العلاقة الوطيدة بين الأعمال الإرهابية لجنجويد مقارنة بالأعمال الإرهابية لجماعة بوكو حرام في غرب ووسط القارة الأفريقية: الإرهاب: استخدام العنف أو التهديد بالعنف
العلاقة
الوطيدة بين الأعمال الإرهابية لجنجويد مقارنة بالأعمال الإرهابية لجماعة بوكو
حرام في غرب ووسط القارة الأفريقية
تمهيد
تعرف القارة الأفريقية بأزمتها الأمنية المعقدة والمتشابكة، حيث تُشكل
الحركات المسلحة والجماعات الإرهابية تهديداً مباشراً لاستقرار دولها وشعوبها. من
بين أبرز هذه الجماعات: ميليشيات الجنجويد في السودان وجماعة بوكو حرام في غرب
ووسط القارة الأفريقية. وعلى الرغم من اختلاف الأطر الأيديولوجية والظروف المحلية
التي نشأت فيها كل جهة، إلا أنهما يشتركان في سلسلة من الممارسات العنيفة التي
تُدرَج ضمن خانة الإرهاب.
يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة مقارنة بين إرهاب الجنجويد وبوكو حرام
عبر تناول نبذة تاريخية، دوافع وأهداف، أساليب التنفيذ، وآثارها الإنسانية
والسياسية في المنطقة الأفريقية.
أولاً: تعريفات أساسية
الإرهاب: استخدام العنف أو التهديد بالعنف لاستهداف المدنيين أو المؤسسات
المدنية بهدف تحقيق مكاسب سياسية أو أيديولوجية.
الجنجويد: ميليشيات مسلحة نشطت أساساً في غرب السودان (إقليم دارفور) منذ
مطلع الألفية، مدعومة في بداياتها من النظام الحاكم في الخرطوم.
بوكو حرام: جماعة مسلحة تأسست في شمال نيجيريا في أواخر 2000، تبنت خطابات
متطرفة تهدف لفرض تفسيرها الخاص للإسلام، وامتدت عملياتها إلى دول الجوار.
ثانياً: نَبْذة تاريخية
1. الجنجويد (Darfur, السودان
نشأت ميليشيات الجنجويد في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية، كرد فعل من
نظام الحكم في الخرطوم على انتفاضات محلية في إقليم دارفور تطالب بالمساواة وتقاسم
السلطة والثروة.
ارتمى النظام في أحضان هذه الميليشيات، مزوداً إياها بالسلاح والغطاء
السياسي، لتقوم بحملة عسكرية واسعة ضد السكان الأصليين (الأفارقة من غير العرب)،
أسفرت عن اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وحتى إبادة جماعية.
أبرز الأحداث:
تصاعد الهجمات على قرى أهلية في دارفور منذ 2003.
ممارسات قصف وتطهير عرقي و”حرق للقرى” واغتصاب جماعي ونهب الممتلكات.
تدخلات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية بسبب الفظائع الإنسانية.
2. جماعة بوكو حرام (شمال نيجيريا وغرب أفريقيا)
ظهرت بوكو حرام في 2002 كحركة دعوية تطالب بمنع التعليم الغربي، ورفض القيم
الحديثة. ومع الوقت تطورت إلى حركة تسلح مسلحة ترفع السلاح لتحقيق إقامة نظام حكم
على أساس تفسيرها المتشدد للإسلام.
أبرز المراحل:
2009: تصعيد كبير في أعمال العنف ضد الشرطة والجيش والمدنيين.
2014: اختطاف فتيات من مدينة شيبوك أثار صدمة عالمية.
توسعت العمليات لتشمل هجمات انتحارية، هجمات على قرى حدودية في تشاد
والكاميرون والنيجر.
ثالثاً: دوافع وأهداف التنظيمين: أنماط وأساليب العنف
تتشابه ممارسات الطرفين في عدة جوانب أساسية. فقد اعتمدت ميليشيات الجنجويد
على الهجمات الواسعة ضد القرى، مستخدمة القتل والحرق والتطهير العرقي كسلاح لإفراغ
مناطق بأكملها من سكانها. كما استُخدم العنف الجنسي بشكل منهجي كأداة لترهيب
المجتمعات وتفكيك بنيتها الاجتماعية.
أما بوكو حرام فقد اشتهرت بالعمليات الانتحارية، والاختطافات الجماعية،
وتجنيد الأطفال، والهجمات على المدنيين في الأماكن العامة. ورغم اختلاف الوسائل
التقنية، فإن الهدف المشترك كان خلق حالة من الرعب العام والسيطرة عبر الخوف.
رابعاً: أساليب التنفيذ
الجن جويد
القتل الجماعي والتطهير العرقي: تمييز واضح في استهداف المجموعات العرقية
السودانية غير العربية.
الاغتصاب كأسلوب حرب: استخدم للاستلاب الاجتماعي والضغط النفسي.
النهب والحرق: لتدمير اقتصادات المجتمعات المحلية.
بوكو حرام
الهجمات الانتحارية: خصوصاً ضد الأسواق والمساجد والكنائس.
الاختطافات الجماعية: أشهرها خطف الطالبات من شيبوك.
الهجمات عبر الحدود: توسعت إلى دول الجوار.
التجنيد بالقوة: استغلال الأطفال للقتال.
خامساً: أوجه التشابه
على الرغم من اختلاف الدوافع والأطر الأيديولوجية، توجد عناصر مشتركة واضحة:
الاستهداف العنيف للمدنيين: تنفيذاً لأهداف سياسية أو أيديولوجية.
تشريد جماعي: خلق أزمة لجوء ونزوح داخلي وخارجي.
انتهاك صارخ لحقوق الإنسان: دون مراعاة للقانون الدولي أو الأعراف
الإنسانية.
تفكيك النسيج الاجتماعي: من خلال العنف الجنسي أو التكتيكات الإرهابية.
توسع الأثر عابراً للحدود: أثّر كلاهما على استقرار دول الجوار.
سادساً: أوجه الاختلاف: أوجه التقاطع الجوهرية
تكمن العلاقة الوطيدة بين التجربتين في أن كليهما اعتمد على الإرهاب
الممنهج ضد المدنيين كأداة سياسية. كما أن كلتا الحالتين أظهرتا هشاشة الدولة في
مواجهة الجماعات المسلحة، وبيّنتا كيف يمكن أن يتحول العنف المحلي إلى أزمة
إقليمية واسعة.
رغم أن الجن جويد ارتبطت أكثر ببنية الدولة السودانية، في حين أن بوكو حرام
تمردت على الدولة النيجيرية، إلا أن النتيجة كانت واحدة: مجتمعات مدمرة، واقتصادات
منهارة، وأجيال تعيش في ظل الخوف والنزوح.
سابعاً: التأثيرات الإنسانية والسياسية
1. آثار على المجتمعات
النزوح الجماعي واللاجئون: ملايين الأشخاص في مخيمات بدون موارد.
الأطفال والنساء كضحايا رئيسيين: خسارة التعليم، النزوح، الاستغلال.
تدمير البنى التحتية المحلية: المزارع، المدارس، المستشفيات.
2. على الاستقرار الإقليمي
خلق بيئة من الفوضى تمنح مناخاً مناسباً لتوسع أنشطة أخرى.
انعدام الثقة بين المكونات الاجتماعية بسبب العنف المسلح.
ثامناً: الاستجابة الدولية
المحكمة الجنائية الدولية: بحثت في جرائم دارفور.
المجتمع الدولي: عقوبات اقتصادية، دعم بعثات حفظ السلام.
التحالفات الإقليمية: مجموعة دول الساحل، القوة المشتركة لغرب إفريقيا ضد
بوكو حرام.
خاتمة
رغم الاختلافات الواضحة في أصل كل من ميليشيات الجنجويد وجماعة بوكو حرام،
إلا أن التجربة الإنسانية والعنف غير المسبوق تجاه المدنيين في كلتا الحالتين
يجسدان معنى الإرهاب الواقعي، بعيداً عن أي تبرير سياسي أو ديني.
يُظهر التحليل أن الإرهاب في أفريقيا لا يُقاس فقط بكمية العنف، وإنما بمدى
تأثيره على نسيج المقاومات الاجتماعية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

تعليقات
إرسال تعليق