كيف تحولت السودان إلى بوابة إيران في إفريقيا؟ القيادة السودانية خلال السنوات الماضية فتح قنوات اتصال مع إسرائيل في إطار مساعي التطبيع
البرهان رجل إيران فى أفريقيا والحرس الثوري
كيف تحولت السودان إلى بوابة إيران في إفريقيا؟
تقرير صادر عن: مركز الحقيقة والمعرفة
تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 تحولات سياسية وعسكرية عميقة أعادت تشكيل شبكة التحالفات الإقليمية والدولية حول السودان. ففي خضم الصراع الداخلي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، برزت مؤشرات متزايدة على تقارب متنامٍ بين القيادة العسكرية السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وخاصة الحرس الثوري الإيراني.
وقد أثار هذا التقارب تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية الدولية حول طبيعة هذا التحالف وأهدافه الاستراتيجية، وما إذا كان السودان يتجه بالفعل ليصبح نقطة ارتكاز جديدة للنفوذ الإيراني في القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأحمر.
أولاً: الجذور التاريخية للعلاقات بين السودان وإيران
لم تكن العلاقات بين السودان وإيران وليدة اللحظة، بل تعود إلى تسعينيات القرن الماضي خلال حكم الرئيس السوداني السابق عمر حسن البشير. ففي تلك الفترة نشأت علاقات سياسية وعسكرية وثيقة بين الخرطوم وطهران، شملت التعاون في مجالات التدريب العسكري والتنسيق الأمني.
كما سمحت الحكومة السودانية آنذاك لإيران بتوسيع حضورها العسكري والبحري في البحر الأحمر، الأمر الذي أثار قلقاً إقليمياً واسعاً، خاصة لدى إسرائيل والولايات المتحدة.
غير أن السودان قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران عام 2016 في سياق التقارب مع دول الخليج العربي، خصوصاً بعد الأزمة بين إيران والمملكة العربية السعودية.
لكن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها السودان بعد عام 2019 أعادت فتح الباب مجدداً أمام عودة هذا التقارب.
ثانياً: الحرب في السودان وإعادة تشكيل التحالفات
مع اندلاع الحرب الداخلية في السودان عام 2023، وجدت القيادة العسكرية السودانية نفسها أمام تحديات عسكرية كبيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالحصول على مصادر تسليح ودعم لوجستي.
وفي هذا السياق، بدأت تقارير سياسية وإعلامية تتحدث عن عودة التعاون العسكري بين الخرطوم وطهران، بما في ذلك حصول الجيش السوداني على طائرات مسيرة وتقنيات عسكرية يعتقد أنها إيرانية الصنع.
ويرى بعض المحللين أن هذا التعاون قد يمثل جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى توسيع نفوذها في إفريقيا، خاصة في ظل المنافسة الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة البحر الأحمر.
ثالثاً: دور الحرس الثوري الإيراني
يُعد الحرس الثوري الإيراني أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية في توسيع نفوذها الإقليمي والدولي. وقد لعب هذا الجهاز دوراً محورياً في دعم حلفاء إيران في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.
ويرى بعض الباحثين أن إيران قد تسعى إلى تطبيق نموذج مشابه في إفريقيا، مستفيدة من حالة عدم الاستقرار في السودان ومن موقعه الجغرافي الاستراتيجي.
كما يشير بعض المحللين إلى أن السودان قد يمثل بالنسبة لإيران نقطة انطلاق لتعزيز نفوذها في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
رابعاً: السودان في الحسابات الإسرائيلية
تنظر إسرائيل إلى السودان باعتباره دولة ذات أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقد حاولت القيادة السودانية خلال السنوات الماضية فتح قنوات اتصال مع إسرائيل في إطار مساعي التطبيع، حيث جرت لقاءات غير معلنة بين مسؤولين سودانيين وإسرائيليين في بعض الدول الإفريقية.
غير أن هذه المحاولات لم تحقق نتائج حاسمة، كما أن التقارب المحتمل بين السودان وإيران أثار مخاوف إسرائيلية من احتمال تحول السودان إلى قاعدة نفوذ إيرانية في إفريقيا.
وقد ذهبت بعض التحليلات الإعلامية إلى وصف البرهان بأنه "رجل إيران في إفريقيا"، في إشارة إلى تنامي العلاقات بين الخرطوم وطهران.
خامساً: الموقف الأمريكي والعقوبات
تتابع الولايات المتحدة التطورات في السودان بقلق متزايد، خاصة في ظل استمرار الحرب الداخلية وتفاقم الأزمة الإنسانية.
وقد فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على عدد من الأطراف المرتبطة بالصراع في السودان، في محاولة للضغط من أجل وقف الحرب واستئناف العملية السياسية.
كما تخشى واشنطن من أن يؤدي أي توسع للنفوذ الإيراني في السودان إلى تهديد الأمن الإقليمي، خصوصاً في منطقة البحر الأحمر التي تمثل أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
سادساً: الأبعاد الجيوسياسية للتحالف السوداني الإيراني
إن أي تقارب استراتيجي بين السودان وإيران قد يحمل تداعيات واسعة على التوازنات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى على النفوذ في إفريقيا.
ومن أبرز هذه التداعيات المحتملة:
-
تعزيز النفوذ الإيراني في البحر الأحمر.
-
تحويل السودان إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية.
-
تعقيد جهود التسوية السياسية في السودان.
-
زيادة المخاوف الأمنية لدى إسرائيل وبعض الدول العربية.
خاتمة
يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل العوامل الداخلية بالصراعات الجيوسياسية الإقليمية والدولية. وفي ظل الحرب المستمرة، يبدو أن الخرطوم قد بدأت بالفعل في إعادة رسم تحالفاتها الخارجية.
ويبقى السؤال المطروح: هل يتحول السودان فعلاً إلى بوابة جديدة للنفوذ الإيراني في إفريقيا، أم أن تعقيدات المشهد السياسي السوداني ستمنع تشكل مثل هذا التحالف الاستراتيجي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف إلى حد كبير على تطورات الحرب في السودان وعلى مواقف القوى الإقليمية والدولية خلال السنوات القادمة.

تعليقات
إرسال تعليق