صناعة الموت والجوع والمعاناة وتمجيد الموت تحت شعارات زائفة في السودان: تجنيد الأفارقة «الدونيين» ودفعهم إلى الموت: الاستهداف العرقي والقبلي
صناعة الموت
والجوع والمعاناة وتمجيد الموت تحت شعارات زائفة في السودان
مقدمة
في السودان اليوم، لا تموت الطفولة
لحظة واحدة؛ إنما تُصنع لها ظروف موتٍ بطيء ومتعمد: حصارٌ للأغذية، حرقٌ للمحصول،
نهبٌ للمخزون، وجيوشٌ تُستقدَم من أقصى البلاد لتكون دروعًا بشرية تُرمى في ساحة
صراعٍ لا علاقة لها بمصالحهم الحقيقية. كل هذا يتم تبريره بشعاراتٍ وطنية مزيفة،
تُقدّس القتل وتُقدّس المعاناة وتحوّلها إلى سردية بطولية تخدم النخبة الحاكمة.
آليات «صناعة الموت» كيف يتحول
النزاع إلى آلة إبادة اجتماعية
أولاً: تعطيل سلاسل الغذاء. القوات
المتحاربة تقوم بحرق المخازن وحصار الطرق ومنع وصول القوافل الإنسانية إلى المناطق
الأشد هشاشة، ما يجعل المجاعة نتيجة مُتوقعة ومقصودة. تقارير خبراء الأمم المتحدة
ومنظمات الإغاثة تؤكد أن الجوع في السودان صار «سلاحًا» يُستخدم عمداً ضد المدنيين
وأن الحصاد قد تعرّض لاضطرابات واسعة.
ثانياً: السرقة والنهب المنظمة.
عمليات النهب للثروات والمحاصيل تُغذي اقتصادًا موازيًا تموّل النخبة وتُبقي
السكان في دائرة فقر تُسهِم في انهيار الصحة والتعليم وإمكانية الصمود.
ثالثاً: تشويه الحقائق بالدعاية.
تُروّج منصات إعلامية وتيارات الكترونية لسرديات تبرر المجازر والمداهمات باسم
«الأمن» و«القومية» و«مكافحة الإرهاب»، فتُشرعن العنف وتغيّب الضحايا عن ضمير
العالم. تقارير تحليلية عن حرب الإعلام في السودان توثّق حملات معلوماتية تعمل على
تضليل الجمهور وتشويه الحقائق.
تجنيد الأفارقة «الدونيين» ودفعهم
إلى الموت: الاستهداف العرقي والقبلي
ثمة نمطٌ مرعب يتكرّر: تجنيدُ أو
استقطابُ شباب ومجموعاتٍ من ولايات مثل القضارف، كسلا، البحر الأحمر، النيل
الأبيض، النيل الأزرق، وجنوب كردفان وهم من المجتمعات التي تُعرَف وتُعامَل
كـ«أفريقية» أو «دونية» — ليقادوا إلى خطوط النار. هذا التجنيد يتم أحيانًا
بالقوة، وأحيانًا بالضغط الاقتصادي والاجتماعي، وأحيانًا بالدعاية التي تُعِدّهم
كـ«دروع بشرية» أو «أبطال» في سردية مزيفة. تقارير ميدانية ومنظمات حقوقية وأجهزة
رصد اللجوء تُشير إلى حملات تعبئة وطرد واحتجاز وتدريب قسري لمدنيين من مناطق
النزوح لصالح مجموعات مسلحة.
هذه السياسة لا تُضرّ فقط بحياة
الأفراد، بل تُكرّس تفوقًا بنيويًا: أطفال ومجتمعات بأكملها تُفقد حقّها في الحياة
والتعليم، بينما تستفيد طبقات النخبة من مواردٍ تُهرّب إلى الخارج وتُستثمر في
حياة رفاهية بعيدة عن معاناة البلاد.
