عصابات الجنجويد ومافيات «تأسيس»: مكبٌّ مفتوح للنفايات الإجرامية في جسد السودان: بؤرة منظّمة لإنتاج العنف، وتدوير الجريمة، وتفريغ أحطّ أنماط السلوك الإنساني
عصابات الجنجويد ومافيات «تأسيس»: مكبٌّ مفتوح للنفايات الإجرامية في جسد السودان
مقال بقلم: الكِرْتي - ناشط حقوقي
مركز الحقيقة والمعرفة للعدالة والحكم الرشيد
ليست عصابات الجنجويد، ولا ما يُعرف اليوم بمافيات «تأسيس»، ظاهرةً سياسيةً أو عسكريةً طبيعية، بل تمثل - في جوهرها مكبّاً مفتوحاً للنفايات الإجرامية التي جرى تجميعها، تسليحها، وإطلاقها عمداً في جسد السودان. إنها ليست مشروع دولة، ولا حركة تحرر، ولا حتى مليشيا ذات برنامج، بل بؤرة منظّمة لإنتاج العنف، وتدوير الجريمة، وتفريغ أحطّ أنماط السلوك الإنساني.
أولاً: الجنجويد كنظام جريمة لا كقوة عسكرية
منذ العام 2003، تشكّل الجنجويد بوصفهم أداة إبادة وتطهير عرقي في دارفور، ثم جرى لاحقاً إعادة تدويرهم تحت مسميات مختلفة، وصولاً إلى «قوات الدعم السريع» وتحالفات «تأسيس». هذا الكيان لم يُبنَ على الانضباط العسكري أو القانون، بل على:
-
القتل على أساس الهوية العرقية والإثنية
-
الاغتصاب كسلاح حرب
-
الحرق الشامل للقرى
-
التهجير القسري وتغيير التركيبة الديمغرافية
-
نهب الممتلكات العامة والخاصة
-
تجنيد الأطفال
-
الاعتقال التعسفي والإعدامات الميدانية
هذه ليست «انتهاكات فردية»، بل نمط ثابت ومنهجي يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ثانياً: من دارفور 2003 إلى مجازر 2023–2025
إن سجل الجنجويد دموي ومفتوح، ومن أبرز محطاته:
1. جرائم دارفور منذ 2003
-
إبادة قرى كاملة من الفور، الزغاوة، المساليت
-
استخدام الاغتصاب الجماعي لتدمير النسيج الاجتماعي
-
تحويل الإقليم إلى فضاء للموت والنزوح الدائم
2. مذبحة شعب المساليت – الجنينة، يونيو 2023
في واحدة من أبشع الجرائم المعاصرة في إفريقيا:
-
قُتل الآلاف على أساس الهوية العرقية
-
أُعدم قادة المجتمع والأطباء والمعلمون
-
دُفنت الجثث في مقابر جماعية
-
مُحيَت أحياء كاملة من الوجود
هذه الجريمة ليست حدثاً عارضاً، بل تطبيق مباشر لسياسة الإبادة.
3. مجازر معسكر زمزم – مايو 2025
-
قتل واسع النطاق للمدنيين والنازحين
-
إعدامات داخل المخيم وأثناء الفرار
-
استخدام التجويع والحصار كسلاح
-
عنف جنسي ممنهج، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي
تقارير الأمم المتحدة أكدت أن ما جرى في زمزم يشكل نمطاً ثابتاً من الانتهاكات الجسيمة.
4. الإعدامات والمذابح في الفاشر
-
قصف الأحياء السكنية
-
استهداف الأسواق والمستشفيات
-
إعدامات ميدانية
-
منع وصول الغذاء والدواء
الفاشر تحوّلت إلى مختبر مفتوح للجريمة المنظمة تحت سيطرة الجنجويد.
ثالثاً: لماذا يشبه الجنجويد «مكب نفايات»؟
التشبيه ليس لغوياً، بل تحليلياً:
-
كما يُلقى في مكب النفايات ما لا يصلح للحياة الآدمية،
-
جُمعت في الجنجويد أسوأ أنماط العنف، والإجرام، وانعدام الضمير
-
لا ينضم إلى هذه العصابات إلا من قبل بفقدان الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والقانونية
إنها بؤرة تستقطب:
-
القتلة المحترفين
-
ناهبي الحروب
-
مرتكبي الجرائم العابرة للحدود
-
عناصر مرتبطة بشبكات إرهاب إقليمي
وبهذا المعنى، فإن الجنجويد يمثلون أحد أخطر بؤر الإرهاب المنظّم في إفريقيا المعاصرة.
رابعاً: المسؤولية لا تقع على الجنجويد وحدهم
نؤكد في مركز الحقيقة والمعرفة أن:
-
كل من موّل
-
أو سلّح
-
أو وفّر غطاءً سياسياً أو إعلامياً
-
أو برّر هذه الجرائم
شريك قانونياً وأخلاقياً في هذه الفظائع، وفق مبدأ المسؤولية الجنائية المشتركة.
خامساً: رسالة إلى الفقراء والمجندين قسراً
نقولها بوضوح:
لا يموت الأبرياء من أجل مكبّ نفايات إجرامي.
لا تُضحّى الأرواح لحماية عصابات ثراءها من الدم.
لا تُختصر الكرامة الوطنية في بندقية موجّهة إلى صدور المدنيين.
خاتمة
عصابات الجنجويد ومافيات «تأسيس» ليست قدراً، بل جريمة مستمرة.
والصمت عنها شراكة، وتبريرها تواطؤ، والانضمام إليها سقوط أخلاقي وقانوني كامل.
سيبقى سجل هذه الجرائم مفتوحاً،
وستبقى العدالة – وإن تأخرت – آتيـة.
مركز الحقيقة والمعرفة للعدالة والحكم الرشيد
الكِرْتي – ناشط حقوقي
.png)
تعليقات
إرسال تعليق