الوثائق المسرّبة: كشف البنية المالية لقوات الدعم السريع:صعود حميدتي: من الجنجويد إلى قمة السلطة

 



كشف الشبكة المالية السرّية لقوات الدعم السريع

المال الذي يقف خلف أقوى مليشيا في السودان

إعداد: مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان
بقلم: الكرتي  ناشط حقوقي
تاريخ اليوم


مقدمة عامة

في أبريل/نيسان 2019، شهد السودان واحدة من أعنف الهزّات السياسية والاجتماعية في تاريخه الحديث، انتهت بإسقاط الرئيس عمر حسن أحمد البشير بعد قرابة ثلاثين عامًا من الحكم الاستبدادي. ودخل السودان عقب ذلك مرحلة انتقالية جديدة، تقاسمت فيها السلطة عناصر مدنية مع المؤسسة العسكرية عبر مجلس السيادة.

غير أن هذه المرحلة لم تكن مرحلة انتقال ديمقراطي حقيقي، إذ برزت فيها قوات الدعم السريع (RSF) باعتبارها أقوى قوة شبه عسكرية في البلاد، يتزعمها محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب نائب رئيس مجلس السيادة.


صعود حميدتي: من الجنجويد إلى قمة السلطة

برز حميدتي لأول مرة على الساحة السودانية عام 2003، عندما كان أحد قادة مليشيا الجنجويد التي نشرها نظام البشير في إقليم دارفور لقمع التمرد المسلح. وقد تورطت هذه المليشيا في قتل عشرات الآلاف من المدنيين، وارتكاب جرائم واسعة النطاق من تطهير عرقي، وتهجير قسري، واغتصاب، ونهب.

وقد بلغ نفوذ حميدتي حدًّا جعله يُذكر بالاسم في طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير بتهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

ومع تجدّد العنف في دارفور عام 2013، قاد حميدتي التشكيل الجديد لقوات الدعم السريع، التي ضمّت آلاف المقاتلين السابقين في الجنجويد، وواصلت ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

كانت هذه القوات تعمل في بنية موازية للجيش النظامي، حيث كان حميدتي يرفع تقاريره مباشرة إلى الرئيس البشير، متجاوزًا التسلسل العسكري التقليدي.


مجزرة 3 يونيو 2019 واستمرارية الجرائم

في 3 يونيو/حزيران 2019، اتُّهمت قوات الدعم السريع، إلى جانب الشرطة السودانية، بارتكاب مجزرة مروّعة بحق المعتصمين السلميين أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم، حيث قُتل أكثر من 100 متظاهر وفق تقارير منظمات حقوق الإنسان.

هذه المجزرة لم تكن حادثة معزولة، بل جاءت في سياق نمط طويل من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وسلفها الجنجويد في دارفور.

وقد أنكر حميدتي مسؤولية قواته عن تلك الجرائم، رغم الشهادات المتواترة والأدلة المصوّرة.


الوثائق المسرّبة: كشف البنية المالية لقوات الدعم السريع

حصلت منظمة Global Witness على حزمة وثائق مصرفية وشركاتية مسرّبة، تبيّن أنها حقيقية على الأرجح، تكشف الشبكات المالية التي تقف خلف حميدتي وقوات الدعم السريع.

تشير هذه الوثائق إلى أن:

  • قوات الدعم السريع استولت فعليًا على جزء كبير من قطاع الذهب في السودان.

  • تستخدم شبكة من الشركات الواجهة.

  • تدير حسابات مصرفية في السودان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد جرى التحقق من هذه الوثائق عبر:

  • مقابلات مباشرة،

  • سجلات شركات رسمية،

  • وسائل تحقيق مفتوحة المصدر،

  • تحليل بنية مواقع إلكترونية.

وتعتزم Global Witness نشر تفاصيل إضافية لاحقًا حول آليات التحقق.


تمويل القوة العسكرية: أسطول مركبات القتل

تكشف جداول مسرّبة لقوات الدعم السريع عن شراء ما يقارب ألف مركبة تويوتا بيك أب، يمكن تحويلها بسهولة إلى مركبات عسكرية سريعة (Technicals) مزوّدة برشاشات ثقيلة.

وقد أظهرت تسجيلات مصورة عشية مجزرة 3 يونيو وصول أعداد كبيرة من عناصر الدعم السريع والشرطة على متن سيارات تويوتا لاندكروزر وهيلوكس.

وعلى الرغم من عدم الجزم بأن المركبات المسرّبة هي ذاتها المستخدمة في المجزرة، فإن عشرات المقاطع المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي توثق استخدام هذا النوع من المركبات في:

  • قمع المظاهرات،

  • الاعتقال التعسفي،

  • إطلاق النار العشوائي على المدنيين.


الشركات الواجهة والشبكة العائلية

Tradive General Trading – شركة واجهة محتملة

تُظهر الوثائق أن شركة Tradive General Trading LLC المسجلة في الإمارات:

  • حوّلت نحو 50 مليون درهم إماراتي بين أبريل ويوليو 2019.

  • يملكها ويديرها شقيق حميدتي، القوني حمدان دقلو.

  • تُستخدم كقناة لتحويل الأموال بين قوات الدعم السريع وحساباتها.

وفي إحدى الوثائق، وُصفت التحويلات بأنها “تحويل إلى شركة شقيقة”، ما يعزز الاشتباه في كونها شركة واجهة.


GSK Advance – واجهة أخرى للتمويل والتوريد

تشير الوثائق إلى شركة GSK Advance، وهي شركة تقنية وأمنية صغيرة:

  • يديرها القوني حمدان دقلو.

  • استخدمت كوسيط في عمليات شراء وتوريد لصالح الدعم السريع.

  • جرى تمرير مدفوعات عبر شبكة من الأفراد المرتبطين بها في الإمارات، رواندا، ماليزيا، الصين، وغيرها.


الذهب: العمود الفقري لاقتصاد الجنجويد

شركة الجنيد (Al Gunade)

تكشف وثائق رسمية أن شركة الجنيد لتجارة الذهب:

  • مملوكة لعبد الرحيم دقلو (شقيق حميدتي) وابنيه.

  • حميدتي عضو في مجلس إدارتها.

  • ترتبط مباشرة بسيطرة الدعم السريع على مناجم جبل عامر في دارفور، التي انتُزعت بالقوة عام 2017.

وقد توسعت الشركة إلى:

  • جنوب كردفان،

  • أبو حمد،

  • العلاقيبية،

  • أسواق الذهب في شمال السودان.

وتشير تقارير إلى أن احتجاجات مدنية ضد التلوث بالزئبق قوبلت بقمع عنيف من الدعم السريع باستخدام مركبات تويوتا.


الاستقلال المالي: خطر على التحول الديمقراطي

تُظهر الوثائق أن قوات الدعم السريع:

  • تمتلك حسابًا مصرفيًا باسمها في بنك أبوظبي الوطني (FAB).

  • تعمل بميزانية مستقلة عن الجيش والدولة.

  • تشكّل ما يمكن وصفه بـ “مجمع صناعي-عسكري شبه نظامي”.

وقد تعهّد حميدتي علنًا بضخ أكثر من مليار دولار في البنك المركزي السوداني، معترفًا بأن مصدر الأموال هو:

  • رواتب المرتزقة في الخارج،

  • عائدات الذهب،

  • استثمارات أخرى.


خاتمة مركز الحقيقة والمعرفة

إن ما تكشفه هذه الوثائق ليس مجرد فساد مالي، بل بنية إجرامية متكاملة تموّل:

  • جرائم دارفور،

  • مذابح الجنينة،

  • مجازر الفاشر،

  • القتل الجماعي في الخرطوم،

  • التطهير العرقي،

  • الاغتصاب كسلاح حرب.

إن قوات الدعم السريع لم تكن يومًا قوة وطنية، بل مشروعًا عسكريًا-اقتصاديًا قائمًا على:

  • نهب الموارد،

  • العنف المنهجي،

  • استخدام المال لشراء السلاح والولاءات.

ويؤكد مركز الحقيقة والمعرفة أن:

  • أي انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان مستحيل دون تفكيك هذه الشبكة.

  • إخضاع كل الموارد العسكرية والاقتصادية لسلطة مدنية شرطٌ لا غنى عنه.

  • حميدتي ومنظومته يشكّلون عقبة بنيوية أمام السلام والعدالة.

العدالة قادمة، والوثائق لا تموت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي