الخلفية التاريخية لمعاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) لعام 1987: الأهمية والبدائل:رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف 1987l
مركز الحقيقة والمعرفة
الخلفية التاريخية لمعاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) لعام 1987: الأهمية والبدائل
أولاً: الخلفية التاريخية للمعاهدة
في ذروة الحرب الباردة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سباق تسلح نووي مكثف شمل نشر صواريخ نووية متوسطة المدى في أوروبا. وقد شكّل نشر الاتحاد السوفيتي لصواريخ SS-20 القادرة على ضرب أهداف أوروبية خلال دقائق تهديداً استراتيجياً خطيراً لحلف شمال الأطلسي، ما دفع الولايات المتحدة إلى نشر صواريخ Pershing II وصواريخ كروز النووية في أوروبا الغربية.
هذا التصعيد العسكري خلق حالة من القلق الدولي، خصوصاً لدى الدول الأوروبية التي أصبحت ساحة محتملة لأي مواجهة نووية بين القوتين العظميين. كما شهدت أوروبا مظاهرات شعبية واسعة تطالب بإزالة الصواريخ النووية، وارتفعت الأصوات السياسية الداعية إلى الحد من سباق التسلح.
في هذا السياق، بدأت مفاوضات مطولة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي انتهت بتوقيع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في ديسمبر 1987 على معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF Treaty)، التي نصّت على:
-
إزالة جميع الصواريخ النووية والبالستية الأرضية التي يتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر.
-
تدمير منصات إطلاقها والبنية التحتية المرتبطة بها.
-
إنشاء نظام تحقق متبادل غير مسبوق يسمح بالتفتيش الميداني المتبادل لضمان الالتزام بالمعاهدة.
وبحلول عام 1991 تم تدمير ما يقارب 2700 صاروخ نووي من الجانبين، مما جعلها واحدة من أهم اتفاقيات نزع السلاح في التاريخ.
ثانياً: أهمية المعاهدة
تكتسب معاهدة INF أهمية استراتيجية وسياسية كبيرة لعدة أسباب:
-
إنهاء فئة كاملة من الأسلحة النووية
كانت أول اتفاقية في التاريخ لا تحدّ فقط من عدد الأسلحة، بل تقضي على فئة كاملة منها، وهو إنجاز غير مسبوق في مجال الحد من التسلح. -
خفض احتمالات الحرب النووية في أوروبا
إزالة الصواريخ قصيرة زمن الوصول قلّلت من خطر الضربة النووية المفاجئة، ومنحت صانعي القرار وقتاً أطول للتفكير في حالات الأزمات. -
تعزيز الثقة بين القوتين العظميين
نظام التفتيش المتبادل ساعد في بناء الثقة الاستراتيجية، وأسهم في تهيئة المناخ السياسي لإنهاء الحرب الباردة. -
تمهيد الطريق لاتفاقيات لاحقة
شكلت المعاهدة أساساً لاتفاقيات خفض الأسلحة الاستراتيجية (START) وغيرها من اتفاقيات الحد من التسلح.
ثالثاً: انهيار المعاهدة وتحديات النظام الدولي
في عام 2019 انسحبت الولايات المتحدة من المعاهدة، متهمة روسيا بانتهاكها عبر تطوير صواريخ جديدة محظورة، بينما نفت روسيا الاتهامات واتهمت واشنطن بانتهاكات مماثلة. أدى ذلك إلى انتهاء المعاهدة رسمياً، وفتح الباب أمام عودة سباق نشر الصواريخ متوسطة المدى، خصوصاً في أوروبا وآسيا.
رابعاً: ما البديل عن المعاهدة؟
بعد انهيار معاهدة INF برزت عدة خيارات بديلة مطروحة في النقاش الدولي:
-
اتفاقية متعددة الأطراف
بدلاً من اتفاق ثنائي أمريكي-روسي، يمكن تطوير اتفاق عالمي يشمل قوى نووية أخرى مثل الصين والهند وباكستان، لأن موازين القوة الحالية لم تعد ثنائية كما كانت في الحرب الباردة. -
نظام إقليمي للحد من الصواريخ
إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية في أوروبا وآسيا تمنع نشر الصواريخ متوسطة المدى في مناطق محددة مقابل التزامات أمنية متبادلة. -
اتفاقيات شفافية وتحقق جزئية
في حال صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل، يمكن البدء بإجراءات بناء الثقة مثل تبادل المعلومات حول الاختبارات الصاروخية، وآليات التفتيش المتبادل، وخطوط الاتصال العسكرية الساخنة. -
إحياء مفاوضات الحد من التسلح الاستراتيجي الشامل
الاتجاه نحو مفاوضات أوسع تشمل الأسلحة النووية التكتيكية والصواريخ فرط الصوتية والتقنيات العسكرية الجديدة التي لم تكن موجودة وقت توقيع معاهدة 1987.
خاتمة
شكّلت معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى لعام 1987 نقطة تحول تاريخية في مسار الحد من التسلح النووي، إذ ساهمت في تخفيف التوتر العالمي وتسريع نهاية الحرب الباردة. غير أن انهيارها أعاد العالم إلى مرحلة عدم اليقين الاستراتيجي، مما يجعل الحاجة ملحّة إلى ترتيبات دولية جديدة أكثر شمولاً تتناسب مع النظام الدولي متعدد الأقطاب في القرن الحادي والعشرين.

تعليقات
إرسال تعليق