تقرير: إزالة منازل السودانيين الأفارقة السود في الخرطوم وأمدرمان وبحري- لماذا يسكن الأفارقة السود في "العشوائيات"؟
تقرير: إزالة منازل السودانيين الأفارقة السود في الخرطوم وأمدرمان وبحري
بين مطرقة التطهير العرقي وسندان "التنظيم العمراني"
مركز الحقيقة والمعرفة - الكرتى باحث حقوقى - أبريل 2026
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تشهد مدن الخرطوم وأمدرمان وبحري — مثلث العاصمة السودانية — عمليات ممنهجة لهدم منازل السودانيين الأفارقة السود وتشريدهم. هذه العمليات تجري على مستويين متوازيين: الأول عبر الإبادة المباشرة والتهجير القسري بذريعة الحرب، والثاني عبر ما تسمّيه السلطات الرسمية "إزالة العشوائيات" التي يصفها المراقبون ومنظمات حقوق الإنسان بأنها غطاء لإعادة رسم الخريطة السكانية لصالح المجموعات العربية على حساب السكان الأصليين من الأفارقة.
أولاً: الجذور التاريخية — لماذا يسكن الأفارقة السود في "العشوائيات"؟
لفهم عمليات الإزالة، لا بد من استيعاب الجذور التاريخية لهذه التجمعات السكانية.
نشأ السكن العشوائي في مدينة الخرطوم خلال عقود شابتها الكوارث الطبيعية والحروب المستمرة في أقاليم السودان المختلفة منذ استقلاله، ونتيجة لاختلال التوازن التنموي وضعف خدمات التعليم والصحة. وقد رصد الباحث الدكتور محمد بخيت في رسالته للدكتوراه سلسلة من هذه التجمعات تمتد من مايو وسوبا والأندلس جنوباً، وفي غرب أمدرمان في أطراف دار السلام ونيفاشا، وفي الخرطوم بحري "كرتون كسلا" (حي البركة) ودار السلام والوحدة والتكامل والتعويضات وكرتون بارونة. Atarnetwork
هذه الأحياء لم تنشأ عشوائياً من فراغ، بل هي المحطة الأخيرة لموجات نزوح متراكمة: نازحو حرب دارفور، ومجاعات الثمانينيات، والتهميش الاقتصادي الممنهج لمناطق الهامش السوداني من النوبة والزنج والفور والمساليت، الذين لجأوا إلى العاصمة بحثاً عن لقمة العيش فأقاموا بيوتاً من الطين والجالوص على هامش المدينة.
ثانياً: الحرب أداةً للتطهير — القتل العرقي في الخرطوم وبحري
القتل العرقي الممنهج في بحري يناير 2025
في 30 يناير 2025، وثّق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة سبع حوادث منفصلة أسفرت عن مقتل 18 مدنياً على الأقل، نُسبت إلى عناصر من القوات المسلحة السودانية وميليشيات موالية لها في محيط مصفاة الجيلي. وقد تبيّن أن كثيراً من الضحايا ينحدرون أصلاً من دارفور وكردفان. Wikipedia
ظهر في مقاطع مصورة عناصر يرتدون زي القوات المسلحة يتلون قائمة بأسماء يُزعم أنهم متعاونون مع قوات الدعم السريع، معلنين كلمة "زايلي" (أي "قُتل") عقب كل اسم. Wikipedia
شهادات تكشف الهوية العرقية للضحايا
"أي شخص يبدو نوبياً أو من غرب السودان أو من الجنوب كان يُقتل فوراً" — هكذا أفاد ضابط في القوات المسلحة السودانية طلب عدم الكشف عن هويته، في وصفه لما جرى أثناء تقدم القوات نحو ود مدني في يناير 2025. CNN
"اتفقوا على أنهم لا يريدون الرجال السود" — هذا ما قاله أحد الناجين موصوفاً الطابع العرقي للحملة التي استهدفت مجتمعات قادمة من دارفور وكردفان والجنوب. The National
ثالثاً: "إزالة العشوائيات" — الوجه الرسمي للتطهير العرقي
الحقيقة خلف المصطلح
بعد أن استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على الخرطوم وأمدرمان وبحري بين أواخر 2024 وبداية 2025، شرعت السلطات في تنفيذ حملات واسعة لهدم الأحياء التي يقطنها الأفارقة السود، تحت مسمّى "إزالة السكن العشوائي" و"حملة التطهير الأمني".
