النور القبة - قاتل أطفال الفاشر - يُستقبل بالأبواب المشرَّعة في بورتسودان وشمال السودان- النور القبة - قاتل أطفال الفاشر - يُستقبل بالأبواب المشرَّعة بينما يتم طرد ضحايا الإبادة الجماعية فى دلقوا المحس


البرهان المتهم بجرائم الكيماوي ومجازر الكنابي العرقية يُعانق شريكه في الدم

مقال استقصائي حقوقي | مركز الحقيقة والمعرفة | الكرتي — ناشط حقوقي | أبريل 2026




في مشهد يُلخّص بكثافة مأساة المساءلة في السودان، توجّه الفريق أول عبد الفتاح البرهان — رئيس الحكومة غير الشرعية المتربّعة في بورتسودان، والمتهم بتوجيه استخدام أسلحة كيميائية محظورة دولياً وبالإشراف على مجازر عرقية بحق الزنوج السود في مجتمعات الكنابي — توجّه شخصياً إلى دنقلا ليصافح اللواء النور أحمد آدم القبة، أحد أبرز قادة مليشيا الجنجويد المشاركين في حصار الفاشر وسقوطها، ليُهديه مركبته الرئاسية ويُعلن أن "الأبواب مشرعة" لمن ألقى السلاح.

هذا الاستقبال الاحتفالي، الذي جرى في أبريل 2026، لم يكن مجرد إيماءة دبلوماسية أو مناورة عسكرية. كان رسالة واضحة موجّهة بالدرجة الأولى إلى أهالي الفاشر الذين فقدوا أطفالهم، وإلى ناجيي مجتمعات الكنابي الذين يحملون على أجسادهم وذاكرتهم ندوب الإبادة العرقية: إن قاتل أطفالكم مُرحَّب به، وإن جرائمه لا تُشكّل عائقاً أمام الترحيب والمكافأة.

أولاً: الفاشر — مئة يوم من الرعب وألف طفل في القبور

سقطت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور وآخر معاقل الجيش في إقليم دارفور، في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025، بعد حصار مطوّل امتدّ منذ أبريل 2024. كان النور القبة من القادة الميدانيين الذين أداروا هذا الحصار وأشرفوا على العمليات التي جعلت من الفاشر واحدة من أشد مسارح الحرب السودانية دموية.

وثّقت اليونيسف منذ بدء الحصار أكثر من 1,100 انتهاك جسيم في الفاشر وحدها، بما في ذلك قتل وتشويه أكثر من 1,000 طفل. وقد قُتل العديد منهم في منازلهم، داخل مخيمات النزوح، أو في الأسواق. وتعرّض ما لا يقل عن 23 طفلاً للاعتداء الجنسي، بينما اختُطف آخرون أو جُنِّدوا قسراً. UN News

وحلّل مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل صوراً للفاشر التقطتها أقمار اصطناعية، وخلص الباحثون إلى أنها تُظهر مقابر جماعية تُحفر وتُغطّى في موقعين داخل المدينة: أحدهما في مسجد شمال المستشفى السعودي مباشرة حيث قُتل حوالي 460 شخصاً، والآخر بجوار مستشفى أطفال سابق كانت قوات الدعم السريع تستخدمه سجناً. Ajnet

وأكدت شهادات متعددة مدعومة بمقاطع مصوّرة نشرها عناصر الدعم السريع أنفسهم وقوع فظائع مروّعة: مدنيون يُقتلون برصاص قوات الدعم السريع أثناء محاولتهم الفرار، وجثثهم متناثرة على الأرض غارقةً في برك من الدماء. بعض اللقطات صادمة للغاية بحيث لا يمكن بثّها. CNN

وشنّت قوات الدعم السريع حملة رعب في المدينة، وارتكبت فظائع من بينها إعدام أكثر من 2,000 مدني أعزل، وفق تقارير من الفاشر. Al-Ahbar

وعلى الطرق المؤدية إلى خارج المدينة، تتحدث شهادات الهاربين عن أعمال عنف واغتصاب وسرقة عند كل نقطة تفتيش، حيث استهدف عناصر الدعم السريع مجموعات محددة وجرّدوا الرجال من ملابسهم وأطلقوا النار عليهم عشوائياً. Al Arabiya

ثانياً: مجازر الكنابي — الإبادة العرقية الممنهجة ضد الزنوج السود

لا يمكن فهم ما جرى في الفاشر بمعزل عن السياق الأشمل للعنف العرقي الممنهج الذي تمارسه مليشيا الجنجويد ضد الزنوج السود في السودان. وتُمثّل مجازر مجتمعات الكنابي في ولاية الجزيرة وسط السودان واحدة من أكثر الحالات توثيقاً وصراحةً في إظهار الطابع الإبادي لهذا العنف.

