مالي وغرب أفريقيا في مواجهة موجة التطرف: الفاعلون المسلحون، الجذور، والكلفة الإنسانية:دول غرب أفريقيا في مواجهة الجهاديين
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
مالي وغرب أفريقيا في مواجهة موجة التطرف:
تشهد منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا واحدة من أشد الأزمات الأمنية والإنسانية في العالم اليوم؛ إذ تتشابك فيها التمردات المسلحة، والجماعات الجهادية العابرة للحدود، وظاهرة الدول الهشة، والمظالم الهوياتية المتراكمة. ولا تزال مالي، قلب هذا الإعصار، تُمثّل نموذجاً صارخاً لأزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها الأسباب والتداعيات بصورة لا تحتمل قراءات أحادية.
أولاً: خارطة الفاعلين المسلحين في مالي
لا يمكن فهم المشهد المسلح في مالي من دون إدراك أنه ينطوي على ثلاث كتل متمايزة الهوية والأهداف، وإن تشابكت مساراتها في ميادين القتال.
تمثّل الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) وتنسيقية حركات أزواد (CMA) إطاراً للمطالب السياسية والهوياتية للطوارق في الشمال، وهي مطالب ذات جذور تاريخية في التهميش الممنهج الذي عانى منه الشمال منذ الاستقلال. يبقى هدفها الأساسي في دائرة الحوكمة والحكم الذاتي، لا المشروع الجهادي العالمي.
تأسست عام 2017 باندماج أنصار الدين والمرابطون وإمارة الصحراء وكتائب ماسينا، بقيادة إياد أغ غالي، وترتبط تنظيمياً بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وتُشكّل اليوم التهديد الأكثر اتساعاً وتعقيداً في ساحل غرب أفريقيا، إذ تمتد عملياتها من شمال مالي إلى وسطه، وصولاً إلى بوركينا فاسو والنيجر.
يُشكّل الذراع الأفريقي لـ"داعش" في منطقة الساحل، وينافس JNIM على النفوذ الجغرافي في مناطق غاو وميناكا وشمال بوركينا فاسو والنيجر. وقد أسهمت التوترات بين التنظيمين في موجات نزوح إضافية طالت مجتمعات المدنيين.
ثانياً: شبكات الدعم والتمويل
لا تعلن أي دولة دعمها الرسمي للجماعات الجهادية، غير أن ثمة أنماطاً راسخة يمكن رصدها وتحليلها:
تستمد JNIM دعمها التنظيمي والعملياتي من القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي التي ترجع جذورها إلى بقايا الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر. يشمل هذا الدعم تنسيقاً عملياتياً، وتبادلاً للخبرات والتسليح، وتمويلاً تدفق عبر شبكات الفدية والتهريب.
أسهم انهيار الدولة الليبية عقب 2011 في تدفق كميات هائلة من الأسلحة باتجاه شمال مالي، ما أعطى الجماعات المسلحة دفعة نوعية وأشعل فتيل تمرد 2012 وما تلاه من صراعات.
يُشكّل الاقتصاد الموازي القائم على تهريب المخدرات والبشر والذهب غير المرخّص والسجائر ركيزةً ذاتية التمويل للجماعات المسلحة، تفوق في كثير من الأحيان أي دعم خارجي معلن.
ثالثاً: دول غرب أفريقيا في مواجهة الجهاديين
رابعاً: مالي — بطاقة تعريفية
جمهورية مالي دولة حبيسة في قلب غرب أفريقيا، تتربع على مساحة تزيد على 1.2 مليون كيلومتر مربع، يقطنها ما بين 20 و22 مليون نسمة من مجموعات عرقية متعددة، أبرزها الطوارق والفولاني والبامبارا والسونغاي. ويتضمن نسيجها الاجتماعي توترات تاريخية عميقة بين مكوناتها المتباينة.
تُصنّف مالي ضمن أفقر دول العالم؛ إذ يعتمد اقتصادها على الزراعة وتعدين الذهب وتحويلات المغتربين. وقد شهدت منذ عام 2012 ثلاثة انقلابات (2012 و2020 و2021)، كشفت هشاشة بنيتها المؤسسية وعمق أزمة الشرعية السياسية.
خامساً: قراءة في الجذور والتداعيات
لا يمكن فصل تمرد الطوارق ذي الجذور الهوياتية والسياسية عن التطرف الجهادي الذي يستثمر المظالم المشروعة ويُحوّلها وقوداً لأجندة عابرة للحدود. ومظلومية الفولاني في وسط مالي نموذج صارخ على كيفية استغلال الانتهاكات الحكومية في تجنيد شباب ملتاع في صفوف الجماعات المسلحة.
تُفضي المساحات الصحراوية الشاسعة والحدود المفتوحة وغياب المؤسسات إلى بيئة مثالية لتمركز الجماعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للحدود.
بعد أكثر من عقد من التدخل الدولي المكثّف، يواصل العنف توسّعه الجغرافي نحو دول خليج غينيا. وهذا يكشف بجلاء أن الحل الأمني وحده — مهما بلغت قدراته — يبقى قاصراً في غياب إصلاح سياسي حقيقي، وتنمية اقتصادية تستهدف المناطق الهامشية، وعدالة انتقالية تعالج جراح الانقسامات المجتمعية العميقة.
خاتمة: نحو مقاربة شاملةا تنتظر شعوب مالي وغرب أفريقيا مزيداً من التشخيص؛ فالأرقام واضحة والأسباب معروفة. ما تنتظره هذه الشعوب هو إرادة سياسية دولية حقيقية تُترجَم إلى خطط عمل شاملة تجمع بين التدخل الأمني المحكم ومعالجة الأسباب الجذرية من فقر وتهميش وانعدام عدالة. إن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية — كما أثبتت عملياتُ سرفال وبرخان وغيرها — يُطفئ الجمرَ ليُذكيه في مكان آخر. ويبقى تعزيز حقوق الإنسان، وصون كرامة المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، الشرطَ اللازم لأي استقرار مستدام في المنطقة.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق