في زمزم والفاشر وترع الجزيرة، لا يموت الناس بسبب الحرب وحدها. يموتون لأنهم سود. يموتون لأن جلودهم تحمل هوية يراها المعتدي ذنباً يستوجب الإبادة.
مركز الحقيقة والمعرفة — تقرير تحليلي بقلم: الكرتي — ناشط حقوقي | أبريل 2026
صمت العالم وشلالات الدماء: إلى متى يُقتل الزنوج لأنهم سود؟
في زمزم والفاشر وترع الجزيرة، لا يموت الناس بسبب الحرب وحدها. يموتون لأنهم سود. يموتون لأن جلودهم تحمل هوية يراها المعتدي ذنباً يستوجب الإبادة. وبينما تتراكم الجثث وتفترش النازحون أرض المخيمات، يجلس العالم في قاعاته الأنيقة يُصدر البيانات ويتفرج على المذبحة بعيون باردة.
أولاً: الإبادة العرقية — وقائع لا تحتمل التأويل
ما يجري في دارفور وعموم السودان اليوم ليس صراعاً مسلحاً عادياً تتبادل فيه أطراف متكافئة نيران الحرب. ما يجري هو عملية إبادة ممنهجة تستهدف مجتمعات بعينها بسبب هويتها العرقية. قوات الدعم السريع وما يرافقها من مليشيات تنتقي ضحاياها انتقاءً واعياً: الزنوج أبناء قبائل الفور والزغاوة والمساليت وسائر مجتمعات الهامش السوداني هم الهدف، وهويتهم العرقية هي الجريمة.
وثّق تحقيق مستقل للأمم المتحدة صدر في فبراير 2026 أن ما جرى في الفاشر يحمل "سمات إبادة جماعية"، مشيراً إلى أن الأفعال تضمنت "قتل وإلحاق أذى جسدي ونفسي بجماعة إثنية محمية، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تدميرها كلياً أو جزئياً".[¹] وقال رئيس البعثة إن "حجم العملية وتنسيقها والتأييد العلني لها من قبل قيادات عليا في قوات الدعم السريع، يُظهر أن الجرائم المرتكبة في الفاشر ومحيطها لم تكن تجاوزات عشوائية في سياق الحرب، بل كانت جزءاً من عملية مخططة ومنظمة تحمل الخصائص التعريفية للإبادة الجماعية".[¹]
الأرقام التي يجب أن يعرفها العالم:
- أكثر من 12 مليون نازح داخلي وخارجي منذ أبريل 2023، في ما تصفه الأمم المتحدة بأسوأ أزمة تهجير في الذاكرة الحديثة.[²]
- ما بين 20,000 و150,000 ضحية وفق تقديرات دولية متباينة، فيما يصعب تحديد الرقم الحقيقي بسبب انقطاع الاتصالات والحصار.[²]
- 24.6 مليون شخص، أي نصف سكان السودان، يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع إعلان المجاعة رسمياً في خمس مناطق.[²]
- مخيم زمزم وحده كان يضم نصف مليون نازح قبل هجوم أبريل 2025 الذي أجبرهم على النزوح مرة أخرى.[³]
مخيم زمزم لم يكن في مأمن من الاستهداف؛ ففي أبريل 2025 شنّت قوات الدعم السريع هجوماً على المخيم، عالجت على إثره منظمة "أطباء بلا حدود" 150 ناجية من العنف الجنسي، مشيرةً إلى أن العنف كان يستهدف غالباً "جماعات عرقية محددة، ولا سيما الزغاوة".[³] وبحسب أرقام المنظمة ذاتها، تلقّى ثلاثة آلاف و396 ناجياً من العنف الجنسي العلاجَ في مرافقها بين يناير 2024 ونوفمبر 2025، 97% منهم نساء وفتيات.[³]
وفي أكتوبر 2025، سقطت الفاشر — آخر معقل للمدنيين في دارفور — بيد قوات الدعم السريع بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم وشهد أكثر من 180 هجوماً دموياً.[⁴] أعلنت حكومة إقليم دارفور مقتل أكثر من 2000 شخص خلال المعارك والمجازر التي أعقبت السقوط، من بينهم نحو 460 في مستشفى الولادة السعودي.[⁴] وأفادت التقارير بجمع مئات الجثث ودفنها في مقابر جماعية وإحراق بعضها.[⁵]
ثانياً: جذور الاضطهاد — نظام إقصاء ممنهج
لفهم ما يجري اليوم لا بد من فهم البنية التاريخية التي أنتجته. منذ الاستقلال، بنت النخب الحاكمة في الخرطوم دولة قائمة على إقصاء الهامش وتهميشه: اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. الزنوج أبناء الجنوب والشرق والغرب والوسط المهمش عاشوا مواطنيةً منقوصة، لم يروا من الدولة وجهاً إلا وجه الضابط والجابي وبلدوزر التهجير.