تمجيد الموت: كيف تُقلب الشعارات
إلى طقوس تعطُّل الضمير
ما يُصيّر الجريمة إلى «قيمة» هو
خطابٌ عام يُقدّس الموت ويمنحه معنىً زائفًا «تضحية»، «ذود عن الوطن»، «طهرية
الحرب». هذا الخطاب يغيّب حقيقة العنف: أنه استغلالٌ مُعمَّم للضعفاء، وأنه إجرام.
عندما يُحتفى بالموت ويُعلّق على جدران الميادين، تُغدو الجراح نسيجًا منسوجًا
لشعاراتٍ بلا محتوى، وتصبح المأساة مصدر «شرعية» لمن يقودون القتل. تقارير حقوقية
وأخبار ميدانية كشفت عن حلقات تمجيد واحتفاء بالنصر على حساب فضح الجرائم ووقفها.
النتائج الإنسانية المدمرة
جوع ومجاعة متوقعة: عشرات الملايين
في حالة انعدام أمن غذائي حاد؛ آلاف الأطفال يواجهون سوء تغذية مُهدّدًا للحياة.
نزوح داخلي وخارجي واسع: ملايين
مشردون، مدنٌ وأرياف فارغة، بنية اجتماعية ممزقة.
انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان:
قتلٌ، اغتصابٌ كأداةٍ للإبادة العرقية، تجنيد أطفال، ممارسات ترقى إلى جرائم حرب
وربما جرائم ضد الإنسانية.
من المسؤول؟ ومن يحمّل العالم
المسؤولية؟
الجهات المسلحة التي تُنفّذ
السياسات سواء كانت قوات نظامية أو ميليشيات تتحمل المسؤولية المباشرة عن الجرائم.
لكن أيضًا هناك مسؤولية دولية وأخرى من أطراف خارجية تدعم أو تُستفيد من هذا الوضع
عبر صفقات تسليح أو دعم لوجستي أو صمتٍ سياسي. المجتمع الدولي، الأمم المتحدة،
الاتحاد الأفريقي، والمنظمات الإقليمية مطالبون بالتدخل الفعّال لوقف تعطيل
المساعدات، وفرض آليات حماية للمدنيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
دعوة عاجلة للعمل خطوات لا بد منها
الآن
فتح آمن وفوري للممرات الإنسانية
تحت ضمان دولي مستقل، والتأكد من وصول الغذاء والدواء للمناطق المحاصرة.
آليات تحقيق دولية ومحلية مستقلة
لتوثيق الجرائم وتقديم مرتكبيها للمحاسبة (محاكم وطنية، آليات أممية، دعم
للملاحقات الجنائية الدولية عند الاقتضاء).
وقف تجنيد الأطفال والاحتجاز
القسري عبر برامج إفراج فوري وتأهيل نفسي واجتماعي للأطفال المجندين وإعادة دمجهم.
حماية مرافق الحصة والمحاصيل من
النهب والحرق، وضمان إمكانية المزارعين من الحصاد وإيصال الإنتاج للأسواق المحلية.
حملة عالمية لمكافحة خطاب التبرير:
مراقبة منصات الإعلام ودحض الدعاية التحريضية، ودعم صحافة مستقلة وآمنة في الميدان.
خاتمة لا طمأنينة للضمير إذا بقي
السكوت: صناعة الموت والجوع هي جريمة منظمة ترتكب بحق شعبٍ بأكمله. لا يمكن أن
تُبرَّر المآسي باسم شعاراتٍ زائفة أو سردياتٍ مفصّلة لتثبيت سلطةٍ فاسدة. على
المجتمع المدني، على النقابات، على القادة الروحيين، وعلى المجتمع الدولي أن
يرفعوا الصوت ويحوّلوا التعاطف إلى إجراءات ملموسة: إنقاذ حياة، إنقاذ حق العودة،
ومحاكمة الجناة. التاريخ لن يغفر لمن ساهم في تبييض وجوه من صنعوا المجازر أو
سكوته عنه.
الكرتى ناشط حقوقى

تعليقات
إرسال تعليق