أشدّ الأدوات الجيوسياسية فتكاً -الحرب بالوكالة في الشقارة الأفريقية الجذور التاريخية - النماذج الأفريقية والسودانية - الإطار القانوني الدولي - التداعيات على السلم العالمي




الحرب بالوكالة في القارة الأفريقية

الجذور التاريخية - النماذج الأفريقية والسودانية - الإطار القانوني الدولي - التداعيات على السلم العالمي

إعداد: الكرتي - ناشط وباحث حقوقي مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - السودان مايو 2026


ملخص تنفيذي

تُعدّ الحرب بالوكالة من أشدّ الأدوات الجيوسياسية فتكاً بحق الشعوب، إذ تحوّل أراضيها إلى ساحات اشتباك بين قوى خارجية تتقاتل بأيدي أبنائها. وفي القارة الأفريقية، كانت هذه الآلية الحربية الأداةَ المفضّلة لكل من القوى الاستعمارية الكبرى إبان الحرب الباردة، والقوى الإقليمية الصاعدة في عصرنا الراهن، مما أفضى إلى موجات متتالية من الدمار والتهجير وإفشال الدول.

يتناول هذا المقال الحرب بالوكالة من منظور تاريخي وقانوني وحقوقي متكامل، مستعرضاً جذورها العالمية، ونماذجها الأفريقية من الكونغو وأنغولا والصومال إلى السودان الجريح. كما يُحلّل موقف القانون الدولي من هذه الظاهرة في ضوء ميثاق الأمم المتحدة وأحكام محكمة العدل الدولية، ويرصد تداعياتها الكارثية على السلم الدولي والأمن الإنساني.


أولاً: الحرب بالوكالة - التعريف والتاريخ العالمي

1-1. المفهوم وأصوله

الحرب بالوكالة (Proxy War) هي نزاع مسلح تدعم فيه قوة أو أكثر من الأطراف الخارجية — دولاً كانت أم منظمات — جهةً مقاتلة محلية بدلاً من الانخراط المباشر في القتال، وذلك لتحقيق أهدافها الاستراتيجية على أراضي دولة ثالثة. وعرّفت موسوعة بريتانيكا هذه الحرب بأنها: "نزاع عسكري تدعم فيه قوة ثالثة واحدة أو أكثر طرفاً من أطراف القتال، سواء من الدول أو من غير الدول، لتحقيق مصالحها الاستراتيجية الخاصة".

تمتد جذور هذه الظاهرة إلى عصور قديمة؛ فقد دأبت الإمبراطوريات الكبرى على توظيف القبائل والممالك الحليفة أدواتٍ لخوض حروبها بالنيابة. غير أن الحرب الباردة (1947-1991) شكّلت العصر الذهبي لهذه الاستراتيجية، حين تحوّل العالم إلى رقعة شطرنج تتصادم عليها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بأيدي وكلاء محليين، خشيةَ الوصول إلى مواجهة نووية مباشرة.

1-2. الحرب بالوكالة في سياق الحرب الباردة

خلال الحرب الباردة، خاض القطبان العظيمان سلسلةً من الحروب بالوكالة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا. كانت حرب فيتنام (1954-1975) النموذج الأبرز، إذ دعم الاتحاد السوفييتي والصين شمال فيتنام والفيتكونغ في مواجهة الجنوب المدعوم أمريكياً. وفي أفغانستان، موّلت الولايات المتحدة المجاهدين ضد السوفييت، في حرب أنهكت الاتحاد السوفييتي وأسهمت في انهياره.

أما المرحلة المعاصرة، فقد شهدت تحولاً نوعياً في طبيعة الحروب بالوكالة؛ إذ لم تعد تقتصر على القطبين الكبيرين، بل باتت تشمل قوىً إقليمية صاعدة تتنافس على النفوذ في مناطق الفراغ الأمني. وقد تطورت أساليبها لتشمل حرب الدرونز (الطائرات المسيّرة)، والضغط الاقتصادي، وعمليات الفضاء الإلكتروني، فضلاً عن نشر المرتزقة الخاصين.


