شبكة من المقابر الجماعية وخنادق:القتل المتعمد للمدنيين، الهجمات على المنشآت الطبية والأسواق، استخدام الحصار والتجويع كسلاح: البعثة رأت أن النية الإبادية
تشهد مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، منذ سقوطها بيد قوات الدعم السريع في أواخر أكتوبر 2025، نمطاً متكاملاً من القتل الجماعي والتجويع والحصار والاستهداف العرقي يرقى إلى «سمات إبادة جماعية» وفق بعثة تقصي الحقائق الدولية التابعة للأمم المتحدة.
أولاً: الحدث المركزي والمدى الإنساني
بدأت المذبحة مع سقوط الفاشر في أعقاب حصار امتد نحو 18 شهراً، ثم هجوم أرضي واسع لقوات الدعم السريع في 26–27 أكتوبر 2025 أعقبته «أيام من الرعب» شملت عمليات قتل واغتصاب واختفاء قسري على نطاق واسع.
تقارير أممية وإعلامية تشير إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين في الفاشر وحدها، مع تقديرات أولية لبعض الخبراء تتحدث عن أعداد قد تصل إلى 60 ألف قتيل في بضعة أسابيع فقط، فيما يظل عشرات الآلاف في عداد المفقودين داخل مدينة كانت تضم مئات الآلاف من السكان قبل الحصار.
تُظهر الشهادات أن الضحايا ينتمون في الغالب إلى جماعات غير عربية مثل الزغاوة والفور والبرتي ومجتمعات نازحة سبق أن استُهدفت في موجات عنف سابقة في دارفور.
ثانياً: الأدلة الميدانية والفضائية
تحليلات مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل ومعه مختبرات أخرى أظهرت شبكة من المقابر الجماعية وخنادق و«مواقع إحراق» قريبة من المستشفيات والمساجد، مع تغيّر واضح في لون التربة وظهور أجسام بطول يقارب طول الإنسان، بما يدعم روايات الدفن الجماعي ومحاولات إخفاء الجثث.
صور الأقمار الصناعية توثق حفر خنادق جديدة قرب مستشفى الأطفال ومواقع طبية أخرى، ثم ردمها، بما يتسق مع نمط دفن سريع ومنهجي لعدد كبير من الجثث، كما تشير إلى فراغ الأسواق من الحركة وتحول المدينة إلى ما يشبه «مسلخاً» بعد اختفاء السكان.
الناجون وصفوا إعدامات ميدانية، فصل الرجال عن النساء، قتل عند الحواجز الترابية ومخارج المدينة، هجمات على المساجد ومراكز النزوح والجامعة، واعتداءات جنسية واسعة النطاق ضد نساء وفتيات من جماعات محددة، بينما تُستثنى نساء يُنظر إليهن كعربيات.
ثالثاً: التحليل القانوني – من جرائم حرب إلى «سمات الإبادة»
سلوك قوات الدعم السريع في الفاشر ينطوي بوضوح على جرائم حرب: القتل المتعمد للمدنيين، الهجمات على المنشآت الطبية والأسواق، استخدام الحصار والتجويع كسلاح، والاختطاف والتعذيب والمعاملة القاسية، في انتهاك جسيم لاتفاقيات جنيف والقانون الإنساني الدولي.
تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية خلص إلى توفر ثلاثة أركان من أركان جريمة الإبادة الجماعية: قتل أعضاء من جماعة محمية؛ إلحاق أذى بدني أو نفسي خطير؛ وفرض ظروف حياة ترمي إلى التدمير المادي للجماعة كلياً أو جزئياً، عبر الحصار والتجويع والحرمان من الماء والرعاية الطبية والمساعدات.
البعثة رأت أن النية الإبادية يمكن استنتاجها بصورة «هي المعقول الوحيد» من نمط الاستهداف العرقي المنهجي، وحجم الجرائم، والتنسيق العالي، وتصريحات قيادات وعناصر الدعم السريع التي تدعو صراحة إلى «القضاء على غير العرب» و«إزالة كل ما هو أسود من دارفور»، وبخاصة ضد مجتمعات الزغاوة والفور.

تعليقات
إرسال تعليق