ما جرى في الفاشر ليس حادثة معزولة؛ فهذه الأنماط من الانتهاكات الجسيمة: لا مخرج من الفاشر: شهادات الناجين من مجزرة النسيان: استمر الحصار ثمانية عشر شهراً

 

لا مخرج من الفاشر: شهادات الناجين من مجزرة النسيان




مدخل

في نهاية أكتوبر 2025، سقطت مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور في قبضة قوات الدعم السريع، بعد حصار خانق امتد ثمانية عشر شهراً. في غضون أيام قليلة، تحوّلت المدينة إلى مسرح لواحدة من أفظع المجازر في تاريخ الحرب السودانية المتواصلة منذ أبريل 2023. وثّق مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أكثر من ستة آلاف حالة قتل خلال الأيام الثلاثة الأولى وحدها من الهجوم، فيما تشير التقديرات إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير.

هذا التحقيق هو محاولة لاستعادة ما جرى داخل تلك المدينة المحاصرة: كيف عاش المدنيون، وكيف ماتوا، وكيف حاول البعض النجاة.


أولاً: حصار بلا رحمة

منذ مطلع عام 2024، باتت الفاشر المدينة الوحيدة الكبرى في دارفور التي لم تسقط بعد في يد قوات الدعم السريع. كانت آخر معقل للجيش السوداني في الإقليم، وكانت تضم في أحشائها مئات الآلاف من المدنيين الفارّين من موجات العنف السابقة في بقية أرجاء دارفور.

استمر الحصار ثمانية عشر شهراً، تعرّضت خلالها المدينة لقصف متواصل وتضييق ممنهج على المواد الغذائية والطبية. لم يكن ذلك عشوائياً؛ بل كان تكتيكاً حربياً مدروساً. شيّدت قوات الدعم السريع سدّاً ترابياً ضخماً يُطوّق المدينة بالكامل، يمنع دخول الإمدادات ويُقيّد حركة المدنيين الراغبين في الفرار. OHCHR

رصد فريق التحقيق هذا السدّ الترابي عبر مئات من صور الأقمار الاصطناعية التقطتها شركات Planet Labs وVantor وبيانات Sentinel-2، وتتبّع مراحل بنائه بين أبريل وأكتوبر 2025.


ثانياً: السقوط

في السادس والعشرين من أكتوبر 2025، سقطت الفاشر في يد قوات الدعم السريع. وخلال الأيام الثلاثة الأولى، وُثِّقت أكثر من ستة آلاف حالة قتل. Wikipedia

قدّرت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن أربعة آلاف وأربعمائة شخص لقوا حتفهم داخل المدينة في تلك الأيام القليلة، فيما سقط أكثر من ألف وستمائة آخرين وهم يحاولون الفرار عبر طرق الخروج. OHCHR

خلصت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصّي الحقائق في السودان إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية بحق المجموعات العرقية غير العربية الأصيلة إبّان حصار الفاشر والاستيلاء عليها. Yale School of Public Health

وأفادت التقارير بأن ما يزيد على أربعمائة وستين مريضاً ومرافقاً قُتلوا داخل مستشفى السعودي للأمومة حين اقتحمته قوات الدعم السريع. OHCHR


ثالثاً: شهادات الناجين

رقيّة جابر — الأم التي لم تجد ابنها

وُلدت رقية في الفاشر وعاشت فيها طوال عمرها. فرّت منها سيراً على الأقدام في أواخر أكتوبر 2025، حين كانت المدينة تتهاوى. فقدت اثني عشر فرداً من عائلتها. أما ابنها، فقد اختطفته قوات الدعم السريع ولا يزال مصيره مجهولاً. تقيم الآن مع عدد من النساء في مخيم كيريانغندو للاجئين في أوغندا، وتحمل في صدرها صورة لا تمحوها: صورة السدّ الترابي الذي طوّق مدينتها وخنق حياتها.

حليمة عبدالله — الجرح الذي لا يندمل

فرّت حليمة مع أطفالها الأربعة من الفاشر قبل عام من سقوطها، إثر هجوم وحشي طال عائلتها. كانت ابنتها تبلغ من العمر سبع سنوات حين اغتصبها عنصر من قوات الدعم السريع. طفلتها واحدة من بين أكثر من ثلاثة آلاف امرأة وفتاة وُثِّق اغتصابهن في دارفور منذ اندلاع الحرب، وفق ما أكّدته منظمة العفو الدولية وأطباء بلا حدود. خافت حليمة، لكنها أصرّت على أن تُروى قصتها.

أبو القاسم سجو — الصحفي المواطن

شاب أمضى سنوات يوثّق الهجمات على مخيم النزوح الذي نشأ فيه، ثم على الفاشر ذاتها. صوّر، وكتب، وأرسل، وخاطر بحياته ليُخبر العالم بما يجري. لكن العالم كان بطيء الاستجابة.

هدى حسب الله — من الخرطوم إلى كمبالا

طبيبة نفسية فرّت من الخرطوم في الأشهر الأولى للحرب وباتت تتنقل بين دول عدة. أسّست في كمبالا مركزاً لدعم النساء السودانيات، تجمع فيه بين جلسات الدعم النفسي وإحياء روح ثورة ديسمبر 2019. تحلم بالعودة لإتمام ما بدأت.


رابعاً: وثائق ملطّخة بالدماء

جمع فريق التحقيق بطاقات هوية أكثر من مائة شخص قُتلوا وهم يحاولون الفرار من الفاشر. حصل عليها من مصادر شملت أشخاصاً أُجبروا على دفن الجثث بعد سقوط المدينة. كثير من هذه الوثائق كانت ملطّخة بالدماء. بين الضحايا رجال ونساء وأطفال في عمر الرابعة.


خامساً: نمط ممنهج

ما جرى في الفاشر ليس حادثة معزولة؛ فهذه الأنماط من الانتهاكات الجسيمة تعكس ما سبق توثيقه في الهجمات على مخيم زمزم في أبريل 2025، وعلى الجنينة وأردماتا عام 2023، مما يدل على نهج ممنهج ومنظّم يُشكّل هجوماً متواصلاً على المدنيين في إقليم دارفور. OHCHR


خاتمة

ما زالت رقية تبحث عن ابنها. ما زالت حليمة تحاول أن تُعيد لابنتها شيئاً من الطفولة المسروقة. وما زال العالم يُسجّل الأرقام دون أن يوقف المجزرة.

الفاشر لم تسقط فجأة. سقطت على مدار ثمانية عشر شهراً، أمام عيون المجتمع الدولي، بينما كانت قرارات مجلس الأمن حبراً على ورق، والمدنيون يموتون خلف السدّ الترابي الذي لم يوقف بناءه أحد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أدلة على القتل الجماعي والتخلص من الجثث في مقبرة جماعية قرب مستشفى الأطفال السابق في الفاشر

تقارير دولية وأبحاث مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، وبوضوح من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية : الجنجويد والحكومة التأسيسية ينقلان جثث الضحايا إلى الصحارى لطمس الأدلة

حسن البرهان، شقيق عبد الفتاح البرهان، جمع ثروة طائلة تقدر بأكثر من 93 مليون دولار أمريكي