وثّقت تحقيقات Lighthouse Reports في ما بات يُعرف بـ"مجازر الكنابي" أن قوات الدعم السريع استهدفت المجتمعات ذات البشرة الداكنة بصورة انتقائية صريحة، وأن القتل تم على أساس الهوية العرقية وحدها. الانتماء إلى مجتمعات الزنوج السود كان وحده كافياً ليجعل الشخص هدفاً في منطق هذه المليشيا، بما يُشكّل جريمة إبادة جماعية بموجب المادة السادسة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، التي تُحدّد المسؤولية الجنائية الفردية لكل من أصدر الأوامر ونفّذها.

إن استقبال قادة هذه المليشيا وإعادة تأهيلهم يعني في جوهره أن السلطة في بورتسودان لا ترى في هذه الإبادات العرقية جرائم تستوجب المحاسبة، بل حوادث قابلة للإغفال مقابل مكاسب عسكرية آنية.

ثالثاً: البرهان والأسلحة الكيميائية — متهم يستقبل متهماً

يتعذّر فهم هذا الاستقبال دون الإحاطة الكاملة بالملف الحقوقي لعبد الفتاح البرهان شخصياً. فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات فردية سابقة على رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان بناءً على مزاعم استهداف المدنيين واستخدام المجاعة وسيلةً للحرب. Al Jazeera

ثم جاءت الضربة الأكبر: في مايو 2025 أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على السودان، إذ قالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها توصّلت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024 خلال الحرب الدائرة مع قوات الدعم السريع، وتشمل العقوبات حظر الصادرات الأمريكية والتمويل لحكومة السودان. Almamlaka TV

والأشد خطورة في هذا الملف أن مسؤولَين أمريكيَّين أفادا لصحيفة نيويورك تايمز بأن المعرفة ببرنامج الأسلحة الكيماوية في السودان كانت محصورة ضمن دائرة ضيقة داخل الجيش، وأن البرهان وافق على استخدام هذه الأسلحة. وخلصت تحقيقات مستقلة أجراها فريق "مراقبون" وتحقّقت منها منظمة هيومن رايتس ووتش إلى وجود أدلة قوية على استخدام الجيش غاز الكلور كسلاح خلال عمليات قرب الخرطوم في سبتمبر 2024، عبر إسقاط براميل مملوءة بالكلور من الجو. Sky News Arabia

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن استخدام مادة الكلور يُشكّل جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية، داعيةً إلى التحرك الدولي ضد هذه الانتهاكات. Sarhah News

فهذا هو البرهان: قائد جيش تطاله اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية محظورة، وفرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات فردية وعقوبات اقتصادية شاملة على حكومته — يجلس اليوم ليستقبل بابتسامة عريضة قائداً جنجويدياً شارك في مجازر الفاشر.


رابعاً: من هو النور القبة؟ — ملف الرجل الذي استُقبل بالمركبة الرئاسية

يُعدّ اللواء النور القبة من كبار القادة العسكريين في قوات الدعم السريع، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري. وقد قاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان، وصولاً إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها. Al-Ahbar

لكن ما الذي دفعه إلى الانشقاق؟ ليس التوبة عن الجرائم، ولا الإيمان بالسلام. انشق القبة عن الدعم السريع بعد خلافات تعود إلى تذمّره من عدم اختياره قائداً عسكرياً على ولاية شمال دارفور بعد السيطرة على الفاشر في أكتوبر 2025، علاوة على إهمال قواته وممارسة التمييز ضدها. Alarabyalasil

وتمكّن من الخروج بنحو 46 مركبة قتالية، وسلك طريق الصحراء في اتجاه شمال السودان، ليصل إلى دنقلا حيث استقبله البرهان شخصياً. tagpress

وهنا يكمن جوهر الفضيحة: رجل شارك في الحصار الذي أودى بحياة أكثر من ألف طفل في الفاشر، يصل إلى مناطق الجيش ليس خائفاً أو متهماً، بل مُحتفىً به، تُهدى إليه المركبة الرئاسية وتُشرَّع له الأبواب.

