يوزّعون هتافات الحماسة كمن يوزّع كيس ملح عند البقالة: لا تبيعوا مستقبلَكم بثمنِ وعدٍ زائفٍ أو قميصٍ مطبوعٍ بشعارٍ رخيص. لا تكونوا وقودًا لحروب لا تنبت إلا الخراب

 ما وهَنّا... لكنهم وهَنوا!

بقلم: الكرتي  ناشط حقوقي

 



في بلادٍ تُغنّي فيها الجبال "نحن جند الله، جند الوطن"، وتتمايل النخيل على أنغام "أصبح الصبح"، خرج علينا خطاب مُعمَّم بالصور على التيشيرتات والكليشيهات الوطنية المعطّرة بالمواد الحافظة. جماعاتٌ لا علاقة لها بالوطن إلا باسمٍ يلوح في الاحتفالات، ولا علاقة لها بالثورة إلا بطباعة شعارها على فلاتر سناب شات.

هؤلاء لا يحملون راية المجد؛ يحملون راية الاستنفار. يوزّعون هتافات الحماسة كمن يوزّع كيس ملح عند البقالة، وينشدون الترانيم وكأنها وصفات طبخ سريعة: "ما وَهَنَّا ما وَهَنَّا"، فتُرغم عشرات الأسر أن تُغطّي وجوه أطفالها، بينما هم يصدحون بشعاراتٍ تُؤكل بها الأرواح.

الشعب السوداني بين القصيدة والرصاصة

الشعب السوداني — كريم ومتواضع — لا يحتاج من يدغدغ مشاعره، بل يحتاج من يحترم عقله ويصون حياته. في حينٍ يستغلّ بعضهم القصائد الوطنية كسكّة سريعة لتجنيد العاطفة، المطلوب واضح: المدارس، والمستشفيات، والخبز. أما الخنادق فلا تُغذّي المستضعفين ولا تُعلّم الأطفال حروفًا.

كرري ليست ساحة تويتر

من كرري إلى كردفان، ومن عطبرة إلى دارفور، صار تمويل الحرب والتغريد التحريضي يرافقان بعضهما كما ترافقُ الضباب حذاء السَّائق في الصباح. يُعاد تدوير أبياتٍ شعرية كأنها قطعة ملابس قديمة، تُلبس للجميع بغرض التخدير، بينما الواقع يقول إن الليل الذي طوَّيناه كان للبناء لا للحرق.

يا بلادي... لا تهابِي؟ بل ارفعي حاجبكِ استغرابًا!

حين يقولون "يا بلادي لا تهابِي، فالردى فينا تجنّى"، نسأل: هل الردى صار بطولة أم وصمة؟ هل الموت مشروعٌ سياسي؟ الوطن يُبنى بالعلم والعمل والكرم لا بالخراب والردى.

إلى كل شباب السودان: رسالة عملية لا شعرية

إن دعوتي هنا لا تُوجَّه لعرقٍ أو قبيلةٍ دون أخرى؛ بل إلى كلّ شابٍ وفتاةٍ سودانيٍّ: لا تنخرطوا في مسارٍ يُحوِّلكم إلى أدواتٍ تُلقى بعد انتهاء الغاية. لا تبيعوا مستقبلَكم بثمنِ وعدٍ زائفٍ أو قميصٍ مطبوعٍ بشعارٍ رخيص. لا تكونوا وقودًا لحروب لا تنبت إلا الخراب. بلدنا يحتاج أيديكم في المدارس والعيادات والمزارع، لا في الجبهات التي تصنع أرامل وأيتامًا.

 

عن البرهان ومن يشبهه: لا تُغْرركم الوجوهُ المتأنقةُ على الشاشات، ولا تُخدِعُكم وعودُ من يلوّح بالقوة ويستقوي على الفقراء. فالمجرم لا يغيّر لباسه عند طلوع الشمس؛ يغيّر فقط لِمَن يصدّق كلامه.

خاتمة ساخرة حزينة في الوقت نفسه

في زمنٍ صار فيه النشيد الوطني خامسًا في قوائم مؤثرات الفيديو، نقول بصوتٍ واحد:

ما وَهَنَّا ما وَهَنَّا — لكننا فهمنا اللعبة. ولن نسمح لأحدٍ أن يجعل من قصائدنا سلاحًا، ولا من شبابنا وقودًا لحروبٍ لا تُخدم سوى أطماعٍ ضيقة.

 الكرتي، ناشط حقوقي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة