الشرّ الذي لا يكتفي بالقتل، بل يسعى إلى محو الوجود: تُظهر الشهادات الميدانية، وتقارير المنظمات، وصور الأقمار الصناعية، أن الاستهداف في الفاشر ليس عشوائيًا

 


ما بعد الفظائع: حيث تنكشف البنية العارية للشرّ

مقال صادر عن مركز الحقيقة والمعرفة

في الفاشر، لم تعد المأساة حدثًا عابرًا، ولا حالة طارئة يمكن احتواؤها.
لقد تحولت المدينة إلى نقطة انكشاف كامل لبنية العنف المنهجي التي تتعرض لها المجموعات الزنجية الأفريقية في السودان منذ عقود.
ما يجري هناك ليس انهيارًا أمنيًا، ولا صراعًا مسلحًا تقليديًا، بل نظام عنف مُحكم يستهدف هوية بعينها، ويعمل وفق منطق الإقصاء والإلغاء.

منذ سيطرة الجماعات المسلحة على المدينة في أواخر أكتوبر 2025م، اتخذ العنف شكلًا أكثر تنظيمًا، وأكثر وضوحًا في أهدافه.
لم يعد الأمر مجرد اشتباكات، بل عملية ممنهجة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، عبر استهداف فئات محددة على أساس لون البشرة والانتماء العرقي.
هذا النمط من العنف لا يمكن تفسيره إلا ضمن إطار الجرائم الجماعية كما تُعرّفها القوانين الدولية:
استهداف المدنيين،
تفكيك البنية الاجتماعية،
تدمير المساكن،
تهجير السكان،
ومحو الوجود الثقافي والإنساني لمجموعة بعينها.

لقد أصبحت الفاشر اليوم مرآة مكشوفة لما ظلّ يحدث في الأطراف السودانية منذ 1955م:
عنفٌ يُدار ببرودة،
تمييزٌ يُمارس بلا مواربة،
وإقصاءٌ يُنفّذ كأنه جزء من مشروع سياسي طويل الأمد.
إن ما يحدث ليس نتيجة فوضى، بل نتيجة هندسة متعمدة للعنف، تُعيد إنتاج أنماط التمييز العرقي التي عرفها السودان عبر تاريخه الحديث.

تُظهر الشهادات الميدانية، وتقارير المنظمات، وصور الأقمار الصناعية، أن الاستهداف في الفاشر ليس عشوائيًا.
هناك فرز للسكان،
هناك مناطق تُفرغ من أهلها،
وهناك أحياء تُمحى من الوجود.
هذا النوع من السلوك لا ينتمي إلى منطق الحرب، بل إلى منطق الإبادة الجماعية كما تُعرّفها الاتفاقيات الدولية:
نية واضحة،
استهداف محدد،
وتنفيذ منهجي.

إن الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل دليل حيّ على أن الإبادة لا تحتاج إلى أدوات معقدة؛ يكفي وجود جماعات مسلحة تعمل خارج القانون، وبيئة سياسية تسمح بالإفلات من العقاب، وصمت دولي يراقب دون أن يتحرك.

ما بعد الفظائع هو المنطقة التي يبدأ فيها الشرّ الحقيقي:
الشرّ الذي لا يكتفي بالقتل، بل يسعى إلى محو الوجود،
الشرّ الذي لا يستهدف الأفراد فقط، بل الهوية نفسها،
الشرّ الذي لا يكتفي بتدمير الحاضر، بل يمدّ يده إلى المستقبل ليعيد تشكيله بالقوة.

إن ما يجري في الفاشر ليس نهاية فصل، بل بداية سؤال كبير:
كيف يمكن لبلدٍ أن ينهض بينما جزء من شعبه يُعامل كأنه فائض عن الوجود؟
وكيف يمكن للعدالة أن تُولد في أرضٍ تُرتكب فيها الجرائم على مرأى العالم؟

هذه ليست خاتمة.
هذه بداية معركة الوعي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة