رجال المهمات القذرة في السودان: القتل على أساس الهوية العرقية واستراتيجية الإنكار المعقول: القتل على أساس الهوية العرقية
رجال المهمات القذرة في السودان: القتل على أساس الهوية العرقية واستراتيجية الإنكار المعقول
الأعمال الوحشية للجنجويد/الدعم السريع
تُجسّد تجربة السودان خلال العقدين الأخيرين واحدة من أكثر النماذج دموية في استخدام الميليشيات كأداة للدولة لتنفيذ ما لا تستطيع الجيوش النظامية القيام به علنًا. وفي قلب هذا النموذج تقف قوات الجنجويد—التي أعيدت تسميتها لاحقًا إلى قوات الدعم السريع—بوصفها “رجال المهمات القذرة” الذين تولّوا تنفيذ عمليات قتل جماعي، وتهجير قسري، واعتداءات جنسية، واستهداف مباشر للمدنيين على أساس الهوية العرقية، مع اعتماد استراتيجية الإنكار المعقول كغطاء سياسي وأمني.
أولًا: الجنجويد… النشأة والوظيفة
تشكلت الجنجويد في بدايات الألفية الثالثة كقوة قبلية مسلحة مرتبطة بالسلطات المركزية في الخرطوم، ومكلفة بمواجهة الحركات المسلحة في دارفور. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الميليشيا إلى جيش موازٍ يعمل خارج الرقابة، ويستفيد من دعم سياسي وعسكري مباشر، قبل أن يُعاد تشكيلها رسميًا عام 2013 تحت اسم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
منذ لحظة ولادتها، ارتبط اسم الجنجويد بالفظائع: حرق القرى، اغتصاب النساء، قتل المدنيين، ونهب الممتلكات. وقد وصفت منظمات دولية عديدة أعمالها بأنها إبادة جماعية، وهو ما دفع مجلس الأمن لإحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005.
ثانيًا: القتل على أساس الهوية العرقية
1. دارفور… مسرح الإبادة المفتوحة
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، عادت دارفور لتشهد موجة جديدة من العنف العرقي. وثّقت تقارير الأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع وحلفاءها نفذوا عمليات قتل جماعي ممنهجة ضد مجتمعات غير عربية، خصوصًا الزغاوة، الفور، المساليت، والتنجر، عبر الإعدامات الميدانية، والاغتصاب الجماعي، والتهجير القسري.
في مخيم زمزم وحده، قُتل ما بين 300 إلى 1500 مدني—معظمهم من النساء والأطفال—في واحدة من أبشع المجازر المسجلة خلال الحرب.
2. الجنينة… نموذج الإبادة الموثقة
اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، عبر استهداف قبيلة المساليت بشكل متعمد ومنهجي، شمل القتل، الاغتصاب، الحرق، والاختطاف.
ثالثًا: استراتيجية “الإنكار المعقول”
تعتمد الجنجويد/الدعم السريع على استراتيجية مدروسة تقوم على:
إنكار رسمي لأي تورط مباشر في الجرائم.
إلقاء اللوم على “مجموعات منفلتة” أو “طرف ثالث”.
طمس الأدلة عبر حرق الجثث، أو دفنها في مقابر جماعية، أو منع وصول المنظمات الإنسانية.
استغلال الفوضى الناتجة عن الحرب لتضليل الرأي العام.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ فقد استخدمتها الحكومات السودانية المتعاقبة لتجنب المسؤولية القانونية، ولإبقاء الجنجويد كأداة يمكن التخلص منها عند اللزوم، أو إعادة تدويرها تحت مسميات جديدة.
رابعًا: الفاشر… عاصمة الموت البطيء
تشهد مدينة الفاشر واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في السودان اليوم. تشير التقارير إلى تطهير عرقي ممنهج، وعمليات قتل جماعي، وحصار أدى إلى تجويع السكان، وتدمير البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والأسواق ومخيمات النزوح.
وقد استخدمت قوات الدعم السريع التجويع كسلاح حرب، وهو ما قد يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي.
خامسًا: الجنجويد بعد 2019… من دارفور إلى الخرطوم
بعد سقوط نظام البشير، شاركت قوات الدعم السريع في فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 محتج سلمي، واغتصاب نساء، ونهب ممتلكات المدنيين.
ومع اندلاع حرب 2023، توسعت الجرائم لتشمل ولايات الجزيرة، الخرطوم، جنوب كردفان، ودارفور، عبر موجات من القتل والاغتصاب والاختطاف والنهب.
سادسًا: لماذا يستمر العنف؟
1. غياب الدولة وانهيار مؤسساتها
أدى تفكك الدولة السودانية إلى خلق فراغ أمني استغلته الميليشيات لتوسيع نفوذها.
2. خطاب الكراهية العرقي
أصبح خطاب الكراهية المبني على الهوية العرقية أداة سياسية تُستخدم لتبرير الفظائع، مع انتشار واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
3. الدعم الخارجي وشبكات المصالح
تستفيد الميليشيات من دعم إقليمي، وتمويل قائم على الذهب والتهريب، ما يمنحها قدرة على الاستمرار رغم العقوبات.
خاتمة: نحو مساءلة تاريخية
إن الجرائم التي ارتكبتها الجنجويد/الدعم السريع ليست أحداثًا معزولة، بل نمطًا ممنهجًا من العنف القائم على الهوية، مدعومًا باستراتيجية إنكار متقنة، وغياب كامل للمحاسبة. وتشير التقارير الأممية بوضوح إلى أن ما يحدث في السودان اليوم يرقى إلى جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، وربما إبادة جماعية.
إن كتابة هذا التاريخ بوضوح ليست مجرد واجب أخلاقي، بل خطوة أساسية نحو العدالة، والمساءلة، وبناء سلام حقيقي في بلد أنهكته الحروب.

تعليقات
إرسال تعليق