مفارقة "الدولة الزومبي" - البقاء عبر التناقض المُدار: المزيج الأيديولوجي المشوّه - زواج الضرورة بين المتناقضات: صمت الطائرة المسيّرة - جيل يكبر على وقع الرعب

 

الحرب المنسية: خمس حقائق مضادة للحدس تُعيد رسم ملامح الأزمة السودانية




مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان - أفريقيا الباحث الكرتي


ما بدأ في أبريل 2023 صراعاً على السلطة بين جنرالَين متنافسَين، تحوّل بحلول عام 2026 إلى مواجهة إقليمية مركّبة تتشابك فيها خيوط القوى الكبرى وتتداخل أجنداتها. لم يعد السودان مأساةً محلية محدودة الأثر، بل غدا المسرح الرئيسي لصراع متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران المتداعية. وقد كشف اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعلي لاريجاني عن العمق الحقيقي لهذه الأزمة، إذ تبدّدت معه شبكة التحالفات الخفية التي أدارت الصراع من وراء الستار، وتحوّل وادي النيل إلى خط صدع في منافسة استراتيجية أوسع تتجاوز حدود السودان وأفقه الجغرافي.

إن فهم مآلات الدولة السودانية يستوجب تجاوز المشهد الميداني المباشر والغوص في الحقائق المضادة للحدس التي تُعيد تشكيل ملامح القرن الأفريقي من أعماقه.


أولاً: مفارقة "الدولة الزومبي" - البقاء عبر التناقض المُدار

يعيش السودان اليوم حالةً يمكن وصفها بـ"الدولة الزومبي": كيان تعترف به المنظومة الدولية سيادةً قانونية، بينما يرزح في الداخل تحت وطأة تفريغ ممنهج من محتواه المؤسسي. فقد أضحت الحكومة عاجزة عن احتكار القرارَين الدبلوماسي والأمني في آنٍ واحد، ولجأ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى تحويل السيادة الوطنية من حقيقة راسخة إلى "أصل قابل للتحويل" يُستثمَر في تأمين الدعم الخارجي.

والمفارقة صارخة في دلالتها: بقاء القوات المسلحة السودانية ميدانياً مرهون إلى حدٍّ بعيد بالشريان العسكري الإيراني، غير أن اغتيال القيادة الإيرانية قد أسقط "آلية الغموض" التي أتاحت هذا الارتباط في الخفاء. وللإبقاء على قدر من الشرعية الغربية، اضطر البرهان إلى لعب دور مزدوج بالغ الدقة: فبينما تواصل القوات المسلحة توظيف الطائرات المسيّرة الإيرانية من طرازَي "مهاجر-6" و"أبابيل-3" في مواجهة هجمات قوات الدعم السريع، أقدم البرهان في الآن ذاته على اعتقال قادة موالين لطهران في مقدمتهم النجي عبدالله، إثر تصريحاته العلنية بالاستعداد للدفاع عن إيران في مواجهة القوتين الأمريكية والإسرائيلية.

ليست هذه حالة ارتباك أو تخبّط؛ بل هي إعادة معايرة استراتيجية محسوبة. فمن خلال تطهير أبرز الأصوات الموالية لإيران مع الإبقاء سراً على قنوات الإمداد، يسعى الجيش السوداني إلى إقامة جدار فاصل بين متطلباته التكتيكية وأعبائه السياسية.


ثانياً: المزيج الأيديولوجي المشوّه - زواج الضرورة بين المتناقضات

أفرزت الحرب كياناً أيديولوجياً هجيناً يكاد يعصى التصنيف: تحالف تكتيكي بين الإسلام السياسي السوداني الممثَّل في الحركة الإسلامية والكيزان من جهة، والحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى. إن هذا "الاندماج السني-الشيعي" يتخطى الحواجز المذهبية التاريخية، مُثبتاً أن إلحاح الضرورة التكتيكية قادر على تذويب عقود من التوترات العقدية.

بالنسبة لطهران، يمثّل السودان قاعدة عمليات متقدمة تمتد بصلاتها الاستراتيجية نحو البحر الأحمر. أما الحركة الإسلامية فترى في إيران المُزوِّد بالسلاح والعقيدة الثورية اللازمَين للإبقاء على قبضتها على مفاصل الدولة. بلغ هذا التحالف منعطفاً وجودياً في التاسع من مارس 2026، حين صنّفت الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين السودانية وكتيبة البراء بن مالك ضمن قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المحددة، ساريةً من السادس عشر من الشهر ذاته.

باتت الحركة الإسلامية تحتل أعلى درجات "المركزية الربطية" في شبكة الإرهاب الإقليمي، إذ تضطلع بدور العقدة المحورية التي تصل المحور الشيعي الإيراني- حزب الله والحوثيين - بالخلايا الإسلامية السنية الممتدة من بلاد الشام إلى منطقة الساحل.

"الآن بعد أن ربطت الحكومة الأمريكية بأسرها الإخوان المسلمين السودانيين بإيران، أُدرج السودان بصورة أعمق بكثير في رقعة هذه الحرب الدائرة بين واشنطن وتل أبيب وطهران. لن يستطيع السودان بعد اليوم أن ينأى بنفسه عن هذا التصعيد بالقدر الذي كان يأمله."خلود خير، مؤسسة كونفلوينس أدفايزري


ثالثاً: التحالف الخفي وحزام الساحل العربي

خلف المشهد الرسمي المرئي، تكشف قراءة الأنماط اللوجستية عن "تحالف خفي" يُشرك إريتريا شريكاً محورياً في عمليات الإمداد. فقد رُصدت طائرات شحن مرتبطة بالشبكة الإيرانية من طراز "فارس إير قشم 747" تحطّ في ميناء مصوّع لتفريغ حمولات من الطائرات المسيّرة المفككة والذخائر، يجري نقلها براً إلى بور سودان بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.

في المقابل، تحوّلت قوات الدعم السريع من تشكيل شبه عسكري محلي إلى تحالف عربي عابر للحدود. فهي لم تعد تجنّد مقاتليها من الأراضي السودانية وحدها، بل تمتص قوى بشرية عبر "الحزام العربي الساحلي" الممتد عبر تشاد والنيجر وليبيا. يتجلى هذا التحول بجلاء في شخصية حسين الأمين شوشو، القيادي التشادي الذي أعلن تضامنه العلني مع الدعم السريع وزعيمه حميدتي من قلب الخرطوم، مُؤطِّراً المشهد في سياق التضامن العربي العابر للحدود.

في الممرات الفارغة من سلطة الدولة بمنطقة الساحل، باتت الروابط القبلية تُضطلع بوظيفة "البنية التحتية العسكرية". وبالنسبة لكثيرين ممن تآكلت قواعد معيشتهم جراء التدهور البيئي وانهيار الدولة، لا يعدو الانضمام إلى قوات الدعم السريع كونه استراتيجية بقاء اقتصادي قسري.


رابعاً: وهم الاقتصاد - السلاح يزدهر والإنسان ينزف

كشف الصراع عن معادلة اقتصادية صادمة في قسوتها: بينما تتراجع تمويلات القطاع المدني والمساعدات الإنسانية إلى مستويات حرجة، تواصل رؤوس الأموال الموجهة لماكينة الحرب تدفّقها دون انقطاع. ومع انكشاف خطوط الإمداد الإيرانية جراء الحرب الأمريكية-الإيرانية، سارع الجيش السوداني إلى الانعطاف نحو منظومة إقليمية توصف بـ"المؤيدة للاستقرار"، هرباً من وصمة "الوكيل الإيراني".

محور هذا التحول صفقة تسليح بقيمة 1.5 مليار دولار مع باكستان بوساطة سعودية، أُبرمت في يناير 2026، وتشمل مقاتلات "جي إف-17" ومئتي طائرة مسيّرة، مُزوِّدةً الجيش بعتاد عسكري متطور تقنياً "نظيف" من الأصول الإيرانية سياسياً. وتنتهج القوى الخليجية في مجمل توجهها استراتيجية دعم وكلاء بعينهم بما يكفل "توازن الضعف" وإدامة حالة عدم الحسم.

"ثمة حقيقة ينبغي أن تكون جليّة تماماً: في حين سيتراجع تمويل الأصول المدنية والمساعدات الإنسانية، سيظل المال متاحاً دائماً للحروب."خلود خير، خبيرة الشأن السوداني


خامساً: صمت الطائرة المسيّرة - جيل يكبر على وقع الرعب

أحدثت الطائرات المسيّرة تحولاً جوهرياً في طبيعة المشهد النفسي والإنساني للمدنيين السودانيين. غدت طائرة "مهاجر-6" الإيرانية، "الخادمة الموثوقة للسماء"، الأداةَ الرئيسية للرعب، إذ تُوظَّف في ضربات دقيقة تستهدف المستشفيات والمدارس وقوافل الإغاثة الإنسانية بصورة ممنهجة.

في أبريل 2024، نكّل ضربة مسيّرة بشاحنة إغاثة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في شمال دارفور، فيما أودى هجوم آخر في الأبيض بحياة سبعة مدنيين أبرياء. بالنسبة لأطفال السودان، لم تعد التكنولوجيا بشارةً بمستقبل أفضل، بل تحوّلت إلى نذير الموت القادم من أعالي السماء.

"بالنسبة للأطفال السودانيين، باتت طنّة الطائرة المسيّرة إشارةً رعبٍ تدفعهم إلى الاختباء وترقّب الموت."ريكاردو بيريس، اليونيسف


خاتمة: حين تذوب الحدود ويبقى الصراع

أضحى السودان المرحلةَ الافتتاحية لمنافسة ساحلية أوسع تتصادم فيها موجات الإسلام السياسي العابر للحدود مع شبكات الميليشيات العربية اللامركزية. لقد تآكل الطابع الوطني للحرب تآكلاً شبه تام؛ ما تبقّى هو الصراع على ممر البحر الأحمر في عالم باتت الحدود القومية فيه أكثر رمزية منها فاعلية.

مع تصاعد وتيرة عسكرة المنطقة، يطرح المشهد سؤالاً وجودياً لا مفر من مواجهته: هل تستطيع الدولة السودانية استعادة مركز ثقلها بعد أن باتت قيمتها الاستراتيجية مرهونة بالغموض الحسابي تجاه الجميع؟ في عالم تحوّل فيه اختيار الجانب الخطأ إلى موت محقق، ربما لم يتبقَّ للسودان ما يُتاجر به سوى أداء السيادة على مسرح لم يعد هو من يُدير ستارته.


مركز الحقيقة والمعرفة لحقوق الإنسان — أفريقيا الباحث الكرتي يونيو 2026

تعليقات