نمط ممنهج من الإفلات من العقاب — سابقة اللواء كيكل:

النور القبة ليس الحالة الأولى؛ إذ سبقه اللواء أبو عاقلة كيكل الذي مُنح عفواً عاماً من البرهان، وأسّس لاحقاً ميليشيا "قوات درع السودان" التي خضعت للجيش. Al-Ahbar المنطق ذاته يتكرر: الانشقاق يساوي العفو الكامل، يساوي إعادة التسليح والمنصب. هذا النمط يكشف أن بورتسودان لا تسعى إلى بناء سلام، بل إلى إعادة هيكلة قوة مسلحة على حساب المساءلة وحقوق الضحايا.

خامساً: الضحايا يُحاكَمون — الجناة يُحتفى بهم

يسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من قوات الدعم السريع الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع قوات الدعم السريع إبّان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة. Sudanile

هذه الازدواجية ليست خطأً في الحكم؛ إنها سياسة متعمّدة تقوم على منطق واضح: الوحشية المُنجزة تُكافَأ إن اقترنت بالانشقاق السياسي المناسب، في حين يُعاقَب المدني العاجز لمجرد أنه أُجبر على الصمود تحت الاحتلال. قادة الجنجويد يعبرون من مليشيا إلى أخرى بلا أي مساءلة، بينما يقف أمام القضاء أناس عاديون لم يكن بإمكانهم الاختيار.


الخلاصة: بورتسودان — ملاذ آمن لقتلة أطفال الفاشر

كل المؤشرات تقول: نعم، باتت بورتسودان ملاذاً آمناً. قائد جيش متهم باستخدام أسلحة كيميائية محظورة دولياً وبالإشراف على مجازر عرقية بحق الزنوج السود، فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات فردية وعقوبات اقتصادية شاملة على حكومته، يستقبل بالابتسامة العريضة والمركبة الرئاسية قائداً جنجويدياً شارك في حصار قُتل فيه أكثر من ألف طفل في الفاشر وحدها — ويُسمّي هذا "بناءً وطنياً" و"درءاً لنزيف الدم".

ما يجري في بورتسودان ليس سياسة عفو؛ إنه دولة إفلات من العقاب تُدار بمؤسسات. تستقبل الجناة وتُغلق ملفات الضحايا، وتُجرّم المدنيين وتُكافئ القتلة، وتتحدث عن السلام بينما دم أطفال الفاشر والزنوج السود في مجتمعات الكنابي لم يجفّ بعد على يد من يُصافحهم اليوم بابتسامة عريضة في دنقلا.


توصيات مركز الحقيقة والمعرفة

يطالب المركز المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان الأممي بما يلي:

أولاً: فتح تحقيق دولي مستقل فوري في جرائم الفاشر ومجتمعات الكنابي، وتحديد المسؤوليات الجنائية الفردية، مع التأكيد أن الانشقاق اللاحق لا يُسقط المسؤولية الجنائية عن الجرائم السابقة.

ثانياً: رفع ملفات قانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية تشمل النور القبة وسائر قادة الجنجويد المنشقين الذين تثبت الأدلة الموثّقة مشاركتهم الميدانية في الفظائع.

ثالثاً: إلزام حكومة بورتسودان بوقف منح العفو التلقائي لمن تطالهم اتهامات جنائية موثّقة، وإخضاع كل منشق لإجراءات تدقيق قضائي مستقل قبل أي تأهيل رسمي أو إعادة تسليح.

رابعاً: فرض آليات مراقبة دولية مستقلة على الأوضاع الحقوقية في مناطق سيطرة جميع أطراف النزاع السوداني دون استثناء، لضمان محاسبة شاملة لا انتقائية.


مركز الحقيقة والمعرفة للتوثيق وحقوق الإنسان | الكرتي — ناشط حقوقي | أبريل 2026

المصادر: اليونيسف — أخبار الأمم المتحدة | مختبر ييل للأبحاث الإنسانية | هيومن رايتس ووتش | وزارة الخارجية الأمريكية | صحيفة الشرق الأوسط | Cedar News / BBC Arabic | سودانايل | سكاي نيوز عربية | CNN Arabic | Lighthouse Reports

#النور_القبة_قاتل_أطفال_الفاشر #البرهان_متهم_بجرائم_حرب #مجازر_الكنابي #السودان_يحترق #العدالة_لضحايا_دارفور #محاسبة_مجرمي_الحرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة