الاتفاقيات الإبراهيمية: الخلفية التاريخية وإشكاليات السلام والعدالة والأمن الإقليمي: فجر جديد" في منطقة الشرق الأوسط، إذ أرست جسور التطبيع الدبلوماسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية
الاتفاقيات الإبراهيمية: الخلفية التاريخية وإشكاليات السلام والعدالة والأمن الإقليمي
مقال تحليلي صادر عن مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — السودان
بقلم: الباحث الكرتي
مقدمة
في سبتمبر 2020، أعلن العالم عن اتفاقيات إبراهيمية وُصفت بأنها "فجر جديد" في منطقة الشرق الأوسط، إذ أرست جسور التطبيع الدبلوماسي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في مقدمتها الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ثم لحقت بهما المغرب والسودان لاحقاً. غير أن هذه الاتفاقيات — بما تحمله من خطاب التسامح والسلام الديني والازدهار المشترك — تستدعي قراءةً نقدية معمّقة تتجاوز البريق الإعلامي، وتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلام المُبنى في غياب العدالة، ومدى انعكاسها على حقوق الشعب الفلسطيني والأمن الإقليمي الشامل.
يتناول هذا المقال خلفية الاتفاقيات التاريخية، ومضامينها المُعلنة، وإشكالياتها القانونية والحقوقية، وموقف مركز الحقيقة والمعرفة من مسألة الانضمام إليها.
أولاً: الخلفية التاريخية — من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى أبراهام
لفهم الاتفاقيات الإبراهيمية، لا بد من استيعاب المسار التاريخي للتسويات العربية-الإسرائيلية:
- 1979 — معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية: أُبرمت برعاية أمريكية في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وأفضت إلى انسحاب إسرائيلي من سيناء مقابل اعتراف مصر بإسرائيل دولةً، وتعرضت مصر بسببها لعزلة عربية قاسية.
- 1994 — معاهدة وادي عربة: ربطت الأردن بإسرائيل دبلوماسياً في إطار اتفاقيات أوسلو، مع الإبقاء على دور الأردن الوصائي على المقدسات الإسلامية في القدس.
- 1993-2000 — مسار أوسلو: شكّل أول اعتراف فلسطيني رسمي بإسرائيل، غير أن مساره أُجهض بفعل التوسع الاستيطاني المستمر، وفشل قمة كامب ديفيد 2000.
- 2020 — الاتفاقيات الإبراهيمية: جاءت في سياق استراتيجي مغاير كلياً؛ إذ أرست تطبيعاً بين إسرائيل ودول لا تجمعها معها حدود مشتركة ولا نزاعات إقليمية مباشرة، متجاوزةً بذلك الشرط التقليدي المتمثل في تسوية القضية الفلسطينية أولاً. وقد جاءت في سياق انتخابي أمريكي داخلي، وتحت ضغط صفقات إقليمية مُقابَلة: الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية، والرفع الأمريكي للسودان من قوائم الإرهاب.
ثانياً: مضامين الإعلان الإبراهيمي — قراءة في الخطاب
يتبنّى إعلان الاتفاقيات خطاباً إنسانياً رفيعاً يستحضر قيم التسامح الديني والكرامة الإنسانية واحترام التنوع، ويستند إلى المرجعية الإبراهيمية المشتركة للأديان الثلاثة. والحقيقة أن هذا الخطاب في مضمونه القيمي لا يمكن الاعتراض عليه مبدئياً؛ فالتسامح الديني والتعاون بين الشعوب غايات نبيلة تنادي بها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية على حدٍّ سواء.
بيد أن الإشكالية تكمن في الهوّة بين الخطاب والواقع، وفي التساؤل: هل يمكن بناء سلام حقيقي ومستدام دون معالجة جذور النزاع؟
ثالثاً: الإشكاليات الجوهرية — أين العدالة من معادلة السلام؟
1. السلام بدون حقوق: معادلة ناقصة
تُقرّ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة وإعلان فيينا 1993، بأن السلام الدائم لا يقوم إلا على ركيزتي العدالة والمساواة. فاتفاقيات التطبيع التي تتجاهل:
- حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره المكفول بموجب قرار الجمعية العامة 1514 وقرارات مجلس الأمن 242 و338،
- استمرار الاحتلال العسكري وتوسع المستوطنات المنتهك للقانون الدولي بصريح المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة،
- ملف اللاجئين الفلسطينيين وحقهم المقرر بموجب قرار 194،
— لا يمكن وصفها بسلام عادل، بل هي تسويات براغماتية تُكرّس الوضع القائم بدلاً من تغييره.
2. غياب التمثيل الفلسطيني
أُبرمت الاتفاقيات الإبراهيمية دون استشارة الطرف المعني الأساسي بالنزاع. وهذا يُشكّل سابقة خطرة تتعارض مع مبدأ "لا شيء عنّا بدوننا" الذي يرسخه القانون الدولي والممارسة الدبلوماسية السليمة.
3. الصفقات المُرفقة وإشكاليات السيادة
انضمام السودان إلى الاتفاقيات الإبراهيمية في ظروف الهشاشة السياسية عقب ثورة ديسمبر 2018 يُثير تساؤلات حقيقية حول مدى تعبيره عن إرادة شعبية حرة؛ إذ جاء مرتبطاً بالرفع الأمريكي للسودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما يجعله أقرب إلى صفقة تحت الضغط منه إلى خيار سيادي مدروس.
4. أثر الاتفاقيات على ميزان القوى الإقليمي
يرى المنتقدون أن الاتفاقيات الإبراهيمية — بدلاً من أن تُسهم في نزع فتيل الصراعات الإقليمية — أفضت إلى:
- تعزيز التحالف الإسرائيلي-الخليجي في مواجهة إيران، مما يُعمّق الاستقطاب الإقليمي.
- تقليص الورقة التفاوضية الفلسطينية، إذ يحصل المطبّعون على مكاسب مسبقة دون انتزاع أي ضمانات للحل النهائي.
- تشجيع إسرائيل على التمسك بسياساتها دون دفع ثمن سياسي.
رابعاً: الأمن الإقليمي والسلام المستدام — ما الذي تحتاجه المنطقة فعلاً؟
من منظور مركز الحقيقة والمعرفة، فإن الأمن الإقليمي الحقيقي يستدعي:
- تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية تُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
- نزع السلاح الإقليمي وإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
- تفعيل آليات المساءلة الدولية وعدم الإفلات من العقاب على انتهاكات القانون الإنساني الدولي.
- تمكين المجتمعات المدنية في صنع قرارات السلام بدلاً من إبرام الاتفاقيات فوق رؤوس الشعوب.
خامساً: موقف المركز — نحو انضمام مشروط وقائم على العدالة
يُدرك مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان أن ثمة وجهات نظر متباينة داخل الفضاء العربي والإسلامي إزاء الاتفاقيات الإبراهيمية، ولا يدّعي المركز امتلاك الحقيقة المطلقة في مسألة بالغة التعقيد السياسي والقانوني. غير أنه يُقرّر المبادئ التالية:
- ندعو إلى حوار جادّ حول مسألة الانضمام إلى أي اتفاقيات إقليمية، شريطة أن يكون هذا الحوار مفتوحاً، وشاملاً للمجتمعات المدنية، وغير مفروض تحت وطأة الضغوط الخارجية.
- ندعو إلى ربط أي تطبيع بالتزامات قانونية واضحة وقابلة للتحقق تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، وبوقف الاستيطان، وفتح أفق سياسي حقيقي نحو حل الدولتين.
- نرفض التطبيع المجاني الذي لا يُقدّم للشعوب سوى الشعارات، بينما يخدم — في الجوهر — الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.
- نُؤكد أن الاتفاقيات الإبراهيمية في مضمونها القيمي المُعلن — احترام الكرامة الإنسانية والتنوع الديني والسلام — قيمٌ نتبنّاها ونناضل من أجلها؛ لكن تحقيق هذه القيم يتطلب إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور الظلم، لا الاكتفاء بصياغات إنشائية تُزيّن المآلات المؤلمة.
خاتمة: السلام الذي نريد
السلام الحقيقي في الشرق الأوسط ليس توقيع وثائق في البيت الأبيض، بل هو مسيرة شاقة نحو إنصاف المظلومين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وبناء بُنى مؤسسية إقليمية تضمن للجميع — عرباً وإسرائيليين وفلسطينيين وأقليات المنطقة — حياةً تليق بكرامة الإنسان.
ندعو المجتمع الدولي، والدول العربية والإسلامية، والمجتمعات المدنية، إلى الانخراط في حوار صادق وشامل حول مستقبل المنطقة؛ حوار لا يُسقط الضحايا من حساباته، ولا يُهادن الاحتلال، ولا يُكافئ الانتهاكات بالاعتراف والشرعية.
السلام الذي نريد هو سلام يصمد لأنه عادل — لا سلامٌ يتصدّع لأنه بُني على التجاهل.
صادر عن مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — السودان الباحث: الكرتي
للمزيد والتواصل: #الاتفاقيات_الإبراهيمية | #السلام_العادل | #حقوق_الإنسان | #فلسطين | #مركز_الحقيقة_والمعرفة

تعليقات
إرسال تعليق