الفاشر تحترق والعالم يتفرج: أوقفوا الإبادة أو قسّموا السودان: واشنطن قالت "إبادة جماعية". قالتها رسمياً. ثم... لا شيء. لا تحرك عسكري، لا ضغط حقيقي

 

 الفاشر تحترق والعالم يتفرج: أوقفوا الإبادة أو قسّموا السودان!


الفاشر تحترق والعالم يتفرج: أوقفوا الإبادة أو قسّموا السودان!

مركز الحقيقة والمعرفة | الكرتي - ناشط حقوقي


كم طفلاً آخر يجب أن يموت جوعاً في زمزم حتى يستيقظ الضمير الدولي؟

ما يجري في دارفور اليوم ليس "أزمة إنسانية" — هذا هو المصطلح المعقم الذي تستخدمه الأمم المتحدة لتجميل الفظائع وتخفيف وطأة الصدمة. ما يجري هو إبادة جماعية على الهواء مباشرة - مصوّرة، موثّقة، معلنة — وعالمنا يتابعها بنفس اللامبالاة التي يتابع بها نشرة الطقس.


ثلاثمئة جثة في اليوم - ماذا تسمي هذا؟

في الفاشر، يموت ما بين 200 و300 إنسان كل يوم — لا بالرصاص وحده، بل بالجوع المتعمد المحسوب. أربعة أضعاف العتبة الرسمية للمجاعة. أربعة أضعاف. وقوات الدعم السريع تقف على أبواب المعسكرات تمنع شاحنات الغذاء، وتنهب ما يصل منها، وتقتل من يحاول الإفلات.

في زمزم — حيث يتكدس نصف مليون روح في خيام الذل — لا تتوقف الرصاصات عن القصف، والشظايا تأكل أجساد من لم يقتلهم الجوع بعد. هذا ليس إهمالاً. هذا سلاح. هذا تجويع ممنهج يستهدف المساليت والفور والزغاوة لأن أجسادهم لا ترسم على الخريطة المتخيلة لـ"السودان العربي الجديد".

والاغتصاب — لا تتجاوزه بنظرة. الاغتصاب الجماعي يُستخدم بحرفية عسكرية كأداة لتدمير المجتمع، لتكسير ذاكرة القبيلة، لإذلال الرجل أمام امرأته وطفله. هذا ليس انحلالاً أخلاقياً لجنود — هذا سياسة حرب يعرفها القانون الدولي باسمها الكامل: جريمة ضد الإنسانية.


العالم يتفرج - والجلاد يشعر بالأمان

واشنطن قالت "إبادة جماعية". قالتها رسمياً. ثم... لا شيء. لا تحرك عسكري، لا ضغط حقيقي، لا ممر إنساني مفروض بالقوة. فقط بيانات تُقرأ في مؤتمرات مكيّفة الهواء بينما يحترق الناس في الصحراء.

الاستجابة الدولية "باهتة" — هذا هو الوصف المهذب. الوصف الحقيقي هو: تواطؤ بالصمت. كل يوم تمر فيه بلا تدخل هو يوم آخر يشعر فيه الجلاد بأنه في مأمن، بأن ما يفعله مقبول، بأن ضحاياه لا يستحقون أكثر من تغريدة حزينة ووسم يختفي بعد أسبوع.


التقسيم: ليس خيانة - بل إنقاذ

يصرخ البعض: "التقسيم خيانة للوحدة الوطنية!"

أي وحدة؟ وحدة من يذبح ومن يُذبح؟

السودان مقسّم فعلياً منذ اليوم الأول. قوات الدعم السريع تحكم دارفور وكردفان، والجيش يمسك بالشمال والشرق، وكل طرف نصّب إدارته وحكومته. التقسيم الذي يخشاه المنظّرون هو واقع يعيشه الناس تحت القصف منذ شهور.

إن كانت "الدولة" تعني السلطة التي توفر الحماية وتضمن العيش الكريم — فتلك الدولة لم تعد موجودة لأهل دارفور منذ عقود. هذا ليس رأياً سياسياً. هذا إرث استعماري بنى سوداناً من طبقتين: مركز يأكل ويحكم، وأطراف تُستعمل وتُقتل.

جنوب السودان انفصل عام 2011 لأن "الوحدة" كانت تعني الموت. التاريخ لا يبرّر الانفصال - لكنه يشهد أن شعوباً اختارت الحياة منفردةً على الموت مجتمعةً.


مسؤولية الحماية: القانون الذي يتجاهله العالم

المواثيق الدولية صريحة: حين تفشل الدولة في حماية شعبها من الإبادة، تنتقل المسؤولية إلى المجتمع الدولي. ليس "تنتقل" بمعنى الاختيار — بمعنى الواجب القانوني والأخلاقي.

السودان فشل. ليس فشل ضعف، بل فشل تورط — إذ انقلبت أجهزة الدولة ذاتها أو تواطأت مع من يُبيد. وهذا يُسقط الحجة الوحيدة التي يتذرع بها من يرفض التدخل: السيادة الوطنية.

السيادة تسقط حين تصبح درعاً للإبادة.


الرسالة الأخيرة

أيها الضمير الدولي — إن كان ثمة ضمير:

إما أن تفرضوا ممرات إنسانية بالقوة، وتوقفوا الإمداد العسكري للمجرمين، وتحاكموا قادة الدعم السريع أمام الجنائية الدولية.

وإما - إن عجزتم أو أبيتم - أن تتيحوا لأهل دارفور أن يختاروا مصيرهم بأنفسهم.

لأن الاستمرار في الصمت، مع إبقاء كل الأبواب مغلقة، لا اسم له سوى: الاشتراك في الجريمة.


مركز الحقيقة والمعرفة قسم التوثيق وحقوق الإنسان

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة