رجال المهمات القذرة في السودان: القتل على أساس الهوية العرقية واستراتيجية الإنكار المعقول الأعمال الوحشية للجنجويد/الدعم السريع
مركز الحقيقة والمعرفة
تُعد تجربة السودان خلال العقدين الأخيرين نموذجًا صارخًا لاستخدام الميليشيات كأداة لتنفيذ “المهمات القذرة” التي لا تستطيع الدولة الاعتراف بها أو تحمل مسؤوليتها المباشرة. وفي قلب هذا النموذج تقف قوات الجنجويد—التي أعيدت صياغتها لاحقًا تحت مسمى قوات الدعم السريع—بوصفها الذراع التي نفّذت عمليات قتل جماعي، وتهجير قسري، واعتداءات جنسية، واستهدافًا مباشرًا للمدنيين على أساس الهوية العرقية، مع اعتماد استراتيجية الإنكار المعقول كغطاء سياسي وأمني.
أولًا: الجنجويد… من ميليشيا قبلية إلى جيش موازٍ
تشكلت الجنجويد في بدايات الألفية الثالثة كقوة قبلية مسلحة مرتبطة بالسلطة المركزية، ومكلفة بمواجهة الحركات المسلحة في دارفور. ومع مرور الوقت، تحولت إلى جهاز عسكري موازٍ يعمل خارج الرقابة، ويستفيد من دعم سياسي ولوجستي مباشر. وفي عام 2013، جرى “تدوير” هذه الميليشيا تحت اسم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، دون تغيير جوهري في بنيتها أو أساليب عملها.
منذ نشأتها، ارتبط اسم الجنجويد بالفظائع: حرق القرى، اغتصاب النساء، قتل المدنيين، ونهب الممتلكات. وقد وصفت تقارير أممية أعمالها بأنها جرائم إبادة جماعية.
ثانيًا: القتل على أساس الهوية العرقية
دارفور… الجرح المفتوح
منذ 2003 وحتى اليوم، ظل إقليم دارفور مسرحًا لعمليات قتل جماعي ممنهجة استهدفت مجتمعات غير عربية، خصوصًا المساليت، الفور، الزغاوة، والتنجر. وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أن قوات الدعم السريع نفّذت:
إعدامات ميدانية
اغتصابًا جماعيًا
حرق قرى بالكامل
تهجيرًا قسريًا
اختطافًا وتعذيبًا
في مخيم زمزم وحده، قُتل ما بين 300 إلى 1500 مدني—معظمهم من النساء والأطفال—في واحدة من أبشع المجازر المسجلة خلال الحرب.
الجنينة… الإبادة الموثقة
اتهمت هيومن رايتس ووتش قوات الدعم السريع بارتكاب إبادة جماعية في مدينة الجنينة، عبر استهداف قبيلة المساليت بشكل متعمد ومنهجي، شمل القتل والحرق والاغتصاب والاختطاف.
ثالثًا: استراتيجية “الإنكار المعقول”
تعتمد الجنجويد/الدعم السريع على استراتيجية مدروسة تهدف إلى الإفلات من العقاب، تقوم على:
إنكار رسمي لأي تورط مباشر
إلقاء اللوم على “مجموعات منفلتة” أو “طرف ثالث”
طمس الأدلة عبر الحرق والدفن الجماعي
منع وصول المنظمات الإنسانية
استغلال الفوضى لتضليل الرأي العام
هذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ فقد استخدمتها الحكومات السودانية المتعاقبة لتجنب المسؤولية القانونية، ولإبقاء الجنجويد كأداة يمكن التخلص منها أو إعادة تدويرها عند اللزوم.
رابعًا: الفاشر… عاصمة الموت البطيء
تشهد مدينة الفاشر اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في السودان. تشير التقارير إلى:
تطهير عرقي ممنهج
حصار وتجويع
قتل جماعي
تدمير المستشفيات والأسواق
استخدمت قوات الدعم السريع التجويع كسلاح حرب، وهو ما يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي.
خامسًا: من دارفور إلى الخرطوم… اتساع رقعة العنف
بعد سقوط نظام البشير، شاركت قوات الدعم السريع في فض اعتصام القيادة العامة عام 2019، ما أدى إلى مقتل أكثر من 200 محتج سلمي واغتصاب نساء ونهب ممتلكات. ومع اندلاع حرب 2023، توسعت الجرائم لتشمل:
الخرطوم
الجزيرة
جنوب كردفان
دارفور بأكملها
عبر موجات من القتل والاغتصاب والاختطاف والنهب.
سادسًا: لماذا يستمر العنف؟
غياب الدولة وانهيار مؤسساتها
انتشار خطاب الكراهية العرقي
الدعم الخارجي وشبكات التهريب والذهب
تضارب المصالح بين القوى العسكرية والسياسية
هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة تسمح باستمرار الجرائم دون رادع.
خاتمة: نحو عدالة لا تعرف الإنكار
إن الجرائم التي ارتكبتها الجنجويد/الدعم السريع ليست أحداثًا عشوائية، بل نمطًا ممنهجًا من العنف القائم على الهوية، مدعومًا باستراتيجية إنكار متقنة. وتشير التقارير الأممية بوضوح إلى أن ما يحدث في السودان يرقى إلى:
جرائم حرب
جرائم ضد الإنسانية
إبادة جماعية محتملة
إن مهمة مركز الحقيقة والمعرفة هي توثيق هذه الجرائم، وتقديم رواية دقيقة، ودعم جهود العدالة والمساءلة، حتى لا يُدفن التاريخ تحت ركام الإنكار.

تعليقات
إرسال تعليق