ثانياً: الحرب بالوكالة في القارة الأفريقية

2-1. الإرث الاستعماري وبذور التدخل الخارجي

لا يمكن فهم ظاهرة الحرب بالوكالة في أفريقيا بمعزل عن الإرث الاستعماري الثقيل الذي خلّفه التقسيم الأوروبي للقارة في مؤتمر برلين عام 1884. فالحدود التعسفية التي رُسمت تجاهلاً للحقائق الإثنية والقبلية أفرزت دولاً هشّة ذات تماسك اجتماعي ضعيف، وجعلت نزاعاتها الداخلية عرضةً للاستثمار الخارجي. ويرى الباحثون أن التدخل الأجنبي في أفريقيا استثمر هذه الانقسامات وعمّقها، محوّلاً إياها إلى أدوات للسيطرة والنهب.

2-2. نموذج الكونغو: الوكالة الأممية

في عام 1960، استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي المنظمةَ الأممية ذاتها ذريعةً للتنافس على النفوذ في الكونغو إبان أزمة أول استقلال. وكانت عملية الأمم المتحدة في الكونغو (أونوك) ساحةً لتجاذبات دولية معقدة أسفرت عن اغتيال باتريس لومومبا، رئيس الوزراء المنتخب الأول، الذي رفض الوصاية الغربية. ثم تحوّلت الكونغو في عهد موبوتو سيسي سيكو إلى وكيل غربي بامتياز خلال الحرب الباردة.

2-3. أنغولا: الحرب الباردة في قلب أفريقيا

تُجسّد أنغولا النموذج الأكثر شمولاً للحرب بالوكالة في أفريقيا؛ إذ أشعلت القوى الخارجية فتيل حرب أهلية مدمّرة امتدت من 1975 حتى 2002. فقد دعمت الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا حركة يونيتا، بينما دعم الاتحاد السوفييتي وكوبا حركة MPLA. وعلى مدى ربع قرن، خلّفت هذه الحرب أكثر من 500,000 قتيل وملايين النازحين، بينما كان التنافس الأيديولوجي الأجنبي يحتطب بأرواح الأنغوليين.

2-4. الصومال وإثيوبيا: القرن الأفريقي أرضاً للتنافسات

شكّل القرن الأفريقي ساحةً لحروب بالوكالة متداخلة؛ ففي السبعينيات قلبت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تحالفاتهما بين الصومال وإثيوبيا في غضون سنوات. وحين نكست إثيوبيا نحو الاشتراكية عام 1977، انتقل السوفييت لدعمها بدلاً من الصومال، فيما تحوّلت الأخيرة إلى وكيل أمريكي. وفي اليمن الحالية وليبيا وإثيوبيا إبان أزمة تيغراي (2020-2022)، تكررت الأنماط ذاتها بوجوه جديدة، حيث تدخّلت الإمارات وتركيا وإيران وروسيا بأساليب مختلفة.

2-5. ليبيا: نموذج ما بعد الثورات

كشفت الحرب الليبية منذ 2011 عن نمط جديد للحرب بالوكالة في عصر ما بعد الربيع العربي. فقد انقسمت ليبيا بين محورَي دعمٍ خارجيَّين: تركيا وقطر دعمتا حكومة الوفاق الوطني، في حين ساندت الإمارات وروسيا ومصر وفرنسا الجنرال خليفة حفتر. وقد استعانت الإمارات بمجموعة فاغنر الروسية وبطائرات مسيّرة متطورة، وهو نمط سيُكرَّر لاحقاً في السودان بعين المواصفات وبعض الفاعلين أنفسهم.


ثالثاً: الحرب بالوكالة في السودان - الحاضر المأساوي

3-1. السياق البنيوي للصراع

اندلع الصراع السوداني في الخامس عشر من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). وسرعان ما كشف هذا الصراع عن أبعاده الدولية العميقة؛ إذ لم يكن مجرد نزاع بين جنرالَين على السلطة، بل ساحةً لتنافس إقليمي ودولي محموم على الموارد الطبيعية والنفوذ الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.

يمتلك السودان من الثروات ما يجعله فريسةً مغرية: ذهبٌ وفير، ونفط، وأراضٍ زراعية شاسعة، وموقع استراتيجي على ضفاف البحر الأحمر. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعةً في استقطاب تدخل خارجي واسع النطاق من أطراف متعددة، تدعم كلٌّ منها طرفاً في النزاع وفق حساباتها الخاصة.

3-2. الإمارات: الراعي الأكبر لقوات الدعم السريع

رصد مرصد النزاعات السودانية 32 رحلةً جوية بين يونيو 2023 ومايو 2024، وخلص بشبه يقين إلى أنها كانت نقلاً للأسلحة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع عبر مطار أمجاراس بتشاد. وقد أكّدت هذه النتائجَ تقاريرُ مستقلة متعددة، من بينها تقارير منظمة العفو الدولية، ووكالة رويترز، ولجنة الأمم المتحدة لخبراء السودان في يناير 2024. Africa Defense Forum

تنظر الإمارات إلى السودان باعتباره فرصةً لتوسيع نفوذها في شرق أفريقيا والشرق الأوسط، ومنذ عام 2018 استثمرت أبوظبي ما يزيد على ستة مليارات دولار في البلاد، تشمل احتياطيات العملة الأجنبية في البنك المركزي، ومشاريع زراعية، وميناء على البحر الأحمر. Africa Defense Forum

كشفت تقارير موثّقة أن الإمارات لجأت إلى مجموعة فاغنر الروسية قناةً لتهريب الأسلحة عبر جمهورية أفريقيا الوسطى إلى قوات الدعم السريع في السودان، حيث تُفرَّغ الشحنات في بانغي ثم تُنقل جواً إلى بيراو قرب الحدود السودانية. SourceMaterial

3-3. شبكة الأطراف الدولية المتشابكة

دعمت مصر القواتِ المسلحة السودانية انعكاساً للعلاقات التاريخية الراسخة بين الجيشين، وتشير تقارير إلى تزويد القاهرة القوات المسلحة بطائرات K-8 صينية الصنع وذخائر ومعلومات استخباراتية. European Union Agency for Asylum

في المقابل، أعادت إيران علاقاتها الدبلوماسية مع السودان في أكتوبر 2023، وبدأت بتزويد القوات المسلحة بطائرات مسيّرة من طرازَي موهاجر-6 وأبابيل أسهمت في انتصارات لاحقة. كما دعمت تركيا القواتِ المسلحة بطائرات بيرقدار المسيّرة. European Union Agency for Asylum

أما روسيا، فقد دعمت في البداية قوات الدعم السريع عبر مجموعة فاغنر (أفريقا كوربس) ساعيةً إلى تأمين قاعدة بحرية في بورتسودان، قبل أن تُحوّل ولاءها نحو القوات المسلحة السودانية في 2024 إثر تعثّر صفقة القاعدة. وفي نوفمبر 2024، أعملت روسيا حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف الهجمات على المدنيين. Africa Defense Forum

3-4. دارفور: الثمن الإنساني للحرب بالوكالة

في أكتوبر 2025، سقطت مدينة الفاشر — آخر معاقل القوات المسلحة في غرب السودان — في يد قوات الدعم السريع، مكتملةً بذلك السيطرة على معظم غرب السودان، بعد أسابيع شهدت فرار عشرات الآلاف من المدنيين ومقتل الآلاف. Global Initiative

يرصد تقرير منظمة العفو الدولية (نوفمبر 2024 ومايو 2025) وجامعة ييل ووسائل إعلام استقصائية دولية أن الإمارات ضاعفت دعمها العسكري بتزويد قوات الدعم السريع بأسلحة متطورة، من بينها مدفعية أمريكية ثقيلة ومركبات مدرّعة فرنسية الصنع وطائرات مسيّرة استراتيجية. blnews

وتُشير التقديرات إلى وفاة ما يزيد على 150,000 شخص منذ اندلاع الحرب، بينما تشرّد أكثر من 14.6 مليون نسمة، محوّلاً السودان إلى أكبر أزمة نزوح في العالم. Africa Defense Forum


رابعاً: موقف القانون الدولي من الحرب بالوكالة

4-1. مبدأ عدم التدخل: الأساس الراسخ

يُعدّ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول من أعرق مبادئ القانون الدولي وأشدّها رسوخاً. فقد أرسى ميثاق الأمم المتحدة هذا المبدأ في عدة مواضع: تنص المادة 2/1 على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء، وتحظر المادة 2/4 استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، فيما تقرّر المادة 2/7 امتناع الأمم المتحدة عن التدخل في الشؤون التي تدخل أساساً في صلاحية ولاية أي دولة.

وقد كرّس إعلان مبادئ العلاقات الودية لعام 1970 هذا المبدأَ بصياغات قاطعة، إذ اعتُبر نصّه إعادةً تقنين للقانون الدولي العرفي القائم لا مجرد التزامات سياسية، ويحظر صراحةً أي تدخل مباشر أو غير مباشر في الشؤون الداخلية أو الخارجية لأي دولة أخرى. Princeton Encyclopedia of Self-Determination

4-2. أحكام محكمة العدل الدولية: السوابق القضائية الحاسمة

في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986)، أوضحت محكمة العدل الدولية أن أي تدخل من دولة في الاختيار الحر لدولة أخرى في نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وسياستها الخارجية يُشكّل انتهاكاً صريحاً لمبدأ عدم التدخل. كما أكّدت المحكمة ذات المبدأ في قضية الكونغو ضد أوغندا عام 2005، مقرّرةً أن المبدأ يحظر على الدول التدخل مباشرةً أو بصورة غير مباشرة، بالقوة أو بغيرها، لدعم المعارضة الداخلية في دولة أخرى. middleeastmonitor

4-3. القانون الدولي الإنساني والمسؤولية الجنائية

يفرض القانون الدولي الإنساني — ولا سيما اتفاقيات جنيف وبروتوكولاها الإضافية — على أطراف النزاع التزاماتٍ صارمة بحماية المدنيين والأعيان المدنية. بيد أن الحروب بالوكالة تُفضي عادةً إلى إشكاليات معقدة تتعلق بنسب المسؤولية؛ إذ يتذرّع الراعي الخارجي بأن العمليات العسكرية يؤديها طرف مستقل، رافضاً بذلك تحمّل المسؤولية القانونية عن الانتهاكات المرتكبة.

غير أن مواد لجنة القانون الدولي المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً — وبخاصة المادتان الثامنة والسادسة عشرة — تُرسي قاعدة جوهرية: يمكن إسناد مسؤولية انتهاكات الوكيل إلى الراعي إذا ثبت أن هذا الأخير يمارس "سيطرة فعلية" على عمليات الوكيل، أو إذا كان يُقدّم المساعدة مع علمه باستخدامها في انتهاكات القانون الدولي.

4-4. آليات الملاحقة الدولية وثغراتها

يعاني النظام القانوني الدولي من قصور بنيوي في ملاحقة الحروب بالوكالة؛ فمحكمة الجنايات الدولية تختص بمحاكمة الأفراد لا الدول، ومجلس الأمن — المنوط به تفعيل الإجراءات الجماعية — مُقيَّد بحق النقض الذي يحول دون إدانة الدول الراعية المتمتعة بعلاقات وثيقة مع القوى الخمس الدائمة العضوية. وقد جسّد استخدام روسيا حق النقض في نوفمبر 2024 ضد قرار يحمي المدنيين السودانيين هذا الخللَ البنيوي بجلاء تام.


خامساً: العلاقات الدولية والحرب بالوكالة — التداعيات على السلم العالمي

5-1. تفكك منظومة الأمن الجماعي

تُشكّل الحروب بالوكالة تهديداً عميقاً لمنظومة الأمن الجماعي التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة عام 1945. فهي تُضعف هيئة الأمم المتحدة وتفقدها المصداقية، وتحوّل مجلس الأمن — بحق النقض الذي تمتلكه الدول الراعية — من هيئة حماية إلى أداة تعطيل. ويُفضي ذلك إلى معادلة مأساوية: كلما ازداد الضرر الإنساني، زادت صعوبة التدخل الدولي الفعّال لوقفه.

5-2. استنزاف الدول الضعيفة وتفتيت بناها

تُسهم الحروب بالوكالة في إضعاف الدول المستهدفة بصورة ممنهجة؛ إذ تُبقي على حالة اللاستقرار ريثما يتحقق الهدف الاستراتيجي للراعي، وتُمكّن الجماعات المسلحة من مصادر تمويل بديلة كتهريب الذهب السوداني، وتُعرقل مسارات التسوية السياسية التفاوضية، وتُهدر الطاقات الوطنية في التسليح بدلاً من التنمية.

5-3. تطبيع انتهاك الحظر الدولي والإفلات من العقاب

حين وثّقت لجنة خبراء الأمم المتحدة في يناير 2024 أن الإمارات انتهكت حظر الأسلحة المفروض على دارفور وكانت المورد الرئيسي للأسلحة لقوات الدعم السريع المتورطة في الإبادة، لم تترتب على ذلك أي عواقب ملموسة. وقد شجّع هذا الإفلات من العقاب قوات الدعم السريع على مواصلة حملاتها الإجرامية في مناطق جديدة. blnews

5-4. الأثر الإقليمي والتلوث الجيوسياسي

لا تقتصر تداعيات الحرب بالوكالة في السودان على حدوده؛ بل رصدت التقارير شبكاتٍ لوجستية عابرة للحدود تربط تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وكينيا وأوغندا بشبكات تمويل الحرب وتهريب الذهب، مما يُحوّل المنطقة بأسرها إلى بيئة هشة تتشابك فيها شبكات الجريمة المنظمة والصراع المسلح. Global Initiative

5-5. انعكاسات نمط الدعم المتعدد على نظرية الردع

في الحروب بالوكالة المعاصرة، يدعم أطرافٌ متعددة جهاتٍ مختلفة في النزاع ذاته، مما يُضعف فاعلية الأدوات التقليدية للضغط الدولي. ففي السودان، يُموّل كلٌّ من الإمارات والسعودية وروسيا وإيران ومصر وتركيا أطرافاً في النزاع، وكلٌّ منها يمتلك نفوذاً في مؤسسات دولية مختلفة. هذا التشابك يجعل أي إجراء دولي عقابي عرضةً للتعطيل من طرف أو أكثر من الرعاة المتعددين.


سادساً: الموقف الحقوقي والمطالب

من منطلق العمل الحقوقي الميداني والتوثيقي، يرى مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان أن الحرب بالوكالة في السودان ليست مجرد انتهاك للقانون الدولي، بل جريمة ممتدة في حق الإنسانية يجب أن تُوقفها الإرادة الدولية. ويطالب المركز بما يأتي:

أولاً: مطالبة الأمم المتحدة بتفعيل آليات المساءلة بحق الدول الراعية للحرب بالوكالة، بما يشمل فرض عقوبات تلقائية على منتهكي حظر الأسلحة المفروض على دارفور.