هذا الإقصاء المتراكم لم يكن قصوراً في الحوكمة فحسب، بل كان مشروعاً أيديولوجياً: إنكار تعدد الهوية السودانية والإصرار على فرض هوية ثقافية وعرقية واحدة على أمة تفيض بالتنوع. وقد أثبتت الوقائع أن مجتمعات الفور والزغاوة والمساليت كانت هدفاً بسبب هويتها العرقية تحديداً، وهو ما أقرّت به لاحقاً حتى إدارة بايدن الأمريكية حين حددت قُبيل مغادرتها في يناير 2025 أن قوات الدعم السريع ووكلاءها يرتكبون إبادة جماعية في السودان.[⁶]
الجهاز القضائي الدولي وثّق هذا النهج العرقي منذ عقود؛ فالرئيس عمر البشير متهم أمام المحكمة الجنائية الدولية بخمسة جرائم ضد الإنسانية وجريمتي حرب وثلاثة جرائم إبادة جماعية يُدّعى ارتكابها ضد "جماعات الفور والمساليت والزغاوة" في دارفور بين عامَي 2003 و2008.[⁷] هذا النهج ذاته يتكرر اليوم بأيدٍ جديدة وأسلحة أكثر فتكاً.
ثالثاً: صمت العالم — تواطؤ بالصمت
"نقول للعالم إن صمتكم دليل عار وتخلٍّ عن الإنسانية" — مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، أكتوبر 2025.[⁸]
منذ أبريل 2023، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 2736 في يونيو 2024 يطالب فيه قوات الدعم السريع بإنهاء حصار الفاشر[¹]، لكن القرار بقي حبراً على ورق. حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان مراراً من تصاعد خطر ارتكاب "انتهاكات وجرائم فظيعة ذات دوافع إثنية"[⁸]، وأكد المفوض السامي فولكر تورك أن "خطر الفظائع يتزايد في الفاشر يوماً بعد يوم"[⁸]، ومع ذلك لم يتحرك العالم.
هذا الصمت ليس غياباً عن العلم، بل هو سياسة. العالم يعلم. الصور الفضائية وتقارير مختبر اليل الإنساني توثّق الحرق الممنهج للقرى، والتقارير الأممية تُسمي الجناة بأسمائهم، والناجون يحملون شهاداتهم إلى كل منبر. لكن المصالح الجيوسياسية والحسابات الاقتصادية تُقدَّم على أرواح الزنوج في موازين القوى الدولية.
أما المحكمة الجنائية الدولية فلا تزال تلاحق عدداً من المسؤولين الفارين من العدالة، في مقدمتهم البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين، ولم يُنفَّذ في أيٍّ منهم حكم.[⁷] وفي يناير 2025 أعلن المدعي العام للمحكمة كريم خان أمام مجلس الأمن أن مكتبه يتخذ خطوات لتقديم طلبات مذكرات توقيف بشأن جرائم غرب دارفور منذ أبريل 2023، مؤكداً أن "التجريم يتسارع في دارفور".[⁶] هذا الإفلات من العقاب هو وقود الإبادة، وشركاء الإفلات شركاء في الدم.
رابعاً: ما الذي يجب أن يحدث — مطالب مركز الحقيقة والمعرفة
إن كان العالم صادقاً في ادعائه الالتزام بمنع الإبادة والدفاع عن الكرامة الإنسانية، فثمة مسارات واجبة لا خيارية:
١. الحماية الفورية للمدنيين: إقرار مناطق حماية إنسانية آمنة في الفاشر وزمزم والمخيمات المحاصرة مع انتشار قوة دولية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، دون انتظار موافقة أطراف الحرب.
٢. عقوبات دولية قابلة للتنفيذ: فرض عقوبات فعلية على قيادات قوات الدعم السريع وكل من يُثبت تورطه في الجرائم ضد الإنسانية، وتجميد أصولهم الدولية وإغلاق منافذهم المالية. كما تجدر الإشارة إلى أن وزيرة شؤون أفريقيا البريطانية أكدت أن 80% من الجرائم ترتكبها قوات الدعم السريع، وأعلنت أن بلادها ستعمل على محاسبة المسؤولين.[⁸]
٣. تفعيل ولاية المحكمة الجنائية الدولية: ضمان تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة، والإسراع في التحقيق بالجرائم المرتكبة منذ أبريل 2023. وفي أكتوبر 2025 صدر أول حكم إدانة في قضايا دارفور بحق علي كوشيب بـ 27 جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، وصدر بحقه حكم بالسجن 20 عاماً في ديسمبر 2025[⁷] — وهذا الحكم مهم لكنه غير كافٍ أمام حجم الإبادة الجارية.
٤. وصول إنساني غير مشروط: ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مخيمات النزوح وتمويل كافٍ وعاجل للاستجابة الأممية. فمنظمة "أطباء بلا حدود" وصفت العنف الجنسي بأنه أصبح "علامة مميزة للصراع" في سياق "عقوبات جماعية تُفرض على المدنيين على أساس عرقي".[³]
٥. الاعتراف بحق تقرير المصير: الاعتراف الرسمي بحق مجتمعات دارفور وهامش السودان في الحكم الذاتي وتقرير مصيرها السياسي ضمن إطار عملية سياسية حقيقية تُعاد هندستها بعيداً عن هيمنة المركز التاريخية.
٦. وقف تدفق الأسلحة: الضغط على الدول الداعمة للمليشيات بالمحاسبة الدولية ومنع استمرار شبكات تهريب الأسلحة العابرة للحدود.
خامساً: حق تقرير المصير — إطار قانوني مشروع
يكفل القانون الدولي لمجتمعات الهامش السوداني المضطهدة حق تقرير المصير المنصوص عليه في المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان. هذا الحق ليس هبةً تمنحها الدولة التي تمارس الاضطهاد، بل التزام دولي واجب التطبيق.
بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في السودان وثّقت في تقاريري سبتمبر وأكتوبر 2024 جرائم دولية في أرجاء البلاد كافة، ودعت مجلس الأمن إلى توسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل كامل السودان لا دارفور وحدها.[⁹] هذه الدعوة تُقرّ ضمنياً بأن الإطار القانوني القائم لا يحيط بحجم الكارثة الإنسانية.
يرى مركز الحقيقة والمعرفة أن على المجتمع الدولي ألا يتعامل مع تقرير المصير باعتباره تهديداً بل باعتباره أداة للسلام. الفيدرالية الحقيقية والحكم الذاتي الموسّع والاستفتاءات الشعبية المدعومة دولياً كلها أدوات مشروعة يمكن أن تُوقف الدورة الجهنمية للعنف المبني على الهوية. السودان الموحّد الذي يُبيد أبناءه لأنهم سود لا يستحق الوحدة بالقوة، والسودان الذي يريد الوحدة الحقيقية يجب أن يبنيها على العدالة لا على القبر.
خاتمة: لن نصمت
أمام شلالات الدماء التي تجري يومياً في زمزم والفاشر وترع الجزيرة، لا يملك الضمير الحي ترف الصمت. مركز الحقيقة والمعرفة يُعلن بوضوح: صمت المجتمع الدولي المتواصل أمام إبادة الزنوج هو تواطؤ أخلاقي وسياسي يُحمّل أصحابه المسؤولية التاريخية.
لن تحل الأزمة السودانية بالمفاوضات التجميلية والبيانات الفارغة. الحل يبدأ بوقف القتل الآن، ويمر بالمحاسبة الحقيقية، وينتهي بإعادة بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بحق كل السودانيين في الكرامة والأمان والمشاركة السياسية على قدم المساواة، بصرف النظر عن لون الجلد أو الموقع الجغرافي.
أمهات زمزم لا وقت لديهن لانتظار التاريخ. أطفال الفاشر يحتاجون الحياة الآن. ونحن لن نصمت حتى يسمع العالم.
المراجع
[¹] تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية المستقلة في السودان، "مؤشرات على إبادة جماعية في الفاشر"، فبراير 2026. متاح عبر: aajsa.com
[²] Genocide Watch, "Sudan Genocide Emergency: September 2025", October 2025. متاح عبر: genocidewatch.com
[³] أطباء بلا حدود، تقرير العنف الجنسي في دارفور، مارس 2026. متاح عبر: euronews.com/arabic — sudanile.com
[⁴] "مجزرة الفاشر"، ويكيبيديا العربية، بيانات مستندة إلى تصريحات حكومة إقليم دارفور وشبكة أطباء السودان، أكتوبر 2025.
[⁵] سودان تربيون، "تحقيق يكشف مواقع المقابر الجماعية في الفاشر"، يناير 2026. متاح عبر: sudantribune.net
[⁶] Euronews, "ICC to pursue arrest warrants over atrocities in Sudan's West Darfur region", January 28, 2025. متاح عبر: euronews.com — Human Rights Watch, "Sudan: 20th Anniversary of Darfur ICC Referral", March 2025.
[⁷] المحكمة الجنائية الدولية، ملف دارفور — السودان. متاح عبر: icc-cpi.int/darfur — التقرير الثاني والأربعون لمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، يناير 2026.
[⁸] الجزيرة نت، "حاكم دارفور: قوات الدعم السريع ترتكب مجازر وإبادة في الفاشر"، أكتوبر 2025. متاح عبر: aljazeera.net — أخبار الأمم المتحدة، أكتوبر 2025. متاح عبر: news.un.org
[⁹] Human Rights Watch, "Sudan: 20th Anniversary of Darfur ICC Referral", March 2025. متاح عبر: hrw.org
مركز الحقيقة والمعرفة — جميع الحقوق محفوظة
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق