أفقده السيطرة. ورغم وجود رجال في العائلة، إلا أن الاختيار وقع عليها. وهو ما يعكس مدى المكانة الاستثنائية التي بلغتها في البلاط الصليحي قبل توليها مقاليد الحكم.
ثالثاً: المآسي الشخصية - امرأة صمدت وسط الفواجع
كانت حياة أروى الخاصة مليئة بالخسارات التي كانت قادرة على أن تُسقط أي إنسان، غير أنها حوّلت كل مصيبة إلى وقود للعطاء:
فقدان الزوج الأول: فقدت زوجها المكرم أحمد بن علي الصليحي مريضاً عاجزاً، وتحمّلت أعباء الحكم إلى جانب مرضه حتى وفاته.
الزواج القسري من سبأ بن أحمد: يُشير المؤرخ الدكتور راغب السرجاني أن أروى وافقت على زواجها الثاني مرغمةً، وسار إليها الملك سبأ إلى مدينة جبلة وأقام عندها شهراً، لكنها لم تسمح له بالاقتراب منها حتى احتقر نفسه وندم على الزواج بها. وظلّت العلاقة بينهما على الورق فقط، لكنه لم يبخل عليها بأية مساعدة في شؤون الدولة. وبعد موته ضعف ملك الصليحيين، فتحصّنت الملكة أروى واستولت على الأعمال والحصون، وأقامت لها وزراء وعمّالاً، وامتدّت أيامها بعد ذلك أربعين سنة.
فقدان الأبناء: لُقِّبت بـ"السيدة الحرة"، وقد فقدت طفليها في حياتها — مصيبة لم تكسر عزيمتها، بل زادت في انكبابها على خدمة شعبها وبنائه.
رابعاً: عدالتها وإنسانيتها - الحاكمة التي أحبّها الناس
١. الحكم بالعدل والتسامح
سمحت أروى بالتعددية المذهبية في بلادها، ولم تضطهد المخالفين — وهو موقف نادر في عصرها يدلّ على نضج سياسي وإنساني رفيع.
٢. بناء الشعب لا القصور فقط
أنشأت المساجد والمدارس ونشرت التعليم بين النساء والرجال، وطوّرت شبكات المياه والري والزراعة، ودعمت العلماء والدعاة والفقهاء واحتضنتهم. وأحسنت إدارة الضرائب والمالية مما ساعد في استقرار الدولة.
٣. النهضة العمرانية والثقافية
قادت أروى نهضة عمرانية وثقافية كبرى، فعبّدت الطرق وبنت المساجد، وأقامت العديد من المدارس الدينية. ويُعدّ قصرها الكبير في جبلة المعروف بـ"دار العز" واحداً من أشهر آثارها على الإطلاق.
٤. كرامتها الشخصية نموذجاً للعدالة
رفضت أن تُهان حتى من زوج أُكرهت عليه - فحافظت على كرامتها وكرامة الدولة في آنٍ معاً. كانت حياتها الشخصية درساً في أن الحاكم العادل يبدأ بالعدل مع نفسه قبل غيره.
٥. الشرعية الدينية والرمزية السياسية
اشتهرت أروى بحكمها الحكيم الذي لم يُفِد شعبها فحسب، بل عزّز الفن والأدب والعمارة أيضاً. وكانت سياستها قائمة على التوازن بين القوة والعدل.
وقد بلغت مكانتها الدينية من الرِّفعة حدّاً لم تبلغه امرأة قبلها في الإسلام: فقد خُطب باسمها في المساجد — وهو تكريم ديني وسياسي لا يُمنح إلا للخلفاء والحكام الشرعيين.
خامساً: إرثها المادي الباقي
مسجد الملكة أروى في مدينة جبلة بُني بين عامَي 477 و532 هـ (1085 – 1138م). وعندما انتقلت الملكة أروى إلى جبلة عام 480 هـ، أمرت بتحويل "دار العز الأول" إلى هذا الجامع الذي ينسب إليها، ولا يزال قائماً محتفظاً بعناصره المعمارية والزخرفية الرائعة.
حكمت اليمن خمسين عاماً، وساهمت في نشر المذهب الإسماعيلي في اليمن وعُمان والهند. ولا تزال شواهد اليمن تحكي قصة حكمها وحكمتها حتى اليوم.
سادساً: هل يُحيي أهل اليمن أمجادها اليوم؟
الإجابة الأمينة: الإرث موجود، لكن الإحياء ناقص.
ما هو موجود: لا تزال الملكة أروى تُستحضر في الذاكرة الجمعية كحاكمة عادلة وسياسية حكيمة وعلامة فارقة في تاريخ اليمن والعالم الإسلامي. ومسجدها في جبلة شاهدٌ حيّ على عظمتها.
ما يعيق الإحياء: الحرب التي دمّرت اليمن منذ 2015 أعاقت أي مشروع ثقافي أو تراثي منظّم. مدينة جبلة عاصمتها تعاني من الإهمال والتدهور. والحديث عن ملكة امرأة يظلّ حساساً في سياق اجتماعي وسياسي بالغ التعقيد.
ما ينبغي أن يكون: تجربة الملكة أروى تُعدّ إحدى العلامات المضيئة في التاريخ الإسلامي الوسيط، وتستحق أن يُعاد إحياؤها في الذاكرة الجماعية المعاصرة. واليمن المنكوب اليوم، بأشدّ ما يكون، يحتاج إلى استلهام نموذج حاكمة أعادت بناء الدولة وسط الأزمات، وآثرت الشعب على نفسها، وصمدت رغم كل ما فقدت.
خلاصة القول
أروى بنت أحمد الصليحي لم تكن ملكةً فحسب — كانت ظاهرة إنسانية استثنائية: فقدت الأب طفلةً، وفقدت زوجها الأول شاباً، وزُوِّجت قسراً فأبت الاستسلام، وفقدت أبناءها فلم تنهر، وحكمت خمسين عاماً دون أن تفقد عدالتها. لقد حوّلت كل خسارة إلى مدرسة، وكل مصيبة إلى منارة — وبقي اسمها منقوشاً في حجر مسجدها بجبلة، وفي وجدان كل من يبحث في تاريخ اليمن العريق.

تعليقات
إرسال تعليق