ثانياً: مطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرار يُجرّم توريد الأسلحة إلى أطراف موثّق ارتكابها لانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

ثالثاً: المطالبة بإحالة الأوضاع في السودان إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع نطاق التحقيق ليشمل الأطراف الخارجية الممولة والداعمة.

رابعاً: مطالبة الإمارات العربية المتحدة بوقف جميع أشكال الدعم العسكري واللوجستي والمالي لقوات الدعم السريع فوراً وبلا قيد أو شرط.

خامساً: دعوة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى إصلاح بنيوي في آليات مجلس الأمن يحول دون توظيف حق النقض درعاً لحماية منتهكي حظر الأسلحة وشركاء الإبادة.


خاتمة: نحو نظام دولي يصون الضعفاء

في عالم تتصاعد فيه حدة التنافسات الجيوسياسية وتتآكل معايير الشرعية الدولية، تقف الشعوب الأفريقية في مواجهة إرث مزدوج: استعمار الماضي الذي أورثها حدوداً مُصطنعة، ووكالة الحاضر التي تُبقيها رهينةَ مصالح الآخرين. والسودان — الذي كان يُدعى زاداً للعالم العربي — بات اليوم يستجدي لقمة العيش في مخيمات النزوح.

لقد أثبت التاريخ أن الحروب بالوكالة لا تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل تنتهي بإنهاك الجميع وإفقار الأجيال القادمة. والسلم الدولي المستدام لن يتحقق ما لم تُعالَج الأسباب البنيوية التي تجعل الدول الهشة فريسةً للتدخل الخارجي: من إصلاح بنى الحوكمة، إلى إنصاف المجتمعات المهمّشة، إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية الفعلية.

يختم مركز الحقيقة والمعرفة هذا المقال بالتأكيد على أن الصمت على الحرب بالوكالة في السودان ليس حياداً؛ إنه تواطؤ. والمجتمع الدولي مدعو — قبل فوات الأوان — إلى أن يتحوّل من مشاهد فاقد الإرادة، إلى شريك فاعل في صياغة سلام حقيقي يكفل العدالة والكرامة للشعب السوداني.


المصادر والمراجع

  1. Britannica Encyclopedia: Proxy War — Definition, History, Examples & Risks. https://www.britannica.com/topic/proxy-war
  2. Sudan Conflict Observatory / U.S. Department of State: Foreign Facilitators of Weapons Fueling Sudan's Civil War, October 2024.
  3. Amnesty International: Reports on UAE Arms Transfers to RSF, November 2024 and May 2025.
  4. Africa Defense Forum: Sudan's Proxy War, August 2025. https://adf-magazine.com/2025/08/sudans-proxy-war/
  5. Atlantic Council: Sudan is caught in a web of external interference, July 2025.
  6. Source Material: UAE used Russian mercenary group to arm Sudan rebels, October 2024.
  7. Global Initiative Against Transnational Organized Crime: The illicit transnational supply chains sustaining Sudan's conflict, November 2025.
  8. European Union Agency for Asylum (EUAA): Sudan Country Guidance — International Actors, 2025.
  9. The Soufan Center: Sudan's Brutal Civil War Threatens to Become a Proxy Conflict, May 2025.
  10. International Court of Justice: Nicaragua v. United States (1986); Democratic Republic of Congo v. Uganda (2005).
  11. UN General Assembly Resolution 2131 (XX) 1965: Declaration on the Inadmissibility of Intervention.
  12. UN General Assembly Resolution 2625 (XXV) 1970: Friendly Relations Declaration.
  13. UN Panel of Experts on Sudan: Final Report S/2024/65, January 2024.
  14. blnews.net: From Proxy War to Direct Aggression: The UAE's Role in Sudan's Crisis, May 2025.
  15. Diplomatic Courier: Evolving diplomacy in Sudan: Escalation, proxy, or ceasefire?, 2024.

مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — السودان | إعداد: الكرتي — ناشط وباحث حقوقي | مايو 2026


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي