مجلس التعاون الخليجي: من تكتل إقليمي إلى حالة تشرذم بنيوي: جذور التشرذم داخل مجلس التعاون: العداوات والخلافات التاريخية بين دول الخليج
مجلس التعاون الخليجي: من تكتل إقليمي إلى حالة تشرذم بنيوي
«تحسبهم جميعاً وقلوبهم ومصالحهم شتّى»
رغم مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية (1981) ، فإن التجربة العملية تؤكد أن المجلس لم ينجح في التحول إلى منظومة تكامل حقيقي، بل ظل إطارًا تنسيقيًا هشًا، تتآكله الصراعات البينية، وتُفرغه التناقضات السياسية والأمنية من مضمونه.
الوحدة الخليجية، كما هي اليوم، مكتوبة في المواثيق والبيانات الختامية فقط، بينما على أرض الواقع تسود حالة من انعدام الثقة، وتضارب المصالح، وتبادل الشكوك، بل والمكايدات السياسية والأمنية.
أولاً: جذور التشرذم داخل مجلس التعاون
1. غياب المشروع السياسي المشترك
لم تقم دول الخليج يومًا على رؤية استراتيجية موحدة، بل على:
-
خوف مشترك مؤقت
-
تحالفات ظرفية
-
توافقات أمنية هشة
ومع تغير التهديدات، تلاشى القاسم المشترك.
2. صراع النفوذ بدل التكامل
تحولت بعض الدول من منطق “الأمن الجماعي” إلى:
-
توسيع النفوذ الإقليمي
-
تصفية الحسابات
-
بناء تحالفات متضاربة داخل الإقليم وخارجه
ثانياً: العداوات والخلافات التاريخية بين دول الخليج
1. قطر × السعودية × الإمارات
أزمة حصار قطر (2017–2021) لم تكن حادثًا عابرًا، بل كشفت:
-
استعداد دول خليجية لاستخدام أدوات خنق اقتصادي وسياسي ضد عضو في المجلس
-
غياب أي آلية مؤسسية لحل النزاعات
-
انهيار مفهوم “البيت الخليجي”
ورغم المصالحة الشكلية، لم تُحل جذور الخلاف.
2. الإمارات × سلطنة عُمان
الخلافات بين أبوظبي ومسقط أعمق مما يُعلن، وتشمل:
-
اختلافًا جذريًا في الرؤية السياسية
-
موقف عُمان المستقل عن محاور الصراع
-
قضايا أمنية وصلت حد اتهامات بالتجسس في فترات سابقة
3. الجواسيس والجاسوسية بين الحلفاء
الملفات المسربة والتحقيقات الدولية تشير إلى:
-
مراقبة متبادلة
-
اختراقات سيبرانية
-
تجسس سياسي واقتصادي
وهو سلوك لا يوجد بين شركاء حقيقيين، بل بين خصوم مؤجلين.
ثالثاً: ساحات الصراع الخارجية كشفت الانقسام الداخلي
1. اليمن
-
السعودية: هاجس أمني وحدودي
-
الإمارات: نفوذ بحري، مليشيات، مشاريع انفصالية
النتيجة: حرب مفتوحة، كارثة إنسانية، وانكشاف التناقض الخليجي.
2. السودان
-
سياسات خليجية متضاربة
-
دعم أطراف متناقضة
-
الاستثمار في الفوضى بدل الدولة
ما ساهم في انفجار الحرب وانهيار الانتقال المدني.
3. ليبيا والقرن الأفريقي
تنافس محموم على:
-
الموانئ
-
القواعد
-
الأنظمة الحليفة
دون اعتبار للاستقرار أو حقوق الشعوب.
رابعاً: هل دول الخليج في حالة تشرذم؟
نعم، من الناحية السياسية والاستراتيجية:
-
لا سياسة خارجية موحدة
-
لا أمن جماعي حقيقي
-
لا ثقة متبادلة
-
لا مشروع مستقبلي مشترك
المجلس اليوم هيكل بلا روح.
خامساً: ما هو مستقبل دول الخليج؟
السيناريو الأول: استمرار التبعثر (الأرجح)
-
تصاعد الخلافات الصامتة
-
تحالفات متغيرة
-
هشاشة أمنية داخلية
-
انتقال الفوضى من الخارج إلى الداخل
السيناريو الثاني: الانفجار المؤجل
-
صدام سياسي أو أمني مباشر
-
تفكك عملي للمجلس
-
تحوله إلى إطار رمزي بلا وظيفة
السيناريو الثالث (الأضعف): مراجعة جذرية
-
الاعتراف بالأخطاء
-
وقف الحروب بالوكالة
-
بناء منظومة قانونية إقليمية
-
احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب
وهذا يتطلب إرادة سياسية غير متوفرة حاليًا.
خلاصة مركز الحقيقة والمعرفة
يرى مركز الحقيقة والمعرفة للعدالة والحكم الرشيد أن:
-
مجلس التعاون الخليجي يعيش أزمة بنيوية عميقة
-
التوافق الورقي لا يصنع وحدة
-
الأمن المبني على المليشيات والتدخلات سينقلب على أصحابه
-
من يزرع الفوضى خارج حدوده، سيحصدها داخلها
التاريخ لا يرحم، والجغرافيا لا تنسى، والعدالة المؤجلة تتحول إلى أزمات مستدامة.
تحسبهم جميعاً… وقلوبهم شتّى.
.png)
تعليقات
إرسال تعليق