بحري — العزبة: مارس 2025
في منتصف مارس 2025، فوجئ المواطنون في منطقة العزبة بمدينة بحري بالجرافات والآليات الثقيلة وهي تدك منازلهم بما فيها من أثاث وممتلكات، وتسويها بالأرض دون إنذار سابق. Atarnetwork
ويروي أحد ساكني شرق النيل أن والده كان قد اشترى أرضهم قبل الحرب بوثائق رسمية من لجان وعمدة المنطقة بوعد بتوصيل الخدمات. وأضاف: "جاء الموظفون في أزياء عسكرية يحملون البنادق والهراوات، تتقدمهم الجرافات، هدموا بيوتنا دون إخطار مسبق، تشرد الناس وهاموا في العراء وضاعت ممتلكاتهم تحت الأنقاض". Atarnetwork
أمدرمان — أبوسعد: يوليو 2025
في مطلع يوليو 2025، أعلن جهاز حماية الأراضي بولاية الخرطوم اكتمال إزالة "التعديات العشوائية" بمربعي 18 و19 بأبوسعد في محلية أمدرمان. وقال مدير الجهاز عبد العزيز عبد الله إن الإزالة شملت 806 منازل بمشاركة القوات النظامية والنيابة والمهندسين والموظفين، تنفيذاً لتوجيهات الولاية بإزالة "السكن العشوائي" بسبب "المهددات الأمنية والظواهر السالبة المرتبطة به". Atarnetwork
شرق النيل — حي البركة (كرتون كسلا): يوليو 2025
في 12 يوليو، أزالت قوات طوف مشترك تابع لمحلية شرق النيل المساكن العشوائية بسوق 4 بحي البركة المعروف بـ"كرتون كسلا". Atarnetwork
مناطق أخرى مشمولة بخطة الإزالة الشاملة
أعلن جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات أن ولاية الخرطوم أكملت تنفيذ 60% من خطة إزالة السكن العشوائي حتى يونيو 2025، وشملت: منطقة الخيرات بمحلية شرق النيل، ومربع 19 الحلفايا، ومربع 13 مطري الحلفايا، ومنطقة العزبة ببحري، ومناطق مانديلا وغبوش بجنوب الخرطوم، وصولاً إلى منطقة جبل أولياء. Atarnetwork
توزيع الأراضي بعد الإزالة — لمن؟
في 21 يوليو، أعلنت المنصة الرسمية لولاية الخرطوم أن وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون قد سُلّم قطعته بمربع 19 أبوسعد — ذات المنطقة التي هُدمت منازل 806 أسرة منها — عبر ممثله، ثم دُقّت الأوتاد بمشاركة المساحة وجهات التخطيط العمراني. Atarnetwork
هذا الكشف يضع يده على الحقيقة المُرّة: أراضي الفقراء من الأفارقة تُهدم لتُمنح لكبار المسؤولين العسكريين.
رابعاً: النمط الأشمل — قوات الدعم السريع والجيش وجهان لعملة واحدة
ما يجري في الخرطوم ليس انفراداً في السياق، بل جزء من نمط ممتد عبر السودان كله يستهدف الأفارقة السود من كلا الطرفين المتحاربين.
جرائم قوات الدعم السريع في دارفور
طالت هجمات قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها قبيلة المساليت وغيرها من المجموعات غير العربية في العزيرة (غرب دارفور). وقد شهدت تدميراً ممنهجاً لأحياء سكانية بالكامل، وإحراق مستشفيات، وقتلاً جماعياً وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بـ"التطهير العرقي". Al Jazeera
جرائم القوات المسلحة في الجزيرة — "مجازر الكنابي"
كشف تحقيق CNN وLighthouse Reports عن هجمات على 39 قرية كنابية في ولاية الجزيرة و18 أخرى في ولاية سنار المجاورة، بين أكتوبر 2024 ومايو 2025. والكنابي مجتمع زراعي من غير العرب ينحدر معظمه من دارفور وكردفان، وكان قد استقر في الجزيرة منذ خمسينيات القرن الماضي كعمال زراعيين، ويقطن قرى تُعرف بـ"الكامبو". Lighthouse Reports
وصف محقق أممي اطلع على نتائج التحقيق ما جرى بأنه "إبادة جماعية موجهة على أسس عرقية"، مشيراً إلى أن حجم الهجمات الموثقة يدل على أنها سياسة متعمدة لا أفعالاً فردية خارجة عن السيطرة. The Sudan Times
خامساً: الأثر الإنساني الكارثي
أفرزت الحرب نزوحاً داخلياً غير مسبوق، إذ فرّ ما يزيد على 3.6 مليون شخص من العاصمة وحدها، فيما فارق الديارَ 11 مليون سوداني على مستوى البلاد. Arab Center DC
"كيف أعود، ومن أين أبدأ، خسرت كل شيء، هدموا المنزل وساووه بالأرض بعد نهب كل ما فيه، لم يبق شيء هناك يشجع على الرجوع" — بهذه الكلمات ووسط دموع أجاب عبد الله السيد، الذي أمضى نصف عمره مغترباً وأنفق مدخراته على منزل من طابقين، قبل أن تحوله الحرب إلى لا شيء. Al Jazeera
سادساً: الموقف الدولي والمساءلة
في 16 يناير 2025، فرضت إدارة بايدن عقوبات على البرهان بتهمة شنّ "هجمات مميتة على المدنيين، بما فيها ضربات جوية على مواقع محمية كالمدارس والأسواق والمستشفيات". Arab Center DC
تعكف اللجنة المركزية لمؤتمر الكنابي على إعداد ملف قانوني شامل لرفعه أمام المحكمة الجنائية الدولية. Dabanga Radio TV
قالت شاينا لويس من منظمة Avaaz: "فشل المجتمع الدولي في الوفاء بمسؤوليته في حماية المدنيين، متفرجاً على قوات الدعم السريع وهي تنفذ سلسلة من المجازر ذات الدوافع العرقية عبر السودان." NPR
خلاصة وتقييم
ما يجري في الخرطوم وأمدرمان وبحري يندرج في إطار سياسة ممنهجة ومتعددة المستويات تستهدف السودانيين الأفارقة السود:
المستوى الأول — الإبادة الفيزيائية: قتل مدنيين بتهمة "التعاون مع العدو" مع استهداف عرقي واضح للنوبيين وأبناء دارفور وكردفان والجنوب.
المستوى الثاني — هدم المنازل: إزالة مئات وآلاف البيوت تحت غطاء قانوني يستخدم مصطلح "العشوائيات"، دون تعويض أو إنذار، مع توزيع الأراضي المُصادرة على كبار العسكريين.
المستوى الثالث — إعادة رسم الخريطة الديموغرافية: تحويل أحياء كانت يقطنها الأفارقة إلى مناطق "للنظاميين" وحلفائهم، في ما يمكن وصفه بـ"التطهير العرقي الناعم".
والمشترك بين هذين الطرفين المتحاربين — قوات الدعم السريع وقوات البرهان — هو أن ضحاياهما من الأفارقة السود الذين دفعوا ثمن نزاع لم يبدأوه، ويواجهون الآن خطر أن يُمحوا من خارطة العاصمة التي بنوها بأيديهم وعرقهم على مدى عقود.
المصادر: هيومن رايتس ووتش، منظمة العفو الدولية، تحقيق CNN وLighthouse Reports، شبكة أتر الصحفية، الجزيرة نت، وكالة سونا الرسمية السودانية، مكتب حقوق الإنسان الأممي.

تعليقات
إرسال تعليق