سيطرة شبكات اجتماعية محددة – ذات امتدادات قبلية وتاريخية معروفة في وسط وشمال السودان – على مفاصل القيادة العسكرية
احتكار المؤسسة العسكرية في السودان: الجذور الجهوية للقيادة العسكرية
على مدى عقود طويلة، ظلّت الكليات العسكرية السودانية، وعلى رأسها الكلية
الحربية، كلية القادة والأركان، كلية الحرب العليا، وأكاديمية نميري العسكرية
العليا، تشكل المسار الرئيسي لصناعة القيادة العسكرية العليا في البلاد. غير أن
مراجعة التكوين الجهوي والاجتماعي لعدد كبير من الضباط الذين تخرّجوا من هذه
المؤسسات تكشف عن ظاهرة لافتة تتمثل في تركّز القبول والترقي القيادي في نطاق
جغرافي واجتماعي محدود داخل ما يعرف تاريخياً بمناطق المركز النيلي.
وقد أدى هذا التركّز إلى سيطرة شبكات اجتماعية محددة – ذات امتدادات قبلية
وتاريخية معروفة في وسط وشمال السودان – على مفاصل القيادة العسكرية، بما في ذلك
مواقع الأركان، الاستخبارات العسكرية، والقيادات العملياتية العليا، بينما ظل
تمثيل مناطق دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، وشرق السودان ضعيفاً للغاية داخل
الكليات القيادية العليا.
ومع اندلاع حرب أبريل 2023، ظهر التناقض بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ تحملت
الوحدات الميدانية التي تضم مجندين وجنوداً من مناطق الهامش العبء الأكبر من
القتال والخسائر البشرية، في حين ظلّت نسبة كبيرة من القيادة العليا، التي صُنعت
تاريخياً داخل المؤسسات العسكرية النخبوية، بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة
المباشرة، وهو ما فتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة الجيش السوداني: هل هو جيش
وطني يمثل جميع أقاليم السودان فعلياً، أم مؤسسة أعيد إنتاجها تاريخياً ضمن نطاق
اجتماعي وجغرافي ضيق؟
إن المشكلة الأساسية ليست في قبيلة بعينها، بل في نظام قبول وترقية تاريخي
غير متوازن أنتج قيادة عسكرية لا تعكس التنوع السوداني الحقيقي، وهو ما ساهم في
تعميق الشعور بالتهميش داخل مناطق واسعة من البلاد، وأضعف الثقة في المؤسسة
العسكرية باعتبارها مؤسسة وطنية جامعة.
إن إصلاح المؤسسة العسكرية في السودان لن يتحقق عبر
تغيير القيادات فقط، بل عبر إعادة بناء سياسات القبول في الكليات العسكرية، وضمان
تمثيل متوازن لجميع أقاليم السودان داخل مؤسسات القيادة العليا، بحيث لا تتكرر مرة
أخرى مفارقة أن تموت مناطق بأكملها في الحروب بينما تظل القيادة العليا غير معبّرة
عن تركيبة البلاد الحقيقية.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق